شرح فتح المجيد 11

الدرس في شرح فتح المجيد 11، ألقاها

تعريف الطاغوت وتفسيرات الصحابة

يتناول تعريف الطاغوت وتفسيرات الصحابة له، حيث قدموا تفسيرات متعددة تشمل الشيطان والكهان وما يعبد من دون الله. هذه التفاسير تشير إلى اتساع مفهوم الطاغوت.

أثر الطاغوت في الشرك ودعوة الأنبياء

يشرح تعريف الطاغوت حسب ابن القيم، ويبين أنواع الطواغيت وأثرهم في الناس، مع التركيز على أن اجتناب الطاغوت جزء من رسالة الأنبياء منذ نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

دعوة الرسل إلى توحيد الله وأهمية العمل الصالح

يتناول دعوة الرسل إلى توحيد الله وعبادته وحده، ويشدد على أهمية الإيمان المصحوب بالعمل الصالح من القلب والجوارح، مشيراً إلى أن جميع الرسل دافعوا إلى هذا المبدأ رغم اختلاف شرائعهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله قال رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَيَجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: الطاغوت مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. قال الإمام ابن فارس: في مقاييس اللغة، الطاء والغين والحرف المعتل أصل صحيح منقاس، وهو مجاوزة الحد في العصيان. يقال: هو طاغٍ، إلى أن قال: قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾، يريد: خروجه عن المقدار، أي: جاوز المقدار المعتاد. مدار الطغيان لغة على المجاوزة، لذا قال الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى هنا: مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. فكل ما جاوز الحد، فقد طغى. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «الطاغوت: الشيطان». هذا الأثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ذكره البخاري رحمه الله تعالى تعليقا في صحيحه، وقال الحافظ في الفتح: وصله عبد بن حميد في تفسيره، ومسدد في مسنده، وعهبد الرحمن بن رسته في كتاب الإيمان، كلهم من طريق أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر، مثله. قال الحافظ: «وأسانيدهم قوية». وحسان بن فائد بالفاء، قال أبو حاتم: «شيخ»، وذكره ابن حبان في الثقات. قال: وقد وقع التصريح بسماع أبي إسحاق من حسان، وسماع حسان من عمر في رواية رسته. والأثر رواه أيضا ابن جرير في تفسيره، وابن أبي حاتم، ورواه ابن أبي حاتم في المجلد الأول، صفحة تسعة وتسعين، وابن المنذر في تفسيره، في المجلد الثاني، صفحة سبعة وأربعين وسبعمائة، وابن جرير في تفسيره، في المجلد الخامس، صفحة سبعة عشر واربعمائة، من طريقين عن الثوري، وطريق أخرى عن شعبة، عن أبي إسحاق به، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهذا الأثر محتمل للتحسين، وكما سمعتم أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال: «أسانيده قوية». وهذا عائد إلى حال حسان بن فائد، فإنه لم يرو عنه إلا أبو إسحاق. وقال جابر رضي الله عنه: «الطواغيت: كهان كانت تنزل عليهم الشياطين». رواهما ابن أبي حاتم، أي: الأثرين، أثر جابر رضي الله عنه أيضا، ذكره البخاري رحمه الله تعالى تعليقا في صحيحه، ووصله ابن أبي حاتم في التفسير، الأول صفحة مئة، وابن جرير أيضا في تفسيره، في المجلد الخامس، صفحة ثماني عشر واربعمائة، وأسانيدهما صحيح. وقال مالك: «الطاغوت: كل ما عبد من دون الله». وهذا الأثر أيضا عن مالك ذكره ابن كثير في تفسيره، سورة النساء، عند الآية رقم واحد وخمسين، والسيوطي في الدر المنثور، في المجلد الثاني، صفحة ستة وستين ومئة، وعزاه إلى ابن أبي حاتم. قال رحمه الله تعالى: الطاغوت مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «الطاغوت: الشيطان»، أي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسر الطاغوت بالشيطان. وقد دل على هذا أدلة كثيرة، على أن الطاغوت يراد به الشيطان. وقال جابر وهو ابن عبد الله رضي الله عنهما: «الطواغيت: كهان كانت تنزل عليهم الشياطين». هذا أيضا تفسير من صحابي رضي الله عنه فسر فيه الطواغيت بأنهم الكهان الذين تنزل عليهم الشياطين. وقال مالك، وهو ابن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله: «الطاغوت: كل ما عبد من دون الله». قال العماد بن كثير: «الطاغوت: الشيطان، وما زين من عبادة غير الله». واضح. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: قلت: وذلك المذكور بعض أفراده، أي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسره ببعض أفراده، وجابر كذلك فسره ببعض أفراده، ومالك وكذلك العماد بن كثير. ولا تنافي بين هذه التفاسير كلها، بل الطاغوت يطلق ويراد به هذا وهذا وهذا. لكن ما هو الاسم الجامع؟ وما هو التعريف الجامع للطاغوت؟ قال الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى: وقد حده العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى حدا جامعا، قال: «الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع». قوله: «ما تجاوز به العبد حده من معبود»، أي: مما عبد مع الله أو من دون الله عز وجل، هذا طاغوت. فكل ما عبد من دون الله عز وجل، وهو راض بهذه العبادة، فهو طاغوت. واضح. قال: «أو متبوع»، والمراد بالمتبوع: علماء السوء الذين يتبعهم الناس. قال: «أو مطاع»، المراد بهم: أمراء السوء الذين يأمرون الناس بالباطل، فيطيعونهم على ذلك الباطل. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله». وهذا حال مع أمراء السوء. قال: فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة طاغوت، وعن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته. قال: وأما معنى الآية، أي: في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَيَجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، قال: أخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة من الناس رسولا بهذه الكلمة: أن يعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت، أي: يعبدوا الله وحده، وتركوا عبادة ما سواه. كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، قال: وهذا معنى لا إله إلا الله. فإنها هي العروة الوثقى. قال: العماد بن كثير في هذه الآية: «وكلهم يدعون إلى عبادة الله، وينهون عن عبادة ما سواه». قال: فلم يزد تعالى يرسل الرسل بذلك، منذ حدث الشرك في قوم نوح، الذين أرسل إليهم. ومعلوم أن الشرك أول ما حصل في قوم نوح، كما دل على هذا الأثر الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: أن الناس كانوا عشرة قرون على دين التوحيد، منذ آدم إلى زمن قوم نوح، ثم حصل بعد ذلك الشرك في قوم نوح، بعبادة الصالحين. أول ما بدأ الشرك بأن كان هناك من قوم نوح أناس صالحون، فبعد أن ماتوا، قال لهم الشيطان: اعملوا لهم صورا، حتى تنظروا إليهم، فإذا رأيتموهم تنشطوا للعبادة. فلما مات الآباء، واندرس العهد بالعلم والتوحيد، جاء للذرية الشيطان، فقال: «إن آباءكم كانوا يعبدون هؤلاء، فاعبدوهم». فعبدتهم الذرية، فوقع الشرك. فبعد أن وقع الشرك، أرسل الله عز وجل نوحا عليه السلام، وهو أول رسول إلى أهل الأرض، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وكما قال نبي الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل: «أن الناس يأتون إلى نوح، فيقولون: يا نوح، أنت أول رسول بعثك الله إلى أهل الأرض». وهذا الأمر، أي: أن نوحا عليه السلام هو أول رسول إلى أهل الأرض، مجمع عليه. فدل على أنه أول رسول: الكتاب، والسنة، والإجماع. دلت الكتاب، والسنة، والإجماع على أن نوحا عليه السلام هو أول رسول إلى أهل الأرض. قال رحمه الله تعالى: وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. فأول رسول: نوح، وآخر رسول: محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إلا أنه لا نبي بعده». فلا نبي بعده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإذا كان لا نبي بعده، فلا رسول بعده، من باب أولى، لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا. قال رحمه الله تعالى: الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب. وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فالشاهد من هذا: أن كل الرسل من أولهم إلى آخرهم، داعون إلى عبادة الله عز وجل وحده، وإلى إفراد الله عز وجل بالعبادة وحده، وإلى نبذ الشرك، ونبذ المشركين، والبراءة من الشرك وأهله. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَيَجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: «لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء»؟ أي: كيف يسوغ للمشركين بعد هذا أن يحتجوا بالقضاء والقدر على شركهم بالله؟ وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَيَجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة. قال رحمه الله تعالى: فمشيئة الله تعالى الشرعية عنهم منفذة، لأنه نهاهم عن ذلك على ألسن رسله. وفي قوله تعالى: ﴿وَيَجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، الرسل أمروهم باجتناب الطاغوت، ونهوهم عن عبادة غير الله عز وجل، فالحجة قائمة عليهم. قال: فمشيئة الله تعالى الشرعية عنهم منفذة، لأنه نهاهم عن ذلك على ألسن رسله. وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدرا، فلا حجة لهم فيه، لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر. قال: قلتم، أي: الشيخ عبد الرحمن، قال: قلت: وهذه الآية تفسر الآية قبلها، أي: في قول الله عز وجل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾، أي: أن الله عز وجل قال في كتابه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَيَجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾، فهذه الآية، أو هذا الجزء من الآية، يفسر الجزء الآخر منها. قال: ودلت هذه الآية على أن الحكمة في إرسال الرسل: دعوتهم أممهم إلى عبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه. وأن هذا هو دين الرسل، وأن هذا هو دين الأنبياء والمرسلين، وإن اختلفت شريعتهم. قال: وأنه لابد في الإيمان من العمل، من القلب والجوارح. قوله رحمه الله: ودلت هذه الآية على أن الحكمة في إرسال الرسل: ما هي؟ دعوتهم أممهم إلى عبادة الله عز وجل وحده. والحكمة ها هنا شرعية. قال: وأن هذا هو دين الأنبياء والمرسلين، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَيَجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فدل هذا على أن دين الرسل من أولهم إلى آخرهم: هو الدعوة إلى توحيد الله عز وجل وحده، والبراءة من الشرك وأهله. قال: وإن اختلفت شريعتهم، أي: أن شرائع الرسل مختلفة، ولكنها كلها تدعو إلى عبادة الله عز وجل وحده، وإلى الاستسلام لله عز وجل وحده، وإلى الإنقياد والخضوع لله عز وجل وحده. قال الله عز وجل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، أي: لكل رسول جعل له شرعة خاصة به، وكذلك جعل له منهاجا يسير عليه. ففي إشارة إلى أن الرسل شرائعهم مختلفة، ولكنها كلها داعية إلى أمر واحد، وهو إخلاص الدين لله عز وجل وحده. قال رحمه الله تعالى: وأنه لابد في الإيمان من العمل، من القلب والجوارح. من أين مستفاد هذا القول؟ ﴿أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَيَجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، يعبدوا الله: العبادة، كما مر معنا، ما هي؟ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال. فالآية دلت على أنه لابد من عمل القلب، عمل الجوارح. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليه.

شاركنا على