الدرس في شرح منظومة الألبيري 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الأبيات التي تزهد في الدنيا وتذكر بالموت، مبيناً أن الإنسان يأكل من الأرض ثم تأكله، وأن التعلق بالدنيا يعري من الفضائل بينما الزهد يكسو بحلل الإيمان. ويؤكد أن الغاية من الخلق ليست عمارة الدنيا بل عبادة الله، والدار دار ممر لا دار قرار.
يوضح أن الدنيا دار ممر وليست دار خلود، وأن المؤمن يعاملها كغريب يعمل لآخرته مع التوازن بأخذ ما يعين على الطاعة دون إيثار الدنيا على الآخرة. ويختم بوصية بهدم الدنيا بالإقبال على الآخرة أو عدم الحزن على فواتها مع حفظ الدين.
يشرح أن هدم الدنيا عن العبد نعمة تبعده عن الفتنة، ويأمر بحصن الدين والاستقامة وعدم الحزن على فوات متاع الدنيا. ويبين أن الفوز الحقيقي هو النجاة من النار ودخول الجنة بالطاعات، وأن المال الفاني لا ينفع إن حرم صاحبه الباقي من الأعمال الصالحة.
يؤكد أن المال المنفق في طاعة الله والمجعل ذخراً للآخرة هو الذي ينفع صاحبه يوم القيامة. أما المال المكتسب أو المُبقي بطرق محرمة فلا ينفع صاحبه شيئاً، ويختتم بالتأكيد على هذا المعنى والحمد لله.
كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الألبيري رحمه الله تعالى في نظمه التائية، وهو يذكر المنصوح ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة، ويزهده في البطالة والغفلة، ويحثه على العلم والعمل والإيمان. قال: "وتطعمك الطعام، وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعمت". يعني أن هذه الدنيا التي أنت منشغل بها، متعلق بزخرفها، أنت فيها تأكل أنواعاً من الأطعمة مما تنبته هذه الأرض. لو نظرت إلى ما تأكل فهو مما تنبت هذه الأرض، فيأتي يوم تأكل الأرض منك، الأرض تأكل منك وتتغذى منك. "تطعمك الطعام" أي تأكل مما تنبته الأرض من أنواع الأطعمة، ثم هذا الذي طعمته وتغذى منه جسمك تأكله الأرض. وهذا يذكره بالموت، وأن هذه الدنيا لا تساوي شيئاً، إذ أنها عن قريب ستأكل منك. وقد ورد في هذا حديث صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب». ومعنى عجب الذنب: يعني ما يكون في أسفل الظهر، هذا يبقى، ومنه ينبت الإنسان يوم البعث. الشاهد من هذا الحديث أن الأرض تأكل جسد الإنسان، ولما كنت على ظهرها تأكل مما تنبته، فهذا يدعوك إلى الزهد في هذه الدنيا والتقلل من التعلق بها والاغترار بزينتها. ثم قال: "ولها تعرى، وتعرى إن لبست بها ثياباً، وتكسى إن ملابسها خلعتا". قوله: "وتعرى إن لبست بها ثياباً" يعني: إن كانت زينة هذه الدنيا وزخرفها هي همك وهي شغلك الشاغل، ستعرى أي من الأخلاق والفضائل ومعاني الخير والفضل والإيمان، فينقص دين المرء بقدر تعلقه بهذه الدنيا. كلما تعلق بهذه الدنيا، كلما نال من النقص في دينه بقدر تعلقه بهذه الدنيا. "وتعرى" أي من الفضائل والخير والأخلاق والإيمان، "إن لبست بها ثياباً" يعني: إن تعلقت بهذه الدنيا وانشغلت بها. "وتكسى إن ملابسها خلعتا"، ومعنى "تكسى": أي بحلل الإيمان والتقوى والأخلاق الفاضلة والآداب الكاملة. متى تكسى بهذه الحلل؟ "إن ملابسها خلعتا" يعني: إن تركت هذه الدنيا فلم تكن هي الشغل الشاغل لك، ولم تكن هي المسيطرة على نفسك وفؤادك، فإن كنت كذلك فستكسى بحلل الإيمان. فالأمر بالعكس: تعرى من الفضائل والأخلاق والآداب إذا انشغلت بهذه الدنيا، وتكسى بحلل الإيمان والأخلاق والآداب إذا عريت من هذه الدنيا بمعنى تركتها. وهذا كله تزهيد من الناظم للمنصوح من هذه الدنيا، يزهده من هذه الدنيا ويرغبه في الآخرة. ثم يقول له: "وتشهد كل يوم دفن خل، كأنك لا تراد لما شهدت". يقول له: يمر عليك بمرور الأيام أعداد من الناس يفارقون هذه الحياة كل يوم، وأنت تسمع وتشهد دفناء ناس، ربما يكونون من الإخوان، يعني الأصدقاء. كل يوم أنت تسمع، ما منا إلا وفقد صديقاً وحبيباً وقريباً وزميلاً، له ذاك بحادث، وذاك بجلطة، وذاك بشهادة في سبيل الله، وذاك بموت فجأة. كل يوم نسمع: توفي فلان، الصلاة عليه في مسجد كذا. "وتشهد كل يوم دفن خل"، وربما أحياناً في اليوم الواحد تسمع أكثر من جنازة. أليس كذلك؟ بلى، في اليوم الواحد تسمع أكثر من جنازة. "وتشهد كل يوم دفن خل" يعني تشهد ناساً يغادرون هذه الدنيا، بعضهم في سنك، وبعضهم أكبر منك، وبعضهم أصغر منك. ثم قال له: "كأنك لا تراد لما شهدت"، أي: كأنه لن يصيبك ولن ينالك الموت، فلا تعتبر، ويمر عليك تمر عليك هذه الجنائز من غير عبرة ولا عظة ولا تذكر. وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: «اذكروا الموت، أو أكثر من ذكر الموت». ما الفائدة من كثرة تذكر الموت؟ يستعد الإنسان ويتذكر ليوم المعاد، ويعلم أن اليوم عند صديق أو غريب، وغداً عنده. فالموت أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. فإذن ينبغي لك أن تتذكر وأن تعلم حقيقة هذه الدنيا: أنت تبني وتشيد وتجمع من الأموال وتخاصم وتناضل، فجأة جاءك الموت، انتهى كل شيء بهذه الدنيا. أنظر إلى أرباب الأموال، إلى الأغنياء، إلى الرؤساء، إلى الزعماء، فجأة إذا بهم يُقتل الرئيس الفلاني، كم جمع من الأموال، وكم بنى من الدور والقصور، وكم شيد، وكم مكر وخطط وكذب ونحو ذلك من أجل هذه الدنيا، فجأة فإذا به في عداد الموتى. هذه حقيقة الدنيا. فإذا العاقل الذي يخرج منها وهو مستعد للموت، مستعد للموت في أي لحظة، خفيف الحمل، ما عنده مظالم، وما عنده كذلك ما ربما يتعب الورثة من بعده من ديون ونحو ذلك، يجهز نفسه من الآن ويتوقع الموت في أي لحظة. فهذا معنى قوله رحمه الله تعالى. ثم قال له: "ولم تخلق لتعمرها، ولكن لتعبرها، فجد لما خلقت". قال له: "لم تخلق" يعني: لم تخلق في هذه الدنيا من أجل أن تعمرها، ومن أجل أن تتشبث وتتعلق بها. فما هذه الغاية التي من أجلها خلقت؟ لم تخلق من أجل هذه الدنيا، وإنما خلقت لغاية بالغة وحكمة سامية، ألا وهي عبادة الله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. هذه هي الحكمة التي من أجلها خلقت. من أجل أن تعمر هذه الدنيا؟ والغالب في من كانت هذه غايته فإنه ينشغل بهذه الدنيا عن الآخرة، وتلهي هذه الدنيا عن الآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. لا تغتروا بهذه الدنيا فتشيدوا فيها وتعمروا فيها وتتركوا ما من أجله خلقتم، ألا وهو عبادة الله سبحانه وتعالى. فلم نخلق لنعمر هذه الدنيا، وإنما لماذا خلقنا؟ قال: "ولكن لتعبرها، فجد لما خلقت". جعلت هذه الدنيا دار ممر وعبور، كالمسافر. المسافر لما يمشي، كم يمر على مناطق وقرى، ربما أفضل وأجمل من موطنه، ولكنه ما يبالي بهذه المناطق، يحن ويئن إلى أين؟ إلى موطنه الحقيقي، إلى موطنه الحقيقي. وهكذا نحن في هذه الدنيا، هذه الدنيا ليست دار قرار ولا دار خلود. لو كان أحد مخلداً في هذه الدنيا لخلد فيها الأنبياء والمرسلون، لخلد فيها أفضل الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولكنه لا يخلد فيها أحد، فهي دار ممر، دار ممر. فما نحن فيها إلا غرباء مسافرون، نشتاق أن نفارق أرض الغربة ونذهب إلى موطننا الحقيقي، ألا وهو الجنة. فإذن المؤمن لا يتشبث بهذه الدنيا. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وأن الإنسان في هذه الحياة غريب أو عابر سبيل أو مسافر. بحديث ابن عمر في صحيح البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». الغريب ما يتشبث في أرض الغربة، وعابر السبيل يمر على القرى والمناطق والمدن فلا يستقر فيها، إنما همه أن يصل إلى موطنه وإلى بلده. وهكذا نحن في هذه الدنيا. وقد عبر عن ذلك الشاعر فقال: إن لله عباداً فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنة نظروا فيها فلما علموا * أنها ليست لحيّ وطناً جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا "لجة" يعني مثل البحر، جعلوها بحراً، وصعدوا في هذا البحر عن طريق ماذا؟ السفن. وما هي هذه السفن؟ الأعمال الصالحة. "جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا". هذا هو الفطن العاقل اللبيب الذي يجعل هذه الدنيا ممراً ودار زرع وعمل، ليحصد يوم القيامة ما يزرعه في هذه الدنيا. وأما المقر الحقيقي ودار الخلود فهو الجنة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ما معنى "الحيوان"؟ يعني الحياة الأبدية السرمدية، الحياة الأبدية السرمدية. فهذا معنى قوله: "ولم تخلق لتعمرها، ولكن لتعبرها"، فهي دار معبر وممر، فجد لما خلقناك. جد واجتهد في هذه الدنيا لما من أجله خلقت. فهل خلقت من أجل أن تعمر هذه الدنيا؟ فلماذا تجد فيها؟ انظر الآن إلى الناس، ما هو أكثر جدهم؟ ما هو أكثر جدهم في هذه الدنيا للآخرة أو للدنيا؟ كثير من الناس يجدون ويجتهدون من أجل تحصيل هذه الدنيا. تجده منذ الصباح الباكر وهو في دنيا، إلى أن يضع رأسه على وسادته في الليل، وهكذا اليوم الثاني مثل ذلك، وربما ضيع الصلوات وفرط في العلم والحلقات من أجل هذه الدنيا. ما من أجل هذا خلق الإنسان، خلق من أجل أن يعمر آخرته. وليس معنى هذا أن يترك الإنسان أمر الدنيا بالكلية، فهذا لا يستطيعه أحد، لا أنا ولا أنت، لأن الإنسان بحاجة إلى أن يعف نفسه وأن يعف أهله. فليس المراد أن تترك الدنيا بالكلية، ولكن أن تجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، وأن نأخذ منها ما نقوم به بأمر ديننا، فنأخذ منها ما يعيننا على القيام بأمر ديننا وعبادة ربنا سبحانه وتعالى. هذا هو المراد. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام قد رعى الغنم على قراريط لأهل مكة، والتجر في أموال خديجة قبل البعثة رضي الله تعالى عنها. وهكذا غيرهم من الصحابة، فكانوا يبيعون ويشترون ويزرعون، ومع هذا قائمون بأمر الله عز وجل وبطاعة الله سبحانه وتعالى. فالموفق من كان همه الآخرة، وأما الدنيا فيجعلها تبعاً، ويأخذ منها ما يعينه على القيام بأمر آخرته. هذا هو العاقل. فلا تترك الدنيا بالكلية فيكون ذلك التارك عالة على غيره، وكذلك يكون هذا التارك في ذل ومهانة، وكذلك يضيع من يعول. ولا تتشبث بالدنيا فتأخذ منها بأكثر ما تحتاج، أو تتعلق بها على حساب دينك، فتترك الواجبات وترتكب المنهيات وتفرط في الفضائل والأعمال الصالحات. هذا هو المذموم، هذا هو المذموم. وقد ذكر العلماء ضابطاً لإيثار الدنيا على الآخرة، الذي نهى الله عز وجل المؤمنين عنه بقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. كيف يكون العبد مؤثراً للدنيا على الآخرة؟ قالوا: إذا ترك واجباً أو ارتكب محرماً، هذا يكون مؤثراً للدنيا على الآخرة. يترك الصلوات ومن أجل هذه الدنيا يرتكب المنهيات، ربما يكذب، ربما يغش، ربما يخون، ربما يدلس ويلبس، وربما كذلك يتعامل بالمعاملات المحرمة كالغرر ونحو ذلك من أجل هذه الدنيا، أو الربا، أو الرشوة. هذا هو الذي قد آثر الدنيا على الآخرة لأنه ارتكب هذه المحرمات. أما إذا عرف ذلك المنشغل بالدنيا أو المكتسب في الدنيا حق الله في هذا المال، فأتى بالواجبات وترك المحرمات، فهذا لا يدخل في هذا المعنى: إيثار الدنيا على الآخرة. ومع هذا ذكر العلماء أن الإنسان إذا كان في غنى عن الزيادة من هذه الدنيا، ولو كان من حلالها، فالأفضل له أن يكتفي بقدر حاجته، ويقبل على طاعة ربه. فلو خُيِّرت بين مال ربما أنت لست بحاجة إليه، معك من الأموال لكن هذا باب زيادة في مالك، وبين درس علمي وحلقة علم أو صيام أو قيام أو دعوة إلى الله، فالأفضل أن تقدم الطاعة على هذا الكسب الحلال الجائز الطيب، لأن الآخرة خير وأبقى، الآخرة خير وأبقى. أبقى، ينبغي أن نفهم هذا في مسألة الكلام على التحذير من الانشغال بالدنيا: لا إفراط ولا تفريط، لا إفراط ولا تفريط. ثم قال: "وإن هدمت فزدها أنت هدماً، وحص أمر دينك ما استطعت". قوله: "وإن هدمت"، قيل في هذا في شرح هذا تفسيران. التفسير الأول: "وإن هدمت" يعني بالعلم والانشغال بالآخرة، "فزده أنت هدماً" يعني: أكثر من الإقبال على الآخرة، فالضمير فيه "هدمت" يعود على الدنيا. وإن هدمت هذه الدنيا بإقبالك على الآخرة، فزدها أنت هدماً، زد في الطاعة ولا تبالي. هذا قول. وقول آخر: "وإن هدمت" يعني: لم تتحصل من هذه الدنيا ما تطلبه وتتشوق إليه، فلا تحزن ولا كذلك تهتم، بل "فزده أنت هدماً". فالإنسان ربما يكون في باله خطة أن يتحصل على الأموال الكثيرة، أو أن يبني بيتاً، أو أن يجد أموالاً، أو نحو ذلك، فهو يسعى إلى ذلك ولا يتوفر، ما يأتيه شيء من ذلك. "هدمت عليه دنيا" بمعنى: هدمت الدنيا، يعني ما أعطي مما أراد من الأموال ومن زخرف هذه الدنيا، "فزده أنت هدماً": اتخذ الأسباب التي تزيد في بعدك عن هذه الدنيا، لأن إتيان الدنيا إليك ربما يكون فتنة لك. صح، أنت الآن ما عندك مال، ما إن شاء الله في الحلقة، في الدرس، في الدعوة، ربما إذا جاءك مال ما يراك أحد. يا أخي حلقة، يقول: والله أنا عندي عمل، أنا عندي كذا، ما هذا يراك أحد؟ رج دعوة، قال: لا أنا مشغول، أنا كذا. حلقة، قال: لا. إذن هذه الدنيا خير لك أو ليست بخير لك؟ لا ليست بخير لك. بئسة الدنيا التي تشغلك عن الطاعة وعن العلم وعن الخير. هذا قول آخر. وليس المراد بهدم الدنيا كما تقدم أن تقول: أن تكون معدماً فقيراً لا مال لك، صعلوكاً، لا. لأنه جاء في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر، وهكذا في الصحيح في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي». كيف صلاح الدنيا؟ أن يكون أمرك فيها كفافاً، يعني ما يكفيك. وهذا معنى ما جاء في الحديث: «كان رزق آل محمد قوتا». ما معنى "قوتا"؟ يعني ما يكفيهم. فليس معنى "زدها هدماً" يعني تجعل نفسك فقيراً معدماً لا مال لك، صعلوكاً، لا. وإنما المراد: إذا اشتاقت وطمعت نفسك لأن تكون مثل الأغنياء، أو من هو دونهم، ولكن عندك الشيء من الأموال ومن هذه الدنيا، ولكن لم تنلها، فهدمت عليك، فزدها أن تهدم، لعل ذلك خيراً لك من أن تفتن بهذه الدنيا. هذا هو المعنى الثاني، والله تعالى أعلم. لذلك قال بعدها: "وحص أمر دينك ما استطعت". ومعنى "حص": يعني اجتهد في اتخاذ أسباب الثبات التي تكون كالحصن لإيمانك واستقامتك، فلا تتزعزع ولا تتقهقر ولا تفتن، بل تستمر، بل تستمر على هذه الاستقامة. فكل ما فيه تحصين لدينك، لاستقامتك، لإيمانك، فاحصن، احصن نفسك بذلك، "ما استطعت" يعني: على قدر الاستطاعة. هذا هو معنى قوله: "وحص أمر دينك ما استطعت". ثم قال له: "ولا تحزن على ما فات منها، إذا ما أنت في أخراك فزت" أو "فزت" بضم الفاء. ومعنى "ولا تحزن": يعني لا يستولي على قلبك الحزن والألم لأشياء فاتت من زخرف هذه الدنيا وأمور هذه الدنيا، لا تحزن على ذلك، فهذه الدنيا ما تستحق أن يحزن على شيء فات منها، فهي أحقر من ذلك، فهي أحقر من ذلك. قد يفوتك وظيفة، أو يفوتك ربح، أو يفوتك رزق، فلا تحزن على ذلك، لا تأسفن على ما فات من هذه الدنيا. فهذا معنى قوله: "ولا تحزن على ما فات منها". بل كن مؤمناً وكن كذلك مستسلماً لما قضى الله وقدر. فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. ما معنى "تأسوا"؟ يعني تحزنوا، فلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصاب... لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور. ثم قالوا: "إذا ما أنت في أخراك فزت"، يعني: إذا وفقك الله وأكرمك بالعناية بما ترتفع به درجاتك وتعلو به منزلتك في أخراك، فهذا هو الفوز، هذا هو الفوز الحقيقي، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾. ثم ماذا قال بعد؟ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. الدنيا لا تفرح بها وإن أتتك، تسعى لا تفرح بها، وإنما افرح إن وفقك الله بطاعة من الطاعات وبقربة من القربات، هذا الذي يفرح به. افرح إذا حفظت القرآن، افرح إذا درست كتاباً كاملاً، افرح إذا حضرت الدروس العلمية، افرح إذا وفقك الله للدعوة إلى الله، افرح إذا نظرت إلى ذريتك وهم على استقامة فأصبحوا قرة عين لك، افرح إذا وفقك الله لقيام الليل وصيام ما تيسر لك من النهار. هذا الذي يفرح به، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. هذا الذي يفرح به، ما يفرح بما يجمع من حطام هذه الدنيا. فهذا هو الفوز: إذا ما أنت في أخراك فزت، وذلك بالطاعات والقربات والأعمال الصالحات. ثم قال له: "فليس بنافع ما نلت منها". قال: "فليس بنافع ما نلت منها من الفاني إذا الباقي حرمت". فقوله: "فليس بنافع ما نلت منها"، أي: أي شيء ينفعك من الدنيا ولو كثر ما نلت منها، يعني: ولو نلت منها شيئاً كثيراً وشيئاً عظيماً، فليس بنافع، ولو كان مثل مال قارون. انظر قارون ماذا ملك، كيف كانت نهايته؟ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. هل نفعه ماله؟ ها. وانظر إلى ملوك الأرض ورؤساء الدول، آخر ما قتل الرئيس السابق، كم ملك من الأموال، وكم معه من الأرصدة، في لحظة قتل، وأين أمواله وأين دنياه؟ ها. كما قال: "فليس بنافع ما نلت منها"، ولو كان هذا الشيء كثير. متى هذا لا ينفع؟ قال: "من الفاني إذا الباقي حرمت". الفاني: يعني ما جمعت من هذه الدنيا فهو فاني، فليس بنافع ما نلت منها "من الفاني" يعني: من حطام هذه الدنيا الفاني، "إذا الباقي حرمت": إذا ما عندك الأعمال الصالحة التي تبقى وتكون عزاً لك ورفعة في يوم القيامة. ويقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. إذا ما تنفع الأموال ولا الأولاد، إذا ما سخرت هذه الأموال في ما ينفع في الباقي، أي في يوم القيامة، في يوم القيامة. نعم، من عنده مال وسخر هذا المال في الخير، في النفقات الواجبة والنفقات المستحبة، وفي عمل الخير والبر، وفي الحج والعمرة، في الجهاد في سبيل الله، فنعم المال الصالح للرجل الصالح. فهذا من الباقي، استخدم المال وجعل هذا المال ذخراً له يوم القيامة، فهذا الذي ينفع. أما إذا الباقي حرمت، فهذا ما ينفعك المال، شيء ما ينفعك المال. هذا هو المعنى، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.