شرح أعلام السنة المنشورة  128

شرح أعلام السنة المنشورة 128

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 128، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التقدير الأزلي والإيمان بالقضاء والقدر

يشرح الدرس التقدير الأزلي والكتابة التي كتب الله فيها كل شيء قبل خلق السماوات والأرض، ويؤكد على أهمية الإيمان بالقضاء والقدر. يُستدل على ذلك بالآية الكريمة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾.

التأكيد على قضاء الله وقدره وعدم الحزن أو الفرح الزائد

ينصح الدرس بعدم الحزن على ما فات أو الفرح الزائد بما هو حاصل، مشيرًا إلى أن كل شيء مكتوب في كتاب الله قبل خلق السماوات والأرض. يشدد على أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وعدم الاغترار بالنفس أو الأعمال.

مسألة أول المخلوقات وخلق القلم

يناقش الدرس مسألة أول المخلوقات، حيث يختلف العلماء حول ما إذا كان العرش أو القلم أو الماء هو أول ما خلقه الله. يُرجح أن العرش هو الأول، ويُفسر حديث "أول ما خلق الله القلم" بأن "أول" هنا تعني "حين".

ختام الدرس والدعاء بالتوفيق

يختتم الدرس بالتأكيد على متابعة الدروس القادمة، ويدعو الله أن ينفعهم بما قاله. يُصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويختتم بالتوجيه لمتابعة الدروس اللاحقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: كم يدخل في هذه المرتبة من التقادير؟ هذه المسألة ذكرها الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى في هذا الموضع، وأراد منها التعلق بما قد مضى معنا في درس أمس، ما يتعلق بالمرتبة الثانية، وهي مرتبة الإيمان بكتابة المقادير. ثم أبان رحمه الله تعالى أن هذه المرتبة، مرتبة الإيمان بالكتابة، تحتوي على عدة مقادير، فقال رحمه الله تعالى: كم يدخل في هذه المرتبة من تقادير؟ قال رحمه الله تعالى: يدخل في ذلك خمسة من التقادير، كلها ترجع إلى العلم. التقدير الأول: كتابة ذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، عندما خلق الله القلم، وهو التقدير الأزلي. إذًا هذا نوع من أنواع الكتابة التي كتب فيها ربنا جل وعلا المقادير، وهو التقدير الأزلي. قال: التقدير الثاني: العمر حين أخذ الميثاق، يوم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، وهذا سيأتي تفصيله في حينه. قال: الثالث: التقدير العمري أيضًا عند تخليق النطفة في الرحم. إذًا الفرق بين كل ذلك متعلق بأعمار العباد، أما الأول التقدير العمري متعلق بالعباد عمومًا، وأما التقدير العمر الثاني متعلق كل بنفسه. قال: التقدير الرابع: التقدير الحولي في ليلة القدر. الخامس: التقدير اليومي، وهو تنفيذ كل ذلك إلى مواضعه. إذًا هذه خمسة تقادير تدخل في مسألة الكتابة التي كتب ربنا جل وعلا فيها المقادير لأحوال وأعمال العباد. المؤلف رحمه الله تعالى سرد لنا ها هنا المقادير الخمسة سردًا، وسيفصل في كل واحد على حدة. قال رحمه الله تعالى: ما دليل التقدير الأزلي؟ بدأ بأهمها وأشملها وأوسعها، وهو التقدير الأزلي، الكتابة التي كتب فيها ربنا كل شيء. قال: قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. هذه الآية أخبر فيها ربنا جل في علاه أنه ما من شيء، فقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ أي مصيبة، أين هي؟ في الأرض، فسرت بالآفاق، ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي في ذواتكم، إلا في كتاب، كتاب كتب ذلك ربنا عنده جل في علاه، هذا تقدير أزلي. كل شيء كتبه ربنا سبحانه وتعالى في الأزل، ما يقع في العباد وما يقع في المعمورة من مصائب بالآفاق من جدب وقحط وجفاف وضيق وحروب واقتتال، أو في أنفسكم من فقر ومرض وآفات وعاهات، كل ذلك مصطر عنده سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ اختلف المفسرون فيه، عائد إلى من؟ من قبل أن نبرأ الأنفس أم من قبل أن نبرأ المصيبة؟ قيل هذا وقيل ذاك، وإن كان الأكثر على الأول: من قبل أن نبرأها، أي من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة، كانت هذه المصائب قد كتبت عليكم، وهذا القول الأوجه، وتقواه جماعة من الحفاظ ومن المفسرين في الطبري وغيره. وقول ثاني: من قبل أن نبرأها، أي من قبل أن نحدث المصيبة، هي قد كتبت عندنا أصلا. وذكر الشوكاني رحمه الله تعالى في «أضواء البيان» أن هناك من ذهب إلى الجمع بين الأمرين، أي أن الله جل وعلا قد كتب المصيبة قبل أن يوجد المصيبة، وقبل أن يوجد كذلك الخلق، قد كتبها في الأزل سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. وهذا الأمر -إخواني في الله- قد لا تستوعبه العقول، بل تطيش عندها العقول: كتب كل شيء، كل شيء لكل شخص، لكل شخص ما أحد سيخرج -إخواني في الله- في أفعاله وحركاته وسكناته عما كتب له في اللوح، ما أحد سيخرج. تخيل يا عبد الله كم عدد الخلائق ممن مضى من لدن آدم عليه السلام إلى أوقاتنا، ومن سيدخل في هذه الأمة، ومن سيأتي بعدها إلى أن تقوم الساعة، كل واحد قد كتب له ربنا ما سيقع له من حاله. وحينها تطيش العقول وتستغربها، بل لا تستوعبها. ولهذا قال ربنا: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، فنعم، عندنا شيء من المحال، لكن في حق الجبار جل في علاه أمر يسير، ليس بصعب على ربنا عز وجل أن يحصي أعمال عباده. وما قدر الله حق قدره، هنا تأتي مسألة: فما الفائدة من هذا؟ عندما يخبرنا ربنا جل في علاه بأن ما من شيء يقع فينا وفي الآفاق في ملكوت السماوات والأرض إلا وقد كتبه الله عندك، ماذا نستفيد؟ قال ربنا سبحانه وتعالى بعد ذكر هذه الآية: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، هذه الحكمة عظيمة، وهذا من ثمار الإيمان بالكتابة. إذا وقعت المصيبة يا عبد الله، وقع لك شيء من خير أو شر، لا تأسى على ما فاتك، لا تعب على أصابع الندم وتقول: يا ليتني فعلت ويا ليتني فعلت، ولا زلت تتذمر على الفرص التي سنحت لك وفاتتك، فلا زلت تتندم وتعوب على أصابع الندم، لا، لا تأسى على ما فاتك. كان بعلم الله وقد كتب الله ذلك لك بأنه سيفوتك ولن يكون من نصيبك، فلا تأسى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. وبالمقابل: ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، فإذا جاءتك نعمة، فزت بفائزة، بجائزة من الله، عليك بمال وتجارة، فلا تتكل، تفتخر هذا والله بجهدي، تعالوا يا أبنائي وأنا والله شقيت في هذه الدنيا، عملت وتحريت وعرق جبيني، وهذا من جهدي. لا تغتر يا عبد الله، هذا قد كتبه الله لك، ربنا أراد هذا الخير لك فكان، لا تكتكل على نفسك، ولا تفتخر، ولا ترك إلى العجب، لا ترك إلى العجب. في حال بعض الناس ممن إذا طُولِب بحق الله، طُولِب بالزكاة، قال: أوه زكاة، إلا متى يا زكاة؟ نفذ مالي، مالي انتهى، فلا زال يعوّن على ماله، أن ماله قد جاء من جهده، لا، يا عبد الله، ليس من جهده، هي أرزاق، رزق الله لمن شاء من عباده فأعطى ربنا لذاك، ومنع هذا. قل: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، فربنا هو الذي بيده الملك، بيده الرزق. فإن جاءك شيء من رزق الله يا عبد الله، فلا تفرح، تدعي أن هذا من جهدك ومن كسبك، وإنما هذا سبب، وإن الرازق الحقيقي هو الله جل في علاه. وذاك متى إذا علمت أن هذا قد رزقه الله كتبه الله لك، فهذا فالفائدة عظيمة في هذه الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. وقد علق ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية بقوله: قال: وهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية النفاة، نفاة العلم السابق، قبحهم الله. نعم، هذه الآية واضحة الدلالة لمن كان في قلبه ورع وإيمان، وفي عقله مسكة عقل، أن يعلم بأن الله صرح بأن كل شيء كتبه، والكتابة مقرونة بعلمه سبحانه وتعالى. قال: وفي الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، قال: «وكان عرشه على الماء». رواه مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، في بيان مسألة الكتابة الكتابة الأزلية. قال نبينا: «كتب الله مقادير الخلائق»، وما أنا وإياك يا عبد الله إلا من هذه الخلائق، كل ذلك كتبه ربنا عنده: أعمالي، أعمالك، حركاتي، حركاتك، رزقي، ورزقك، سعيي، وسعيك، نومي، ونومك، كل ذلك مكتب ومصطر في كتاب الله جل وعلا، لا يضل ربي ولا ينسى. قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، قال: «وكان عرشه على الماء»، أي: وكان عرش ربنا على الماء. وهذا الحديث كما بين ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى من أقوى الأدلة على الفلاسفة ممن زعم بأن الله أوجد السماوات والأرض، ومن ثم أوجد العرش، لا، ما كان كذلك، وإنما أول ما أوجد الله سيأتي ذلك، العرش سابق للسماوات والأرض، وكان عرشه على الماء. خلق السماوات والأرض، وكان عرشه على الماء، الواو حالية، خلق السماوات وخلق الأرض، وكان حينها ربنا على عرشه مستويًا استواء يليق بجلاله وجنابه جل في علاه. لهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن زعم أن السماوات والأرض خلقت قبل العرش، قال: فهذا قول مناقض للقرآن والسنة ولإجماع المسلمين، قال: ولم يقل بهذا أحد من أهل العلم، ذكر ذلك أبو محمد في «مختصر الصواعق». قال: الشاهد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كل ذلك كتب، وهذا هو الكتاب الأزلي، التقدير الأزلي. قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». يا سبحان الله، فأمل يا عبد الله لعظمة هذا الحديث. وهذا الحديث نعم رواه أهل السنن، رواه أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، وهكذا أبو داود، وحسنه جماعة من أهل العلم، منهم شيخنا شيخ مقبل الوادعي رحمه الله رحمة واسعة، في كتابه «إتحاف الجامع الصحيح في القدر»، ذكر أنه صحيح لِمَجْمُوع طُرُقه، صحيح لِمَجْمُوع طُرُقه، فلا إشكال في صحة هذا الحديث. فربنا أول ما خلق الله القلم، قاله: اكتب، أمره بالكتابة، قال: وماذا أكتب؟ إذًا هذه الجمادات جعل لها ربنا أحاسيس، لا تقول يا عبد الله مجاز، ليس مجاز، ربنا على كل شيء قدير، فالجمادات قد تنطق، فالجمادات قد تتكلم. وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا؟ قالوا: «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء»، وذلك على ربنا يسير سبحانه وتعالى، تنطق الجمادات، وهكذا القلم يجعله ربنا عز وجل، والله أعلم بحقيقة القلم الذي كتب به ربنا المقادير، أمره ربنا بالكتابة، فقال هذا القلم طواعية: وماذا أكتب يا رب؟ ما الذي أكتب؟ قال سبحانه: «اكتب مقادير كل شيء»، كما قلنا: كل من يصيغه العموم لا يشذ ولا يخرج عنها شيء، اكتب كل شيء حتى تقوم الساعة، إلى أن تقوم الساعة، كل شيء، ما للكتابة الأزلية؟ وهنا مسألة لعل المقام يناسبه ذكرها، لكن من غير تفصيل، وهي مسألة: ما هي أول المخلوقات؟ إذ أن في هذا الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما خلق الله القلم»، لم؟ وهذه مسألة اختلفية بين العلماء من أهل السنة على أقوال عدة. ما هي أول ما خلقها الله من الكائنات؟ أول ما خلقها الله من الكائنات؟ قال جماعة من أهل العلم: العرش، عرش الرب، عرش الجبار، ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، ثم استوى على العرش، حيل أن أول ما خلق الله من الكائنات العرش، كتب ربنا سبحانه وتعالى العرش حيل، هذا أول مخلوقات، وهذا قول نصره جماعة من أهل العلم، بينهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وانتصر له، وهكذا ابن القيم، وهكذا ابن كثير، بل نسبه ابن حجر رحمه الله تعالى إلى الجمهور. القول الثاني: قول من قال بأن أول مخلوقات خلق الله سبحانه وتعالى الماء، ونقل ذلك الطبري، نقل عن جماعة من أهل العلم في تفسيره، لأن الماء هو أول ما خلق الله، واستدل بحديث: «والماء قبل العرش»، لكن هذا الحديث ما صح بهذا اللفظ. بهذا القول يستبعد القول الثاني، من قال بالقلم أن أول مخلوقات خلقها الله في هذه الكون المعمورة هو القلم، وهذا ذهب إليه الطبري رحمه الله، ورجحه من الجوزيين. والقول الصحيح في هذا الباب ما ذهب إليه الأوائل، وهو قول الجمهور، لأن العرش هو أول المخلوقات. أما هذا الحديث الذي قد يشكل فهمه: «إن أول ما خلق الله القلم»، قال: «علمه»، هنا الأولية ليس بمعنى الأول، لا، هنا الأول بمعنى حين، حين، مثاله: أنت تعبر، وأنه نعبر بهذه العبارات، تقول: عندما تعبر عن ضيوفك الذين زاروك إلى بيتك، تقول: وأول ما دخل محمد جلس، وأول ما دخل محمد جلس، ما معنى وأول ما دخل محمد؟ هل بمعنى هو أول من دخل؟ لا، تقول: أول ما دخل، أي: حين دخل جلس، أول بمعنى حين، حين. وهذا الذي انتصر إليه شيخ الإسلام انتصارًا عظيمًا، بأن حديث: «أول ما خلق الله القلم»، أي: حين خلق الله القلم، قال له: اكتب، أول ما تم خلق، استتبأ خلق القلم، جاءه الأمر من ربه بالكتابة، فحين خلق الله القلم، قاله: اكتب، فأول في الحديث بمعنى حين، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. والمسألة تطال وتذكر في المطولات، لكن الطول الصحيح: أن العرش هو ماذا؟ أول المخلوقات كذلك، حيث عبارة الذي مر معنا آنفًا: «إن كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»، إذًا دل على أن العرش كان سابقًا للكتابة، وما جاءت الكتابة إلا عندما وجد القلم، فدل على أن القلم تأخر عن خلق العرش، فالعرش هي أول مخلوقات. هناك من أراد أن يجمع، جمع حسن، فقال: أن العرش تعتبر له الأولوية من حيث أنها أول ما خلق الله في المخلوقات العلوية، العرش، وأول ما خلق الله من المخلوقات الأرضية القلم، ولعل هذا جمع، قال به جمع من أهل العلم، حتى يجمع بين القولين. وما سمعتم في مذهب جمهور العلماء: أن أول ما خلق الله العرش. قال رحمه الله تعالى: وقال عليه الصلاة والسلام: «يا أبا هريرة، جف القلم بما هو كائن». الحديث في البخاري، قال: وغير ذلك كثير. نعم، هذا حدثنا به البخاري، لكن بلفظ: «يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاقٍ به». بهذا اللفظ جاء البخاري، ومر معنا في درس أمس: أن هذا التعبير بمعنى أن هذا الذي كتب لا يغير ولا يبدل، وأن الخلق سيصطرون جميعًا على ما كتب لهم. «يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاقٍ»، ما ستلاقيه، كل ذلك قد صطر لك. قال المؤلف: الحمد في البخاري، وغير ذلك كثير. وسأت إن شاء الله معكم في درس قادم في التقدير الثاني، وهو التقدير العمري عند الميثاق، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.