شرح مسائل الجاهلية  87

شرح مسائل الجاهلية 87

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 87، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير النبي من اتخاذ قبور الصالحين مساجد

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وهي عادة شائعة عند أهل الجاهلية واليهود والنصارى، وقد انتقلت إلى بعض المسلمين بسبب الغلو.

صور وطرق اتخاذ القبور مساجد

هناك ثلاث صور لاتخاذ القبور مساجد، وهي الصلاة أو السجود على القبر، قصد القبر بالصلاة، وبناء المسجد على القبر، وقد نهت الأحاديث النبوية عن هذه الأفعال.

حكم بناء المساجد على القبور

لا يجوز بناء المساجد على القبور أو إدخال القبور في المساجد، لأن ذلك يخالف دين الإسلام ومبدأ توحيد الله، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك.

دعاء وخاتمة

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله تعالى المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحادية والثمانون، اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. لا زال المؤلف رحمه الله تعالى يعدد لنا السمات والصفات التي اتصف بها أهل الجاهلية، ولم يكن ذلك -إخواني في الله- يقتصر على زمانهم وأوقاتهم، بل تعداه حتى بلغ إلى أزماننا وأوقاتنا. فمما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة قوله رحمه الله تعالى: اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. وهذا الفعل قد ذكره ربنا جل وعلا في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، أن من شأن أهل الجاهلية هذه الخصلة، أنهم كانوا يتخذون على قبور أنبيائهم المساجد، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَيَتَّخِذُنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، وهذه حكاية في أمم سلفت ومضت، وأنهم كانوا على هذا الفكر، على أنهم يبنون على أهل الصلاح المساجد. فهؤلاء الذين حكى ربنا عنهم، وقال: الذين غلبوا على أمرهم، هم من أهل السلطة، ومن أهل النفوذ، ومن أهل القوة والقهر، هم الذين طلبوا هذا الطلب، بأن يتخذ المساجد على أهل الصلاح، على أهل الكهف والرقيم. وهكذا في السنة، الأحاديث الكثيرة التي ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم، واصفًا اليهود والنصارى بأنهم تلوا بهذه الصفة. فمن ذلك ما جاء في الصحيحين، في حديث أم سلمة، عندما قدمت من الحبشة ورأت تلكم الكنائس التي بنيت، وما فيها من الصور، فذكر نبينا صلى الله عليه وسلم هذه المسألة، فقال: «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا». فهذه كانت مما يعرف، يعهد عن الأمم الماضية، وخاصة من اليهود والنصارى، أنهم كانوا يتخذون من قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. وليت الأمر وقف عند أولئك القوم، بل تعدى إلى هذه الأمة، وللأسف أن نجد أن جماعات وأممًا، بل وجماعات ممن تنتمي إلى الإسلام، تسوغ لها ولنفسها ولأتباعها أن تتخذ هذه الخصلة اليهودية النصرانية. فأشاع بين أتباعها بجواز ومشروعية بناء المساجد على القبور. ونحن نرى في الأقطار الإسلامية والأقطار العربية، تلكم الجوامع وتلكم المساجد التي بنيت، وهي بنيت وأقيمت على رفاة عظام، على رفاة مساجد. وما ذاك -إخواني في الله- حصل إلا من باب الغلو، إلا من باب الغلو. مع أن النهي الصريح من نبينا واضح الدلالة، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن من كان قبلكم قد اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تفعلوا ذلك، فلا تفعلوا ذلك». نهي صريح وتحذير أكيد من نبينا عليه الصلاة والسلام، من عدم جواز بناء المساجد على القبور. لكن الأسف تجد المصادمة وعين المحادة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، تجد أن المساجد قد بنيت على القبور. وقد ذكر العلماء -وهذه فائدة إخواني في الله- حول ما يتعلق بهذه الأحاديث الدالة على عدم جواز اتخاذ المساجد على القبور، وأن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن هذه المسألة تحتها صور، تحتها صور. الصورة الأولى من صور اتخاذ القبور مساجد، أنك تسجد على القبر، أن تسجد على القبر، كما ذكر ذلك ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في الزواجر، فقال رحمه الله تعالى: واتخاذ القبر مسجدًا معناه الصلاة عليه أو إليه. فهذا من اتخاذ القبور مساجد، أن تقوم وتسجد على القبر، أن تجعل الجبهة على القبر، وهذا من أفضع ومن أخبث صور اتخاذ القبور مساجد. ويؤيد هذا المعنى، ما جاء في السنة من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر». ويحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى. فهذه من صور اتخاذ القبور مساجد، أن يكون السجود والصلاة على القبر. الصورة الثانية من صور اتخاذ القبور مساجد، أن يقصد إلى القبر بالصلاة، أن يقصد بالقبر بالصلاة، تجد أن شخصًا ما يتعمد إلى أداء الصلاة عند قبر معين، فيؤدي الصلاة فيه، هذا الفعل من اتخاذ القبور مساجد. ويؤيد هذا المعنى كذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي، رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها». فكونك -يا عبد الله- تصل إلى قبر، أو بجوار قبر، هذا من اتخاذ القبر مسجدًا، ولو لم يكن فيه مسجد. وهذه مسألة مهمة جدًا، بعض الناس قد يسلم لك بأن المساجد لا تبنى على القبور، لكن ما الذي يفعله؟ تجد أنه يتوجه إلى قبر في فلاة، أو قبر في مقبرة، فيعتكف عنده، ويصلي عنده، ويتعبد الله جل وعلا بعدة عبادات، عندهم. هذا الفعل من اتخاذ القبور مساجد، انتبه، هذا الفعل من اتخاذ القبور مساجد، وإن لم يبنى المسجد. وقد جاء في البخاري معلقًا، أن أنسًا رضي الله تعالى عنه أراد أن يصلي في فلاة من الأرض، لكن لم يشعر رضي الله تعالى عنه أن بجواره قبر، فأدرك ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، فلما رأى ذاك المنظر، أنسًا يصلي وبجواره قبر، وأنس ما يدري عن القبر، فصاح فيه عمر، وكان عن بعد، قائلًا له: القبر، القبر. قال الراوي: فظن أنس أن عمر يقول: القمر، القمر. قال: فرفعت بصري إلى السماء، ظنًا أنه يقول: القمر، القمر. وما تنبه أنه أراد القبر الذي موجود بجواره. فهذا دل على ماذا؟ على فقه السلف رحمهم الله تعالى، ورضي الله تعالى عنهم، على عدم مشروعية أداء العبادة من التعبد بجوار قبر، ولو لم يبنى عليه مسجد. وهذا يرى أن بعض من تعلقت قلوبه بأرباب القبور، تجد أنه إذا أراد أن يقرأ القرآن، أو يأتي بذكر، أو ورد، يحاول أن يتعمد أن يأتيه عند قبر، أن يأتيه عند قبر. وهكذا تجد أن بعض الذي ابتلي كذلك بهذه المزلة، إذا أراد أن يصلي صلاة فريضة مثلًا، ونحو ذلك، يظن في اعتقاده أن المسجد الذي يبنى فيه قبر، أن الأجر فيه أعظم من غيره. فتجد أن بعضهم يحرص على أن يصلي في مسجد فيه قبر، لظن أن العبادة في هذا المسجد أعظم من غيره، لوجود القبر. وهذا كله من اعتقادات الجاهلية، وهذا من اتخاذ القبور مساجد. الصورة الثالثة -إخواني في الله- من صورة اتخاذ القبور مساجد، أن يبنى المسجد على القبر، أن تتخذ ماذا؟ البنيان والبناية، ويجعل من ساحة القبر مسجدًا ومصلى يصل فيه. وهذا كذلك من اتخاذ القبور مساجد، وهذا من أصرحها ومن أوضحها. وهذا قد جاءت الأدلة الكثيرة المستفيضة المتواترة عن نبينا صلى الله عليه وسلم بالمنع منها. بل قال عليه الصلاة والسلام: «إن من شرار الخلق عند الله، من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». فحكم عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم بأن من شرار الخلق عند الله، الذين يتخذون القبور مساجد. إذا كان هذا لا يجوز في حق نبي، ولا في حق ولي، فما ظنك بمن دونه؟ فلا يجوز البتة، لا يجوز البتة إبناء القبور على المساجد. وسواء قلنا هذا أو ذاك، سواء قلنا أن مسجدًا بني على قبر، أو أن قبرًا أدخل في مسجد، هذا لا يجوز، وهذا لا يجوز. ورحمة الله على ابن القيم رحمه الله تعالى، لما ذكر هذه القاعدة العظيمة، فقال رحمه الله تعالى: فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر. قال: أي هذه الصورة غير متصورة في الدين، أن يوجد في محل واحد مسجد وقبر، هذا لا يمكن. ثم قال رحمه الله تعالى: فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق. هذه القاعدة: لا يجتمعان، فإن اجتمع ابتلينا بمسجد قد سلم لأهل الإسلام، وفي هذه البلية مسجد وفي داخله قبر، نقول: القاعدة أن الحكم للسابق، فأيهما طرأ على الآخر فهذا الذي يمنع. فلو وجد أن عندنا مسجدًا بني أولًا، ثم أدخل القبر في داخل المسجد، فهنا ينبش القبر؛ لأنه هو الذي طرأ، ينبش القبر ويخرج من المسجد، وتبقى السيادة للمسجد؛ لأن الحكم للسابق. أو قلنا العكس: أن المسجد كان في باحته وفي ساحته القبر، كان في باحته وفي محله، فبني المسجد على القبر، فحينها يهدم المسجد؛ لأن السيادة للقبر، والحكم للسابق. فلا يجتمعان أبدًا، فأيهما طرأ منع منه، وكان الحكم للسابق. فهذا قول رحمه الله تعالى: اتخاذ قبور أنبيائه مساجد، وصالحيه مساجد. فلا ينبغي -إخواني في الأول- ويدخل في هذا كذلك عموم البنيان، لا ليس فقط مسجدًا، بل حتى قبة، أو ما يسمى بالمشهد، أو ما يسمى بالضريح، كل ذلك لا يجوز. بل هذه المشاهد والمزارات والأضرحة، بل كل بنيان يبنى على القبر، فإنه يزال. وأين الناس ونحن في هذه البقاع وفي هذه البلدان، مما يدعي أصحابها بالتمذهب للمذهب الشافعي؟ ولو أنهم حقًا على المذهب الشافعي، لكانوا على أحسن حال؛ لأن الناس اعتنقوا مذهب الشافعي الاعتناق الذي هو الذي يعتنقه هو رحمه الله تعالى رحمة واسعة، لكان الناس في أحسن حال اعتقادًا ومنهجًا وعبادةً وتعبُّدًا وسلوكًا. لكن أين هم وأين الشافعي؟ الشافعي رجل من أئمة السنة، من أئمة السنة. ارجع -يا عبد الله- إلى فتاويه في باب الجنائز، وقارنها بأحوال الناس ممن ينتسبون لمذهبه كذبًا وزورًا، أقولها: كذبًا وزورًا. الشافعي فتواه ومذهبه في واد، وهؤلاء في واد آخر. الشافعي لا يرتضي أي بنيان على القبر، بل رحمه الله تعالى لا يرى أن يزاد على القبر سوى ما أخرج من القبر فقط، يرى الشافعي رحمه الله تعالى أن القبر إذا حفر ووضع الميت، فإن هذا الذي أخرج من القبر هذا الذي يرجع فقط، لماذا؟ لأن كتلة الميت ستجعلك حيزًا في الأعلى، سيظهر السنام. فهذا الذي يراه الشافعي أن لا يزاد على تربة الميت إلا ما أخرج من حفرته فقط، هذا الذي يعاد. لكن أين الناس؟ دخلوا في التجصيص، وأخذوا في البنيان، وأخذوا في المعمارة، وأخذوا في بناء المشاهد والمزارات، فضلًا عن هذه المساجد الضخمة التي بنيت على هذه القبور. وكل ذلك خلاف لكتاب الله جل وعلا، ولمنهج نبينا عليه الصلاة والسلام. بل من فعل هذا قد فعلها على سنة اليهود والنصارى، من فعل هذا قد فعل ذلك لا على سنة الرسول، بل على سنة اليهود والنصارى. أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.