شرح مسائل الجاهلية  71

شرح مسائل الجاهلية 71

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 71، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير من الافتراء والكذب على الله

يشرح خطورة الكذب على الله سبحانه وتعالى وانتشاره عند أهل الجاهلية وأهل الكتاب. نهى الله عن الافتراء في القرآن الكريم.

خطورة الكذب على الله ورسوله وتأثيره

يُنبه إلى خطورة الكذب على الله ورسوله، ويحذر من التهاون في نقل الفتاوى المشبوهة واختلاق الأحاديث النبوية. يُشدّد على أهمية التحري في الدليل الشرعي.

علاقة الكذب على النبي بالافتراء على الله والدعاء

يشرح خطورة الكذب على النبي وعلاقته بالافتراء على الله، ويحذر من رواية الأحاديث بدون تثبت. يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويذكر الصلاة على النبي.

  • 22 جمادى الأولى 1435هـ - 23/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الستون افتراء الكذب على الله، وهذه الخصلة إخواني في اللامي الخصال الذميمة التي اشتهرت عند أهل الجاهلية، سواء كانوا عند اليهود أو عند النصارى، فإن دينهم مبني على الكذب، دينهم مبني على الكذب. فقوله رحمه الله تعالى: افتراء الكذب، افتراء بمعنى الاختلاق، بمعنى الاختلاق، يختلقون الأكاذيب، وخاصة الأعمال الباطلة التي تصدر منهم، فما أيسر أن ينسبوها إلى الله سبحانه وتعالى، فما أيسر أن ينسبوها إلى الله جل وعلا. كما كان أهل الجاهلية، كان يصدر منهم أفعال مشينة، كانوا يطوفون بالبيت عراة، قالوا: والله أمرنا بها، أنباشرة الطواف عراة، نسبوا هذا إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا من كان قبلهم من أهل الكتاب، كانوا ينسجون حول أنفسهم وحول دينهم الأكاذيب. قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه، وهذا كذب وافتراء على الله سبحانه وتعالى. وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، هذا كذب وافتراء على الله سبحانه وتعالى. قالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، وهذا كذلك كذب وافتراء على الله سبحانه وتعالى. واتخذ الله ولدًا، وهذا كذب وافتراء على الله سبحانه وتعالى. وقس على ذلك الباطل يصدر منهم، ثم بعد ذلك يصبغونه الصبغة الشرعية، فهذا الافتراء. وإلا فإن الافتراء مأخوذ من الفري، والفري هو قطع الجلد بقصد الإصلاح، قطع الجلد بقصد الإصلاح. لكن الافتراء ما يأتي إلا للذم، ولهذا كثيرًا ما يأتي الافتراء بمعنى الذم، يصف به ربنا جل وعلا الشرك، ويصف به ربنا سبحانه وتعالى الظلم. قال جل في علاه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، لا أحد أظلم من هذا الصنف، ممن يتجرأ ويكذب على الله سبحانه وتعالى. إنه من يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا. والافتراء إخواني في الله، خصلة ذميمة، وربنا جل وعلا نهى جميع الأمم والخلائق، سواء كان من كان قبلنا أو من كان في هذه الأمة المحمدية، عليه أن يجتنب الافتراء على الله سبحانه وتعالى. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، هذه آية عامة، آية عامة لكل أحد، أن لا يتقول على الله سبحانه وتعالى، فلا يقول هذا حلال، ولا يقول هذا حرام بغير دليل. وللأسف ابتلينا في هذه الأزمان، من تلك الفتاوى التي بحق تسمى فتاوى سريعة في هدم الشريعة، رجل لم يعلم أو لم يعرف بطلب العلم، وليس من أهل العلم، حد عام من عوام، ضحل في باب العلم الشرعي، ثم يتجرأ على إدخال أحكام شرعية، فيقول: هذا حلال، وهذا ما في شيء، وهذا لا بأس به، وذا ربما يفتي بالفتن، بجواز سفك الدماء وإزهاق الأرواح، ومع هذا كله ينسب ذلك لله، وينسب ذلك لدين الله، وينسب ذلك لشرع الله، هذا افتراء على الله، افتراء على الله. فلا أحد أظلم أمثال هؤلاء، فاتق الله عبد الله في دين الله، إنما كما قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، من أراد أن يتكلم بلسان الشرع، فليأتي بدليله، يأتي بدليل من شرع الله، من كتاب الله، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وأدخل العلماء رحمه الله تعالى في الكذب على الله، التهاون في نقل الفتاوى، التهاون في نقل الفتاوى، وخاصة من هذه الفتاوى المشبوهة المشكوكة، من الفتاوى العصرية التي يبثها من لا دين له، يريد من ورائها إحلال المحرمات، وأن يأتي بفعل الشهوات، فيأتي ببعض الفتاوى المشبوهة، ويلقيها على عواهنها، هذا لا يجوز، هذا من الافتراء على الله سبحانه وتعالى. بل ينبغي أن تتحرى الدليل، أن تتحرى الدليل في مثل هذه المسائل. وهكذا بالمثل، قال علماء: يدخل في الافتراء على الله جل وعلا، الافتراء على النبي عليه الصلاة والسلام، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من تجرأ على أن يلفق أحاديث، يلفق أحاديثًا من نفسه، ثم ينميها ويرويها على رسول الله، فهذا هو الكذب على الله سبحانه وتعالى. قد قال عليه الصلاة والسلام: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، ضمان لك يا عبد الله بمقعد لك في جهنم، متى تجرأت على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن كذبًا على رسول الله ليس ككذب على أحد، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد»، ليس هو أي كذب، بل هذا كذب على الشريعة، كذب على الشريعة. وقد وجد الطوائف وجماعات من الناس يكذبون على رسول الله، يكذبون على نبينا، الكذب الصراح، يدخل إلى بيته، فيبقى عند طاولته، أو ينسدح، أو يطرح أفكارًا، بنيات أفكاره، ثم يأتي بأقوال من عند رأسه، فيخرجها للناس على أنها أحاديث نبوية، وأنها أحاديث شريفة. وكان فعلت هذه الأحاديث بالأمة الأفاعيل، فهذا كذب على الله سبحانه وتعالى، قبل أن يكون كذبًا على النبي، فهو كذب على الله. ولو كان صاحب هذا الصنيع أراد خدمة الدين، يوجد نعم طائفة من العباد والزهاد، أنه أراد أن يحسن من شأن الأمة، ومن شأن الأفراد، فأخذ يذكر ويصطنع أحاديث من عند نفسه، وأراد منها أن يدفع الناس إلى الخير. كمن رأى أن الناس عزفوا عن القرآن، فيأتي بذكر أحاديث من عنده، يلفقها فيها الحف على قراءة القرآن، وينسبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورأى الناس كثر فيهم البخل، كثر فيهم الشح، وما أنفقوا في سبيل الله، فيرى أن هذه مشكلة، فكيف الحل؟ قال: الحل لابد أن ألفق أحاديث، فيأتي بأحاديث عظيمة فيها الأجر العظيم الذي ينقطع عليه ولا نظير. ثم بعدما يلفق هذا الحديث، يقول: أما سمعتم بخبر الرسول؟ هو خبره، لكن يخرجه ما قصده هو، قصده نفع الناس، حث الناس على الخير، لكن ليس هكذا، ليس نفع الناس يا عبد الله، أنك تكذب على نبيك عليه الصلاة والسلام، فإن هذا لا يخرجك عن الافتراء والكذب على الله سبحانه وتعالى. يقول حافظ بن حجر رحمه الله تعالى في بيان هذه العلاقة، قال رحمه الله تعالى: وقد اغتر قوم من الجهلة، هم ليسوا زنادقة، وليسوا أهل مكر، لكنهم جهلة، عندهم حمية، عندهم حماس للدين والشرع. قال: وقد اغتر قوم من الجهلة، فوضعوا أحاديث فيها الترغيب والترهيب، وضعوا الوضع بمعنى الكذب، والكذب المختلق المصنوع على النبي، فذلك الموضوع، فالوضع بمعنى الكذب والافتراء. قال: وقد كذب، وقد اغتر قوم من الجهلة، فوضعوا أحاديث فيها الترغيب والترهيب، وقالوا: نحن لم نكذب عليه، وهذه الداهية، لما كذبوا برروا هذا الفعل بأن هذا ليس الكذب المذموم. قالوا: نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا موطن الشاهد، قال: وما دروا أن تقويله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، يقتضي الكذب على الله. وما دروا أن تقويله عليه الصلاة والسلام ما لم يقله، يقتضي الكذب على الله، ذكر هذا الحافظ في الفتح رحمه الله تعالى. فهؤلاء قوم إنما أرادوا الخير، فوضعوا أحاديث الترغيب والترهيب، ودروا ومنوا أنفسهم أن هذا ليس بكذب، بل هذه خدمة لدين الله. فرد الحافظ أن تقويل النبي فقط، هذه فقرة، أنك تنسب لرسول الله ما لم يقله، كذب على الله مباشرة. إذن فيدخل إخواني في الافتراء، الكذب على الله، الافتراء في الأحاديث الموضوعة المكذوبة. وكذلك ألحق العلماء بهذا الباب، الذي يروي الأحاديث وهو ليس متثبت منها، بل متردد فيها. هذا يوجد أن بعض الناس يسمع حديثًا، وهو متأكد من صحته، ثم يرويه، لهذا ما يجوز، وهذا ما يجوز، ويدل على ذلك ما جاء في رواية الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، وفي لفظة: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين». من حدث عني بحديث يرى، يظنه، وذلك يأتي بالمظنة بالشك، وما يدري أهو ثابت أم غير ثابت، لكن يحدث الناس به، فهو في عداد الكذبة. قالوا: فهو أحد الكاذبين، وفي لفظة في الصحيح: «فهو أحد الكاذبين»، الكاذب في رواية الحديث، هو الذي يلفق الحديث من نفسه، هذا كاذب، أو الذي يرويه. لأن بعض الناس يقول: أنا والله سأتي بأحاديث، وهذه الأحاديث أنا ما لفقتها، إنما آتي لبعض الكتب، هذه المشهورة بالوضع، فأنقل عنها، أنا ما كذبت، هو الذي كذبوا، أنا ما أنقل، نقول: ولو تدخل في النهي، لأنك تعلم، أو كما قال: عندك شك في ثبوته، فوجود الشك في رواية الأحاديث، تستلزم منك يا عبد الله التوقف، لأن هذا دين. من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين. ومن هنا استفاد العلماء، كابن حبان، وجماعة من المحققين من أهل العلم، على ضرورة أن تروي الحديث وأنت متثبت منه، أنت متشكك فيه، ما عندك بينة، فاقفه يا عبد الله، أقفه على جانب، وما ضيق الله عليك. فهذا أخواني في الله، ما يتعلق بالافتراء على الله سبحانه وتعالى. فالحاصل أخواني في الله، أن من خصال أهل الجاهلية، أنهم يفترون الكذب على الله، وأدخل علماء من الكذب على الله، الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.