الدرس في شرح مسائل الجاهلية 39، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن تعصب أهل الكتاب والجاهلية ورفضهم الحق إذا لم يكن من طائفتهم، مما يؤدي إلى العداوة بين الطوائف. هذا التعصب انتشر في الأمة المحمدية على شكل تعصب للجماعات والمذاهب.
يناقش ظاهرة التعصب المذهبي وآثاره السلبية على فهم الدين وتطبيقه، حيث يرى أتباع المذاهب أن الحق منحصر في مذهبهم ويتعصبون له دون قبول الحق من خارجه.
يحذر من التعصب المذهبي والتحزب وآثارهما السلبية، ويبين أن الولاء والبراء ينبغي أن يكونا على دين الله وليس على أشخاص أو أفكار، ويؤكد على قبول الحق بغض النظر عن مصدره.
يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مشيراً إلى نهاية مناقشة أو توضيح لمسألة معينة مع الاعتراف بأن العلم الكامل عند الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثامنة والعشرون أنهم لا يعقلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم، كقوله: ﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾. هذه الفقرة، إخواني في الله، الذي قال فيها المؤلف: أنهم لا يعقلون من الحق. في نسختي هذه الكلمة: لا يعقلون، وفي بعض النسخ: لا يقبلون من الحق. عندي: لا يعقلون، وفي نسخة: لا يقبلون. والصحيح الذي رجح الكثير من العلماء: النصاب لا يقبلون الحق، هذا الصحيح، وهو الملائم للعبارة. وأما يعقلون، إما تصرف من بعض النساخ، أو يكون خطأ في النقل. فالكثير يقولون: أنهم لا يقبلون الحق، هذا الملائم. إذن، هذه الفقرة، إخواني في الله، فيها كذلك خصلة من خصال أهل الجاهلية، ومن كان قبلهم من أهل الكتاب، أنهم لا يقبلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم. وهذا يسطر من ضمن القواعد التي يقعد لها أهل الكفر في تمييزهم بين الحق والباطل. مر معنا من ذلك شيء الكثير، وهذه الفقرة تصب حول هذا التقعيد. ما هو مقياس الحق عندهم؟ مقياسه الذي يكون مع طائفتهم، يكون في جماعتهم، هنا يكون الحق، وما خرج عن جماعتهم ما يكون إلا الباطل. لا يمكن للحق أن يخرج عن دائرتهم. فقال سبحانه: أنهم لا يقبلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم، كقوله: ﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾. وهذه الآية في سياق أهل الكفر من اليهود، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾. قيل لهم آمنوا، اعتقدوا بما أنزل الله، أي أنزل الله على نبيه عليه الصلاة والسلام من الإسلام والقرآن، ومن الوحي والتشريع. ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾. وما الذي أنزل على اليهود؟ التوراة. ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، ويكفرون بما وراءه، أي بما بعده، يكفرون بالكتب المنزلة بعد ذلك، كالإنجيل والقرآن، مع أن فيها الحق، وفيها التصديق لخبر التوراة، إلا أنهم تركوا ذلك. قالوا: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾. إذن، هذا الضابط هو الذي سار عليه الكفار، وهو أنهم آمنوا بما أنزل علينا. كل ما جاء من التوراة، كما قال أهل التفسير، أي كفاية بما في التوراة. مع أن التوراة، لو أنهم تمعنوا فيها، لما كان فيها معارضة للقرآن، ولما كان فيها معارضة في بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام. بل إن التوراة لتدل دلالة واضحة جلية على بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا الإنجيل، فيه الآيات، وفيه العبارات الدالة على بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام. إذن، على ماذا يحمل هذا؟ يحمل هذا منهم إما أنهم عناد واستكبار وخوض في الباطل، أو أنهم أهل غفلة وجهل. وهذا هو الواضح، وهذا سيأتي في الفقرة اللاحقة. سيأتينا أن هؤلاء أهل الجاهلية لا يعلمون ولا يعرفون ما في شريعتهم ولا في دينهم من الأصول والقواعد. ما يعرفون شيء، هم صحيح يتحمسون لها، هم يتغزلون بها، هم ينتسبون إليها، لكنهم في درجات الجهل. لا يعرف الواحد، الواحد يقول: أنا يهودي، أنا على ما في التوراة. وإذا سألتم: ما في التوراة؟ قال: الله أعلم. يقول آخر: أنا نصراني، أنا مسيحي، أنا أعترف بما في الإنجيل، ولا أعترف بما سواه. إذا سألتم: ما في الإنجيل؟ يقول: الله أعلم. ما يعرف شيء. وهذه حقيقة، فإن الكثير منهم يجهل يجهل هذه المسائل، لكنه الجهل. فهم بين يدورون بين الجهل، وكذلك بين العناد والاستكبار. فقال سبحانه وتعالى: ﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾. إذا، مفهوم ذلك: على أنهم رضوا بهذه القاعدة، أننا لا نقبل الحق إلا ما جاء من طائفتنا. فإذا جاء أحد من اليهود بحق قبلناه، وإن جاء غير اليهود، جاءنا نصراني أو جاءنا مسلم بحق، فإننا لا نقبله. وهذه المسألة، إخواني في الله، سار عليها أهل الكتاب، وسار عليها أهل الجاهلية. وهذه الخصلة، إخواني في الله، لو تأملتها تجد أنها تصاحب أيضًا صفة ذميمة أخرى، وهو هذا من اللوازم الذي يلتزم بهذه القاعدة: أنه لا يعترف إلا بالحق الذي من جماعته ومن طائفته. فإن هذا يلزمه الاعتداء على الآخرين بالتهوين والاستخفاف والاستهانة والتحقير والرمي بالباطل. هذا من لوازمه. إذا كان يرى أن الحق في جماعته، إذن ما خارج الجماعة، ما الذي يكون عنده؟ يكون عنده الباطل. ومن هنا ذكر ربنا جل وعلا هذا الوصف، قال سبحانه: «وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء». فكل واحد ماذا؟ يرمي الأخرى بالباطل. لأن هذا من ثمرة هذا الذي يعتقد أن الحق في طائفته، وما سوى ذلك لا. فهذا يلزمه أن يتعدى على الآخرين. ومن هنا نعلم أن الله جل وعلا جعل من اعتقاد أهل الإسلام الولاء والبراء، المولاة والمعاداة، وأن تكون هذه العقيدة لأهل الإسلام خاصة، أن توالي في الله، لأن من والى في الله فإنه سيعادي في الله لله. لكن من والى من أجل بشر، فإنه سيعادي من أجل البشر. وتجد هذه قاعدة مستمرة مع الطوائف، مع الملل، مع النحل. فأهل الجاهلية من أهل الكتاب، عندما رأوا أن الحق في طائفتهم، رموا الآخرين، رموهم بالباطل. وهكذا عبد الله، من سار في حال هذه الأمة المحمدية، يجد هذا المرض قد انتشر وفشى فيهم، وهو ما يسمى بالتعصب، ما يسمى بالتعصب. كل طائفة تتعصب بما لديها. وهذا يكمن من خلال الكيان الاجتماعي، إما من مذاهب، من مدارس، من حركات، من جماعات. تجد أن هؤلاء من دخل فيهم هذه الدسيسة، يرون أن الحق في جماعتهم فقط لا غير، وأن ما كان خارج جماعتهم فهو الباطل. مثاله، ويظهر ذلك ما كان عليه أهل المذاهب. أهل المذاهب هم على هذه القاعدة، أنهم -بل المؤلف رحمه الله تعالى- ربما عنى بهذه الفقرة ما لقاه رحمه الله تعالى من مذاهب عصره، من المذاهب في عصره. أنه لو ربما إذا ذكر لهم الأدلة من القرآن والسنة، سرعان ما احتجوا عليه بأقوال المذاهب. فإذا كان من مذهب الشافعي، قال: نحن شافعية، ولا نخرج عن مذهب الشافعي. ومن قال: نحن حنابلة، فنحن على مذهب الحنبلي. فالحاصل، إخواني في الله، أن هذه المسألة، وهو عدم قبول ما جاء من الحق إلا كل من طائفته، نجد هذا، إخواني في الله، قد فشى وانتشر. وهذا ما يسمى عندنا بالتعصب، التعصب المذموم. تجد أن الرجل لا يخرج عن المجتمع الذي هو فيه. فإن كان على مذهب معين، فإنه يستميت على هذا المذهب، لا يخرج عنه البتة، لا يخرج عنه البتة، ولو رأوا الحق واضحًا، أعرض عنه. وإذا جاء له الحق من خارج المذهب، لا ربما قبله، ما قبله. بل كما قلنا، يحصل التعدي، يحصل التعدي، يرمي الواحد منهم، لا يعترف بالحق الذي عند غيره، ذاك. حتى أصبحت المذاهب -ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى- في زمنه، في زمن أن كان الناس إذا أرادوا أن يسألوا عن أمور دينهم، ماذا كان السؤال؟ كان يسأل واحد بهذا السؤال: ما الراجح في مذهبي؟ أو افتني في مذهبي. يريد أن يعرف الراجح في مذهبه. فإن كان شافعيا، عليك أن تفيده بالراجح في المذهب الشافعي. وإن كان مالكيا، يريد منك أن تفتيه بالراجح في المذهب المالكي. ما كان أحد يبحث عن الراجح الذي يريده الله، أو الراجح الذي جاء في السنة. ما كان هذا همهم. إنما همهم أن الواحد يظفر بالحق الذي في طائفته التي جعل نفسه ينتسب إليها. حتى قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن الفقهاء في زمنه، كان الواحد منهم يحتاج إلى أن يعرف أقوال المذاهب الأربع، يحتاج لذلك. لماذا؟ لأنه إذا كان في مركز القضاء والإفتاء، يأتيه السائل فيقول: يا إمام، أنا في مسألة وقعت في كذا فكذا، في مسألة الطلاق ونحو ذلك، فأفتني في المذهب الحنفي. ما الذي يقول مذهبي في هذه المسألة؟ إذا كان هو عاميًا أو جاهلًا أو مقلدًا، فيضطر هذا المفتي أن يشغل الذاكرة فيستخلص القول في مذهب الأحناف لهذه المسألة. يقول: عندكم أنتم يا أحناف عندكم هذا القول، خذ. يذهب. يأتي آخر يأتيه بمسألة في البيوع، فيقولها: أفتني في هذه المسألة على مذهبي الشافعي. ما الذي يقول الشافعية؟ يقول: انتظر، فيستحضر، فيقول: قال الشافعية كذا. وهلم جر. وكان الفقهاء يعدون هذه مفخرة، لا يا عبد الله، هذا ليس مفخرة، هذه مذمة، هذه مذمة، مذمة في حق المفتي، ومذمة في حق المستفتي. بل لا يجوز، لا يجوز لعالم، يا علماء، أن يفتي الناس على هذه المذاهب. لا يجوز. إذا كنت تعلم أن المراد من ذلك التعصب لهذا المذهب، فكون يأتيك واحد يقول لك: يا شيخ، والله أنا عندي مسألة في الطهارة، وأنا قد التبس الأمر، إيش الراجح عندنا في مذهب الشافعي؟ لا تجيب. لا تجيب إذا أراد أن يتعرف على مسألة المذهب حتى يتمسك بها،.. أما أن يأتي من المقلدة والمصحب المذاهب، من يربي الناس على هذا الأمر، فلا. هذا التربية سيئة. أن تعود الناس على الانتساب لطائفة معينة. ما يدريك يا عبد الله، طائفة الحق مع الأحناف في هذه المسألة، أو عند المالكية، بل عند غيرهم، عند غيرهم. أما من ربط الناس بطائفة معينة، هذا من فعل أهل الجاهلية، أنهم لا يقبلون الحق إلا من طائفتهم. حتى وصل الغلو بأتباعهم، وبأشخاصهم، بل حتى يقول قائلهم، من بعض المتعصبة: يقول: أن كل آية أو حديث تخالف مذهبنا، فهي إما مؤولة أو منسوخة. ليس وصل بهم الغلو إلى درجة أنهم يردوا أقوال المذاهب الثانية، بل حتى وصل بهم الغلو إلى رد خبر الله وخبر رسوله. يقول: كل آية أو حديث تخالف مذهبنا -يعني نحن نسير على هذا المذهب، مذهب معين، ارتضيناه في ديننا- فإن عثرنا على أن آية أو حديث فيها مخالفة، فيها معارضة لما نحن عليه المذهبية، قال: ما تظنون في حق هذا المتعصب؟ كان الأولى أن يغير من مساره، أن يعدل من مذهبه حتى يتوافق مع نص الآية والسنة. لكن ما الذي قال؟ قال: كل آية أو حديث تخالف مذهبنا، فهي -ليس المذهب، بل الآية والحديث- فهي إما مؤولة أو منسوخة، إما مؤولة تؤول بأي شيء، أو أنها منسوخة لا يعمل بها. فجعل ما هو عليه وطائفة هو المحكم، وما جاء من نصوص الشرع هي ماذا؟ المتشابه. فأما بإرجاع المتشابه إلى محكمه، وهذا هو الضلال. هذا رجل قد تجرأ بلسانه أن يتفوه بمثل هذه الكلمات. لكن الكثير من المتعصبة، وهكذا من المقلدة، من المقلدة، ورضي بهذه المرتبة الدنيا: أنه يرتبط بطائفة، إما بإنسان، إما بقواعد، إما بمبادئ يسير عليها. وذكر عبد الله، عن غلوهم، حتى بلغ أن الواحد منهم يرضى بما في طائفته، حتى في أركان الدين، في أركان الدين. من نظر إلى الصور القديمة التي قطعت، وبعضها رسمت، عما يتعلق بالحرم المكي: أنه كانت في تلك الأزمان أربعة منابر، أربعة محاريب. ما ظنك لهذه المحاريب الأربعة؟ كان بعضنا يظن أنها احتياط، إذا خرب هذا المنبر، جاء بالمنبر الثاني. أو أن إمام الحرم كل ساعة في مكان يغير. لا، ما كان هذا القصد. هذه المحاريب الأربعة هي لأربعة أئمة، لأربعة أئمة. إذا أذن للصلاة، فالناس يصطفون. لكن ما لاصطفافهم؟ ليس خلف إمام واحد، بل كل يصطف خلف إمام طائفته. يصطف خلف إمام طائفته. هذا المحراب للمالكية، فيجتمع المالكية خلف هذا المحراب، فيصلون خلف المالكي، ولا يصح لهم أن يصلون خلف المحراب الشافعي. المحراب الشافعي هذا خاص الشافعية، يجتمعون ويتكدسون خلف هذا المحراب مع إمامه، ويصلون. أربعة، هذا فرض، هذا فرض، هذا فرض، هذا فرض. وهكذا من شدة التعصب. فكان كل واحد لا يرضى أن يقبل حق إلا من طائفته، حتى في أمر الصلاة، والأمر في ذلك حتى. بل قد بلغ بهم أن بعضهم لربما لفق الأحاديث، الأحاديث المبنية على هذا الأمر، إما أحاديث فيها إظهار أن الحق مع طائفتهم، وأن ما عداهم فهو على باطل. حتى قال بعضهم، من شدة الزحام، أو قل شدة العراك التي وقعت بين الأحناف والشافعية، بل لدرجة الحروب والقتال. لا أقول: قتال اللسان، بل حتى بالسنان، حروب دموية بين المذاهب. فكان من بعض هذه الحروب، الحروب الكلامية: أن كان بعضهم يلفق الأحاديث المكذوبة التي فيها ماذا؟ فيها ممدح لمذهبه. حتى بعضهم أورد حديثًا يقول: قال عليه الصلاة والسلام: «أبو حنيفة سراج أمتي». أبو حنيفة سراج أمتي، أبو حنيفة سراج أمتي. وثم يأتي: آه، هذا كما قال في مدح نفسه. إذا كان من الأحناف، ثم يأتي بحديث موضوع، فيه الطعن الشافعي، قال: «إن الله جل وعلا يبعث على هذه الأمة رجلًا أشد ضررًا على أمة من إبليس، اسمه محمد بن إدريس بن قوسين الشافعي». انظر لهذا الغلو والمجازفة والمهاترة والتلاعب. دين الله جل وعلا، ولا ولاء، ولا براء، ولا معاداة. فإذا كان الأمر إلى هذا الحد، أنك تتعصب إلى طائفتك، اعلم أنك ستهجو غيرها، بل ليس هجاء العادي، بل اعتداء الذي حرمه ربنا سبحانه وتعالى. وهكذا على إثر هذه المدارس المذهبية الفكرية، كذلك ما يتعلق بأمر الجماعات، ما يتعلق بأمر التحزب. التحزب تجد أن بعضهم يتحزبون، قد يكون تحزبهم على رأس على رجل بعينه، يوالون ويعادون عليه. وقد يكون الولاء والبراء ليس على شخصه، وإنما على مبادئه، على أقوال، على ما يسمى بالإشارات أو القواميس أو المفردات العشر أو الست. ويجعلها العدد من المقالات، وعليها الولاء والبراء. فما كان من جهة، وما جاء من هذه المقالة، قبلوها. وما كان خارج هذه الجماعة، ما قبلوه. هذا من التعصب المذموم، من التحزب المذموم. تجي طائفة من ناس تربي أتباعها: أنهم لا يقبلون إلا ما جاء من جهتهم، إلا ما جاء من جهتهم. ومن كان من خارج جهتهم، لا يقبل منه، بل حتى قرأت بنفسي عن عبارة من هؤلاء المتعصب، المتحزب: أنهم قالوا: أن من جاء بقول، ولو كان برًا تقيًا، فإنه لا يقبل منه، إن كان من خارج جماعتنا. لا يقبل من أحد أبدًا، ولو كان برًا تقيًا، فلا يقبل منه. لماذا؟ لأنهم رأوا أن الحق في طائفتهم، ولا يخرج عما سواها. يذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عن نفسه: كيف أنه حُورِب من بعض الجماعات، لدرجة أن تلك الجماعات كانوا يمنعون الطلاب والتلاميذ الذي يدرس في معاهدهم ومدارسهم وكليات وجامعاتهم، أن لا يذهب إليه رحمه الله تعالى. يمنعون من ذلك. هذا هو التعصب، هذا فعل الجاهلية، أنهم لا يقبلون الحق إلا من طائفتهم. فهذا كله مذموم، يا عبد الله. ولهذا الشرع أرشد إلى أن العصمة في شرع الله جل وعلا: الولاء والبراء على دين الله، لا على أشخاص، ولا على ذوات، ولا على مبادئ، ولا على أفكار. فإن كل يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب القبر، وهو نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينًا اعتقاد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، قال رحمه الله تعالى: قال: «أن الإسلام مبني على اتباع كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما اتفقت عليه الأمة». قال: «فهذه هي أصول معصومة». قال: «وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إليها إلى طريقته، يوالي ويعادي عليها، غير النبي عليه الصلاة والسلام، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي ويعادي عليه». أي: انتبه. لا تجعل شخصًا، وكذلك لا تجعل كلام بعض ناس. يقول: الحمد لله، نحن في هذا المجموع، ما عندنا أشخاص نتعصب إليهم، لكن تنظر في جهة أخرى، تجعلهم كلام، دستور، أفكار، آراء، المبادئ العشرة، الأفكار أو أصول الستة، أو أصول المبتكرة عند بعض الجماعات، كالجماعات الحركية، كالتبليغ، الأصول الستة، يوالون ويعادون عليها. هذا كله لا يجوز. كل ذلك لا تجعل شخصًا، ولا تجعل كذلك كلامًا، يوال ويعاد عليه. إنما أي الولاء والبراء؟ لدين الله، للكتاب والسنة. وقال شيخ الإسلام: «وما اتفقت عليه الأمة». هذه المكانة تكفي. الولاء والبراء، وما عدا ذلك فلا. فالحاصل، إخواني في الله، أن هذه الفقرات تحتوي على مسائل كثيرة، فيه تحريم التعصب، فيه تحريم التقليد، كذلك فيه تحريم الاعتداء على الآخرين، وبالإجحاف. وكذلك فيه وجوب قبول الحق، وأن المسلم يربي نفسه على اتباع ما جاء به الله، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. فقول رحمه الله تعالى: «أنهم لا يقبلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم». فلتعلم أن هذا الخلق، يا عبد الله، من خلق أهل الجاهلية. فإياك وإياك، يا عبد الله، أن تتصف بهم، بأي مدرسة كنت، سواء كان على مدرسة فكرية، أو مذهبية، أو حزبية، أو على تنظيم قبلي أو جاهلي، أو كيان اجتماعي، أي منظومة، أو أيقونة ليست من التشريع الله جل وعلا، فالولاء والبراء عليها، هذا من فعل أهل الجاهلية. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.