الدرس في شرح فتح المجيد 128، ألقاها
هذا الفصل يتناول حكم من جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته، ويبين أن ذلك يعتبر كفرًا وينتقض به توحيد الشخص. كما يشرح العلاقة بين هذا الباب والأبواب السابقة في الكتاب.
يناقش هذا الفصل كيفية التعامل مع الآيات والأحاديث المتشابهة، ويحذر من إنكارها أو تأويلها بغير علم، مستشهدا بأقوال السلف. كما يبين أن الإيمان بكتاب الله كله واليقين به هو السبيل للنجاة من الكفر والفتنة.
يناقش هذا الفصل مفهوم المتشابه والمحكم في القرآن الكريم، ويشرح كيف يتعامل أهل السنة والجماعة مع الآيات المتشابهة بردها إلى المحكم. كما يستعرض آراء العلماء السلف في هذا الشأن.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء للنبي الكريم بالصلاة والسلام والبركة، ويشمل هذا الدعاء له وآله وصحبه أجمعين، ويكون ختامًا للمواضيع السابقة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم ما بعد. قال الشيخ رحمه الله تعالى: باب من جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته، وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. وهذا الباب باب بيان حكم من جحد شيئًا من أسماء الله تعالى وصفاته، وأنه يكفر بذلك. ولما كان التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته، نبه المصنف رحمه الله تعالى على هذا. وقد تقدّم معنا أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، فمن أقر بربوبية الله تعالى وإلهيته وجحد أسماءه وصفاته أو شيئًا منه فقد كفر. فبهذا يظهر لنا بوضوح علاقة الباب بكتاب التوحيد، وأن من جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته فإنه قد انتقض توحيده. لأنه كما مر معنا أن التوحيد ثلاث أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية. فمن جحد الألوهية كفر، ومن جحد الربوبية كفر، ومن جحد الأسماء والصفات كفر. فإذن هذا الباب ساقه الشيخ رحمه الله تعالى ليبين أن من جحد شيئًا من أسماء الله أو صفاته فإنه يكفر وينتقض توحيده، فهو من باب نواقض التوحيد. وربط الباب بالباب الذي قبله، والله تعالى أعلى وأعلم. ونحن دائمًا نقول: علاقة الباب، وقد تكون ظاهرة، وقد تكون خفية، وقد تكون مرادة للشيخ، وقد لا تكون. ولكن نحن نقول بحسب ما ظهر لنا، وكذلك بحسب ما عرف من الشيخ رحمه الله تعالى ومن دقته في الأبواب. فنجد تلازمًا أو علاقة بين الباب والباب الذي قبله. فهذا الباب الذي يظهر، والله تعالى أعلم، أن علاقته بالباب الأول أن البابان الذين قبله سواء كان الباب الذي فيه من أطاع العلماء في تحريم ما أحل الله، أو الباب الذي يليه التحاكم إلى غير الله جل وعلا في الخصومات، فيهما أن من أشرك بالله معه غيره في الحكم فقد أشرك بالله. والحكم المطلق سواء كان التشريع أو القدر أو الجزاء هو خاص بالله جل وعلا، فمن أثبته لغير الله فقد أشرك بالله معه غيره في الحكم. وكذلك من جحد شيئًا مما هو ثابت لله من صفاته وخصائصه فهو جاحد كافر. فإذن في الأبواب الأولى فيها تمثيل لصفات الله جل وعلا بصفات خلقه، وهو تمثيل في الحكم ومشاركة في الحكم. وهذا الباب فيه أن من جحد شيئًا من أسماء الله جل وعلا وصفاته فقد كفر. إذن من مثل الله جل وعلا بخلقه سبحانه وتعالى فقد كفر، ومن جحد صفات الله جل وعلا كذلك فقد كفر. فهذا والله أعلى وأعلم العلاقة والمناسبة التي ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذا الباب بعد الذي قبله. قال الشارح رحمه الله: سبب نزول هذه الآية معلوم مذكور في كتب التفسير وغيرها، وهو أن مشرك قريش جحد اسم الرحمن عنادًا. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. فدل هذا الاسم على أن الرحمة صفة لله سبحانه، وهي من صفات الكمال. أما قوله رحمه الله: سبب النزول، فأسنده الكلام عليه في آخر الباب. إذن الله جل وعلا، وأما قوله رحمه الله: الرحمن اسمه وصفته، فقد تقدم الكلام عليه في أول كتاب التوحيد عند الكلام على البسملة. فالرحمن اسم وصفة تدل على كمال الرحمة لله سبحانه وتعالى. فإذا كان المشركون جاحدوا اسما من أسمائه تعالى وهو من الأسماء التي تدل على كماله سبحانه وبحمده، فجحود هذا الاسم ونحوه من الأسماء يكون كذلك. فإن جهم بن صفوان ومن تبعه يزعمون أنها لا تدل على صفة قائمة بالله تعالى. وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فلهذا كفرهم كثير من أهل السنة. قال ابن قيم رحمه الله تعالى: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان. واللالكائي الإمام حكاه عنهم، بل حكاه قبله الطبراني. فإن هؤلاء الجهمية ومن وافقهم على التعطيل جحدوا ما وصف الله به نفسه ووصف به رسوله من صفات الكمال ونعوت جلاله. وبنوا هذا التعطيل على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم. فقالوا: هذه الصفات هي صفات الأجسام، فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسما. وهذا لا يليق في حق الله جل وعلا، فماذا نصنع؟ قالوا: لا نثبت لله جل وعلا شيئا من الأسماء ولا من الصفات. فقال رحمه الله: هذا من شأن ضلال عقولهم، لم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموه من خصائص صفات المخلوقين. فشبهوا الله في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه، ثم عطلوه من صفات كماله. وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات. فشبهوه أولا، وعطلوه ثانيا، وشبهوه ثالثا بكل ناقص أو معدوم. قال: فتركوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله على ما يليق بجلاله وعظمته. قال رحمه الله: فإنهم آمنوا بكتاب الله والسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يتناقضوا. وأولئك المعطلة كفروا بما في الكتاب والسنة من ذلك، فتناقضوا. وهكذا كل مبطل لابد أن يتناقض، يثبت شيئا وينفي شيئا. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾. وهذا هو حال هؤلاء المعطلة، أنهم في الطراد وفي اختلاف كثير. قال رحمه الله: فبطل قول المعطلة بالعقل والنقل، ولله الحمد والمنة. وإجماع أهل السنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة المسلمين، الحمد لله مذهب كما يقال صافي أبيض مستقى من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: في صحيح البخاري، قال علي: «حدث الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟». قال الشارح رحمه الله: هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب، وأحد الخلفاء الراشدين. وسبب هذا القول والله أعلم ما حدث في خلافته من كثرة إقبال الناس على الحديث وكثرة القصاص وأهل الوعظ. فكانوا يأتون في قصصهم بأحاديث لا تعرف من هذا القبيل، فربما استنكرها بعض الناس وردها. وقد يكون لبعضها أصل أو معنى صحيح، فيقع بعض المفاسد لذلك. فأرشدهم أمير المؤمنين رضي الله عنه إلى أنهم لا يحدثون عامة الناس إلا بما هو معروف ينفع الناس في أصل دينهم وأحكامهم. قال: ورووا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارا لذلك، فقال: «ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكم ويهلكون عند متشابه». قال الشارح رحمه الله: قوله وروا عبد الرزاق، وابن حمام الصنعاني المحدث محدث اليمن، صاحب التصانيف أكثر الرواية عن معمر بن راشد، صاحب الزهري. وهو شيخ عبد الرزاق يروي عنه كثيرا. ومعمر بفتح الميمين وسكون العين أبو عروة ابن أبي عمر راشد، الأزدي الحراني ثم اليماني، أحد الأعلام من أصحاب محمد بن شهاب الزهري. يروي عنه كثيرا. قوله عن ابن طاوس، هو عبد الله بن طاوس اليماني. قال معمر: كان أعلى من مات بالعربية. فقال ابن عيينة: مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة. قوله عن أبيه، هو طاوس بن كيسان الجندي، بفتح الجيم والنون، الإمام العالم. قيل: اسمه ذكوان. قاله ابن الجوزي. قلت: وهو من أهمة التفسير ومن أوعية العلم. قال في تهذيب الكمال عن الوليد المقري: عن الزهري قال: قدمت على عبد الملك بن مروان. فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قال: قلت من مكة. قال: من خلفت يسودها وأهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي. قال: فبما سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فبما سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء. قال: إنه لا ينبغي ذلك. قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، عبد نوبي أعقته امرأة من هذين. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال: قلت: الحسن البصري. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: ويلك ومن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب. قال: ويلك يا زهري فرجت عني. والله لتسودن الموالي على العرب في هذا البلد حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو دين من حفظه سادة، ومن ضيعه سقط. وهذا كما قال من الأئمة رحمهم الله تعالى. قصة مليحة، ولكنها لا تثبت. المقرى هذا متروك الحديث. الوليد هذا الوليد هو ابن محمد متروك الحديث. ولكن معناها صحيح. فإن هؤلاء هم سادة تلك البردان في زمانهم رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم. وسادوها بالدين والعلم. قال رحمه الله: قوله عن ابن عباس قد تقدم، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن. ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». ورواه عنه أصحاب أئمة التفسير كمجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وطاوس وغيرهم. قوله: «ما فرق هؤلاء؟» يستفهم من أصحابه، يشير إلى أناس ممن يحضر مجلسه من عامة الناس. فإذا سمعوا شيئا من محكم القرآن ومعناه واضح معهم، فرق أي خوف. فإذا سمعوا شيئا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين له، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على عباده المؤمنين. قال الذهبي: حدث وكيع عن إسرائيل بحديث: «إذا جلس الرب على الكرسي». فقشعر رجل عنده، فغضب وكيع وقال: «أدركنا الأعمش وصفوان، محدثون بهذه الأحاديث ولم ينكروها». أخرجه عبد الله في كتاب الرد على الجهمية. وهذا أيضا يؤيد ما ذكرناه من إيراد المؤلف رحمه الله تعالى لأثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه. فوكيع كما ترون، وابن عباس يحدث بأحاديث الصفات. هكذا كما ترون يقول: «كنا نحدث بهذه الأحاديث عند هؤلاء الأعلام، ولا أحد ينكر، بل كلهم مقرون». وكذلك ممرون لهذه الأحاديث على ظواهرها. قال رحمه الله: وربما حصل معهم من عدم تلقيه بالقبول تركه، وربما حصل معهم من عدم تلقيه بالقبول ترك ما وجب من الإيمان به. فتشبه حالهم حال من قال الله فيهم: ﴿فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. فلا يسلم من الكفر إلا من عمّ بما وجب عليه في ذلك من الإيمان بكتاب الله كله واليقين. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فهؤلاء الذين ذكروا، ابن عباس رضي الله عنهما تركوا ما وجب عليهم من الإيمان بما لم يعرفوا معناه من القرآن، وهو حق لا يرتاب فيه مؤمن. وبعضهم يفهم منه غير المراد من المعنى الذي أراد الله فيحمله على غير معناه. كما جرى لأهل البدع كالخوارج والرافضة والقدرية ونحوهم من يتأول بعض آيات القرآن على بدعته. وهذا حال كل مبتدع، ينظر إلى أدلة الكتاب والسنة أنها موافقة لباطله. والحق أبدا لا ينصر الباطل، بل يقمع الباطل كما قال ربنا جل وعلا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. ولكن كما مر معنا في الدرسين اللذين مضيا أن الخوارج يستدلون على كفر الصحابة ومنهم علي وهم من المبشرين بالجنة. لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، قالوا: «إن الحكم إلا لله». قال علي رضي الله عنه وأرضاه: «حق أريد به باطل». فهؤلاء كذلك يأخذون من كتاب الله، ولكن يتأولونه على حسب عقولهم وآرائهم الفاسدة الباطلة. قال رحمه الله: وقد وقع منهم ما وقع من الابتداع والخروج عن الصراط المستقيم. فإن الواقع من أهل البدع وتحريفهم بمعنى الآيات يبين معنى قول ابن عباس. وسبب هذه البدعة جهل أهلها وقصورهم في التهم وعدم أخذ العلوم الشرعية على وجهها وتلقيها من أهلها العارفين لمعناها. الذين وفقهم الله تعالى لمعرفة المراد والتوفيق بين النصوص والقطع بأن بعضها لا يخالف بعضا. ورد المتشابه إلى المحكم. وهذه طريقة أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان. فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه. كما أن طريقة أهل الأهواء كما ذكر ذلك الإمام العلامة رحمه الله تعالى عكس ذلك، يردون المتشابه إلى المحكم، أهل السنة والجماعة يردون المتشابه إلى المحكم. فيصير الأمر كله محكما واضحا بينا. أما أهل الأهواء فيردون المحكم إلى المتشابه حتى يصير كله متشابها. فيكون ميدانا لهم الخوض فيما يخوضون فيه من البدع والأهواء. قال رحمه الله: ذكر ما ورد عن العلماء السلف في المتشابه. قال في الدر المنثور: أخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد». فنزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، وعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه. فقالوا: «آمنا به كل من عند ربنا». وهذا الحديث كما ذكر رحمه الله تعالى رواه الحاكم في المستدرك، وكذلك ابن جرير رحمه الله تعالى في التفسير وغيرهم. وسندهم مسلسل بالثقات، لذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في الصحيحة. ولكن الحديث فيه انقطاع، فيه علة خفية وهي الانقطاع بين أبي سلمة بن عبد الرحمن وابن مسعود. قال الحافظ في الفتح: قال ابن عبد البر هذا حديث لا يثبت، لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، ولم يلقه ابن مسعود. ففيه انقطاع. فوضعيف. قال رحمه الله: وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: «طلب القوم التأويل فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة، وطلبوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك». وهذا كذلك معناه واضح. وهذا الأثر رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، وكذلك رجاله ثقات. إلا أنه من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وروايته عنه في التفسير فيها مقال. قال رحمه الله: وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «آيات محكمات» قال: «من هن قل تعالوا إلى ثلاث آيات». ومن هنا إلى ثلاث آيات بعدها، أي أن هذه محكمات. وهذا الأثر عن ابن عباس كما ذكر رواه ابن جرير الطبري وغيره. وفي سنده في سند الطبري يعني من طريق العوام عن من حدثه عن ابن عباس. ورواه الحاكم في مستدركه فقال عن علي بن صالح أي رواه من طريق علي بن صالح ابن حي عن أبي إسحاق عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس. وعبد الله بن قيس مجهول العين. فكذلك هذا الأثر لا يصح. قال رحمه الله: وليس في هذه الآثار ونحوها ما يشعر بأن أسماء الله تعالى وصفاته من المتشابه. وما قاله النفاة من أنها من المتشابه دعوة بلا برهان. وهذا واضح. بل حكى شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أن آيات الصفات ليست من المتشابه بإجماع السلف. وكذلك الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الصواعق المرسلة أيضا حكى الإجماع حكى إجماع السلف أنها ليست من المتشابه. قال المصنف رحمه الله تعالى: ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. قال الشارح رحمه الله: رواه ابن جرير عن قتادة. وهم يكفرون بالرحمن ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشا كتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. فقال مشرك قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعنا يا رسول الله نقاتلهم». فقال: «لا، ولكن اكتبوا كما يريدون، إني محمد بن عبد الله». فلما كتب الكاتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» قالت قريش: «أما الرحمن فلا نعرفه». وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم. فقال أصحابه: «يا رسول الله دعنا نقاتلهم». قال: «لا، ولكن اكتبوا كما يريدون». وهذا الأثر كما ذكر رحمه الله تعالى رواه ابن جرير الطبري، وهو كذلك بإسناد رجال الثقات. إلا أنه من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وروايته في التفسير كما سمعتم فيها مقال. وأصله هذا الحديث ثابت في صلح الحديبية. أما أنها نزلت الآية أو هذا سبب النزول، فهذا الذي لم يثبت. قال: ورواه أيضا عن مجاهد قال: قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ قال: هذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا في الحديبية. كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم». فقالوا: «لا نكتب الرحمن، وما ندري من الرحمن». ولا نكتب إلا باسمك اللهم. قال الله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وهذا أيضا رواه ابن جرير، وسنده لا بأس به. قال: ورواه أيضا عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ساجدا: «يا رحمن يا رحيم». فقال المشركون: «هذا يدعو اثنين وهو يدعو واحدا». فأنزل الله: ﴿وَدَعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. فدل هذا الاسم على أن الرحمة صفة لله سبحانه، وهي من صفات الكمال. حديث ابن عباس رضي الله عنهما كما ذكر رواه ابن جرير، وهو من طريق محمد بن كثير، وهو صدوق كثير الغلط. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.