شرح منظومة الألبيري  10

شرح منظومة الألبيري 10

الدرس في شرح منظومة الألبيري 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

النهي عن مجالسة السفهاء وذم كثرة الضحك

يحذر المقطع من مجالسة السفهاء وما فيها من ضحك وسخرية توجب الندم يوم القيامة، مستدلاً بآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذم كثرة الضحك. ويوصي الناظم بطلب التوفيق من الله والإخلاص في الدعاء، خاصة في السجود مع الاعتراف بالتقصير والذنب.

أهمية الاعتراف بالذنب والإلحاح في الدعاء

يشرح المقطع أن الاعتراف بالذنب ركن أساسي في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم كسيد الاستغفار ودعاء يونس عليه السلام، الذي جمع التوحيد والتنزيه والاعتراف بالظلم وسؤال المغفرة. كما يحث على ملازمة باب الله بالدعاء والإلحاح فيه، والإكثار من ذكر الله بجميع أنواعه نيلاً لذكر الله للعبد في السماء واستجابة لدعائه.

فضل ذكر الله والتحذير من تسويف التوبة

يبيّن المقطع شرف ذكر الله بأن الله يذكر العبد في الملأ الأعلى، ويحذر من تسويف التوبة في سن الشباب بدعوة للتفكر في موت الصغار وعدم ضمان العمر أو الهداية. ويختتم بأدب العالم الناصح الذي لا يستكبر عن النصح بل يجعل نفسه أولى به اعترافاً بالتقصير وخوفاً من عدم القبول.

اعتراف المتحدث بالتقصير وطلب النصح

عدد المتحدث أبياتاً تعبر عن اعترافه بالتقصير وحاجته للنصائح، لكن الوقت انتهى، وسيكمل باقي الأبيات في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال اللبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية، وهو ينصح ذلك المنصوح بهذه النصائح، فمن هذه النصائح قال له: "ولا تضحك مع السفهاء يومًا، فإنك سوف تبكي إن ضحكت". يعني: احذر مجالسة السفهاء، هذه المجالسة المبنية على الغفلة، وعلى المعاصي، وعلى الضحك والهمز والسخرية والتهكم. احذر من هذه المجالس، فلا تضحك مع السفهاء، أي لا تجالسهم، فإن مجالسهم تقسي القلوب، فلا تخلو من غيبة، ولا من نميمة، ولا من كذب، ولا من فحش، ولا من همز ولمز وسخرية وتهكم. وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. هذه حال مجالس السفهاء، هذه حال مجالس السفهاء: ضحك وسخرية ولعب واستهزاء. فإن جلست مع هؤلاء، فإنك سوف تبكي إن ضحكت، يعني: ستندم وتبكي يوم الجزاء. ولعله أخذ هذا المعنى من الآية المتقدمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. ماذا قال الله عز وجل بعد ذلك؟ ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. فأهل الإيمان يوم القيامة يضحكون ممن يستهزئ بهم في الدنيا، وممن يسخر منهم. فاحذر من مجالس هؤلاء السفهاء. ثم قال له: "ومَن لك بالسرور وأنت رهن، وما تدري أتفدى أم غُللت". يعني: كيف تنعم وتمتلئ سرورًا وضحكًا ومرحًا في هذه الدنيا، وأنت لا تدري مصيرك في يوم القيامة؟ هل تفدى وتنجو، أو تغل وتكون -والعياذ بالله- ممن يكردس في نار جهنم؟ فمن لك بالسرور؟ كيف تسر في هذه الدنيا وتضحك وتمرح، وأنت رهن؟ يعني: نفسك مرهونة على ما قدمت في هذه الحياة، فما تدري أيُفك هذا الرهن أم لا يفك. ولذلك قال: "وما تدري أتفدى من هذا الرهن، فتكون من أهل الجنة، أو تغل -والعياذ بالله- فتكون من أهل النار". فكيف تمرح وتضحك وأنت لا تدري بمصيرك وحالك؟ فهو يعني يحذره من هذا المسلك، مسلك البطر والبرح والضحك في هذه الدنيا. وقد ذم النبي عليه الصلاة والسلام كثرة الضحك، وأنها تقسي القلب، كما في حديث أبي هريرة: «إياكم وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب، تميت القلب». فالمؤمن جاد في حياته. أحد السلف قرأ قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، فقال: نحن على يقين من الورود، كل نفس سترد النار وتمر على الصراط. ثم قال: ولكننا في شك من العبور، هل أحد يضمن أنه يعبر ولا يكردس -والعياذ بالله- في النار؟ فإذا كيف تضحك وتمرح وأنت لا تدري مصيرك؟ فالإنسان لا يدري هل يفدى أو يغل. وهذا كما تقدم فيه تحذير الناظم من الضحك والإنكباب على سرور هذه الدنيا الزائل، والانشغال بذلك، وأن يملأ الإنسان وقته بالضحك. يحذر من ذلك أن يملأ الإنسان وقته بالضحك والسخرية ونحو ذلك. وقد وصف الله عز وجل المنافقين بأنهم أهل ضحك وسخرية، قال الله عز وجل عنهم: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. طيب. ثم قال: "وسل من ربك التوفيق فيها، وأخلص في السؤال إذا سألت". هذه وصية عظيمة من الناظم لهذا المنصوح، ولمن قرأ هذه القصيدة، وصية بالدعاء والإقبال على الله سبحانه وتعالى. تدعو الله أن يوفقك، والتوفيق هو أن تسأل الله أن لا يكلك إلى نفسك، وإنما يكلك إليه، يعني: إلى الله سبحانه وتعالى. فالتوفيق أن تدعو أن لا يكلك الله إلا إليه، هذا هو التوفيق. وضده الخذلان، فالخذلان أن يكلك الله إلى نفسك، أو إلى أحد من خلقه، فهذا هو الخذلان. والتوفيق أن يكلك الله إليه، ومن كفاه الله فقد كفي، ووفق إلى كل خير. فسل من ربك التوفيق. هذا دعوة من الناظم بالإقبال على الله والدعاء وطلب التوفيق من الله سبحانه وتعالى، فلا توفيق للعباد إلا بالله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. فإذا وكلك الله إليه حفظك وسددك وهداك إلى الصراط المستقيم. فأنت تدعو الله التوفيق: "وسل ربك التوفيق فيها، وأخلص في السؤال إذا سألت". هذا أيضًا دعوة من الناظم إلى الإخلاص في السؤال، وهذا ما أمرنا الله عز وجل به، فقال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. أن يكون سؤالك مخلصًا صادقًا متضرعًا ملحًا، لا تدعو رياءً ولا سمعة، ولا تدعو وأنت منشغل القلب، بل اجمع قلبك على هذا الدعاء والسؤال، وتضرع إلى الله، وألح في الدعاء، فهذا هو معنى الإخلاص في طلب التوفيق. "وأخلص في السؤال إذا سألت". ثم قال له: "ونادِ إذا سجدت له اعترافًا بما ناداه ذنون ابن متا". "ونادِ إذا سجدت له اعترافًا بما ناداه ذنون ابن متا". قول "ونادِ" يعني: ادعُ الله، النداء بمعنى الدعاء والسؤال. ادعُ الله إذا سجدت، يعني: تحرَّ أوقات الإجابة في دعائك، ومن أوقات الإجابة الدعاء في السجود، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». فأكثر من الدعاء. فقد بيّن له أسباب قبول الدعاء، فمنها: الإخلاص في الدعاء والإلحاح فيه، ومنها: تحرِّي أوقات الإجابة ومواضع الإجابة، ومن ذلك الدعاء في السجود. "ونادِ إذا سجدت له اعترافًا". ومعنى "اعترافًا" يعني: بتقصيرك وذنبك وتفريطك. فلذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام الاعتراف بالتقصير والذنب قبل السؤال. فلو نظرت مثلًا في دعاء الاستغفار، وهو سيد الاستغفار، وهو سيد الاستغفار، يسمى سيد الاستغفار، ما هو سيد الاستغفار؟ «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت». هذا فيه ماذا؟ اعتراف بالذنب والتقصير والتفريط. ها، «وأعوذ» قال ماذا؟ «أعوذ بك، أبوء لك بنعمتك علي»، يعني: أعترف بنعمتك علي، «أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي»، يعني: اعترف بذنبي، «فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». فمعنى قوله "اعترافًا" يعني: اعترافًا بالذنب. وهذا تجده في أدعية النبي عليه الصلاة والسلام الجامعة. وهكذا الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يقوله في صلاته: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت». فقوله: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا»، هذا فيه اعتراف بالذنب، فيه ماذا؟ اعتراف بالذنب. «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». فقوله "اعترافًا" يعني: اعترافًا بأذنب. وقوله: "بما ناداه ذنون ابن متى"، يعني: ادعُ بدعاء ذنون، وذنون هو يونس عليه السلام، وقيل له ذنون، يعني: صاحب النون، والنون هو الحوت، لأن الحوت التقمه وابتلعه، فقيل له ذنون، كما هو في القرآن: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. ما المراد بذنون؟ يونس ابن متى عليه السلام، عليه السلام. نعم، النون هو الحوت، قال للحوت: النون. نعم، فقيل له ذنون، يعني: صاحب الحوت، "ذو" بمعنى صاحب، بمعنى صاحب. فقال: "ونادِ إذا سجدت له اعترافًا بما ناداه ذنون ابن متى"، يعني: ادعُ بدعائه. وما هو هذا الدعاء؟ ما جاء في القرآن: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فهذا أيضًا الدعاء فيه اعتراف بالذنب: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فقال العلماء: هذا الدعاء، وقد ورد في ذلك حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «ما دعا بها مكروب إلا فرج الله به كربته». وهذا الدعاء قال العلماء: جمع أربعة أمور: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. هذا جمع أربعة أمور: جمع التوحيد في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾، والتنزيه في قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، والاعتراف بالذنب في قوله: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وسؤال الله المغفرة؛ لأن المقصود من هذا: إني ظالم، فاغفر لي. صح، هذا هو المعنى. فهذه الدعوة دعوة عظيمة، جمعت هذه الأربعة الأمور: التوحيد، والتنزيه، والاعتراف بالذنب، والطلب المغفرة. وينبغي للمسلم أن يكثر من هذا: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». فهذا معنى قوله: "ونادِ إذا سجدت له اعترافًا بما ناداه ذنون ابن متى". ثم قال له: "وَلَازِمْ بَابَهُ وَلَازِمْ بَابَهُ قَرْعًا، عَسَاهُمْ سَيُفْتَحُمْ بَابَهُ لَكَ إِنْ قَرَعْتَ". نعم: "وَلَازِمْ بَابَهُ قَرْعًا، عَسَاهُ سَيَفْتَحُ بَابَهُ لَكَ إِنْ قَرَعْتَ". ومعنى "لازم": أي أدم الإلحاح على الله في الدعاء، كما قال الله عز وجل: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾، يعني: تضرعوا إلى الله، وأكثروا وألحوا من الدعاء، وداوموا على ذلك، وأكثروا من ذلك. لا تدعوا قليلًا ثم تقولون: لم يستجب لنا، فتتركوا الدعاء. لا، وإنما "لازم بابه قرعًا". وكما قيل: من أكثر قرع الأبواب يوشك أن يفتح له. هذه عبارة جميلة: من أكثر قرع الأبواب يوشك أن يفتح له. فأكثر من الدعاء وألح، لا تقنط ولا تفتر عن الدعاء، فالله سبحانه وتعالى يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، كما قال الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. فهذا معنى قوله: "وَلَازِمْ بَابَهُ قَرْعًا، عَسَاهُ سَيَفْتَحُ بَابَهُ لَكَ إِنْ قَرَعْتَ"، يعني: سيستجيب لك، سيستجيب لك بإلحاحك وملازمتك للدعاء. ثم قال له: "وأكثر ذكره في الأرض دعبا، لتذكر في السماء إذا ذكرت". ومعنى "وأكثر ذكره": أي أذكر ذكر الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل، وقد أمر بذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. والمراد بالذكر هنا لا كما يتبادر إلى الذهن حصره في أذكار معينة من التسبيح أو التهليل أو التكبير، لا، هذا نوع من الذكر. فالذكر أعم من ذلك، فالدعاء من الذكر، والاستغفار من الذكر، وقراءة القرآن من الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، والتفكر في مخلوقات الله عز وجل من الذكر. كل ما يذكرك بالله فهو من الذكر. جلوس الجلوس في حلقات العلم من الذكر، وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم "حلق الذكر"، كما في حديث أنس عند الترمذي: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حلق الذكر»، يعني: حلق العلم، حلقة ذكر، أي حلقة علم. فـ "أكثر ذكره في الأرض"، يعني: أكثر ذكر الله بأنواع كثيرة من أنواع الذكر، فقد أمر الله بذلك كما سمعت في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. وقال الله عز وجل في وصف المؤمنين: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. وهذا فيه الحث على الإكثار من ذكر الله. وقوله "دأبا" يرحمك الله، يعني: مستمرًا على ذلك ومداوما عليه، حتى تكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات. وقد ذكر العلماء أنه من حافظ على الأذكار الخاصة في يومه وليلته فهو من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات. فمن أتى مثلًا بأذكار النوم والاستيقاظ منه، وأذكار الوضوء، ودخول الحمام والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار الركوب، وأذكار لبس الثوب، وأذكار كذلك أتيان الأهل والزوجة، وأذكار كذلك المطر أو الرعب، أو كذلك أذكار... ماذا؟ تعويض الصبيان ونحو ذلك. المهم: من أتى بأذكار الصباح من صباحه إلى مسائه، وتلك الأذكار الخاصة، فيرجى أن يكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات. "وأكثر ذكره في الأرض دأبا، لتذكر في السماء إذا ذكرت"، أي: ليذكرك الله في السماء إذا ذكرت الله سبحانه وتعالى. وقد قال الله عز وجل في القرآن: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. من ذكر الله عز وجل ذكره الله. وهكذا في الحديث القدسي: «ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، في ملأ خير منه». فمن ذكر الله ذكره الله سبحانه وتعالى، وكفى بذلك شرفًا ورفعة، إذ أن رب العالمين يذكرك. أنت تذكره في الأرض وهو يذكرك في السماء، وأنت تذكره في ملأ وهو يذكرك في ملأ خير من ذلكم الملأ الذي ذكرت الله فيه، فيذكرك فيذكرك عند الملائكة الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ثم قال له: "ولا تقل الصباء فيه امتهال، وفكر كم صغير قد دفنت". "ولا تقل الصباء"، المراد بالصباء: يعني سن الصغار، سن الشباب، سن الشباب والقوة، يقال له الصباء. "لا تقل فيه امتهال"، والامتهال من المهلة، من المهلة، يعني: المعنى لا تقل: أنا ما زلت شاب صغير السن، ها، فأيسرف على نفسه بالمعاصي والذنوب، ويسوف، قل: إذا كبرت سأتوب، والآن فرصة وقت شباب، امرح، تمتع بشبابك، كما يقول البعض، ها: "تمتع بشبابك". هذه نظرة خاطئة، لأنك أولًا: هل أنت مؤاخذ بما تعمل في هذه المرحلة، طالما أنك قد بلغت فأنت مؤاخذ ومسؤول، خاصة عن هذه المرحلة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي برزة: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أبلى، وعن شبابه فيما أبلى». فكيف أنت تقول: لا، أنا شاب، وإذا كبرت سأتوب؟ لأزلت شباب بعد الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين أو الستين، إن شاء الله نتوب وتحسن حالنا. لا تقول ذلك، لماذا؟ لأنك لا تضمن أنك تبقى إلى ذاك الوقت. صح، ما يدريك لعل الموت يفجأك وأنت في هذا السن؟ ولذلك ماذا قال بعده؟ "وفكر كم صغير قد دفنت". كم ناس تعرفهم ممن هم في سنك أو أصغر منك، أو هم شباب، قد جاءهم الأجل، ولم يدركوا التوبة والرجوع، والرجوع، فصاروا... فصاروا مرهونين بأعمالهم. فكر في ذلك: هل لا يموت إلا الكبير؟ لا، الموت لا يعرف كبيرًا ولا صغيرًا، أبدًا. متما جاء أجلك جاءك الموت، جاءك الموت. وكما ينقل عن الإمام الشافعي: "وكم من صغير مات من غير علة، وكم من كبير عاش حينًا من الدهر". كم من صغير مات، نام فلم يقم... حاذت سيارة، حاذت سيكل... صغير، شاب في سنك وأصغر منك. فلا تسوف، لا تسوف، لا تقول: جدي لا يزال يعيش، أنا لما أنه وصل سن جدي بعدين بأتوب. هذا لعل جدك طال عمره، لكن أنت ربما... يطول عمره؟ لماذا تغامر بحياتك؟ ثم هل أنت تضمن أنك ستتوب؟ لعل الله يختم على قلبك، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. هل تضمن الهداية والتوبة؟ ما تضمن ذلك. فإذا لا تخاطر بحياتك، لا تقول: الصبا فيه امتهال، فيه مهلة، وفيه سعة مرحلة، يعني: كما يقول البعض: المراهقة، هذا الآن فترة كل الناس يمرون بها، دع الشباب يفعلون ما يشاء. لا، هذا نظرة خاطئة، هذه نظرة خاطئة تخالف شرع الله عز وجل، والإنسان يخاطر بحياته بسبب هذا الأمر الذي ربما يستسيغه، و... يعني: يسوف من أجله. فقال: "ففكر كم صغير قد دفنت". قال: "وقل يا ناصحي بل أنت أو لا بنصحك لو لفعلك قد نظرت". "وقل يا صاحبي"، يعني: رجع الأمر إلى الاعتراف بتقصيره وتفريطه، فيقول للمنصوح: لك أن تقول: بل أنت أولى، أيها الناظم، أنت أولى بما ذكر، فانظر إلى أعمالك، يا أيها الناصح، وانظر إلى حالك، وأنت تقدم لي هذه النصائح، وأنت تقدم لي هذه النصائح، فأنت أولى بهذه النصائح. وهذا حال العالم الصادق الناصح، هذا حال العالم الصادق الناصح، لا يكن متميزًا على المنصوح، بل يشعر بتقصيره وتفريطه وحاجته لهذه النصائح، بل ربما أكثر من المنصوح. فمن المعاتبة والانتفاع بهذه المواعظ أن الناظم لا يرى أنه متميز، وأنه كامل، وأنه لا يقع في الخطأ والزلل والتفريط، بل هو أولى بهذه النصائح. فقال له: "وقل يا ناصحي"، يعني: يا أيها المنصوح، قل: يا أيها الناصح، بل أنت أولى، أنت أولى أيها الناصح بنصحك، إن صح نفسك، لو لفعلك قد نظرت، لو نظرت إلى فعلك، فأنت كذلك بحاجة إلى هذه النصائح، وإلى هذه المواعظ. وكما تقدم، هذا حال العالم الصادق، وهذا تجده كثيرًا في كلام العلماء الناصحين الصادقين، لا يبرئون أنفسهم، ولا يدعون لأنفسهم الكمال، وأنهم لا يقبلون النصح أبدًا. الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله له منظومة جميلة اسمها "منهج الحق"، فلما حث على الذكر ورغب فيه، وعدد منافعه ومناقبه، قال في خاتمتها: "ولكننا من جهلنا قل ذكرنا، كما قل منا للإله التعبد". هذا قالها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، قال: "ولكننا من جهلنا قل ذكرنا، كما قل منا للإله التعبد". ما قال: "ولكنكم من جهلكم قل ذكركم"، لا، جعل الضمير يعود عليه، ليبين أنه أولى بهذه النصائح، وأنه بحاجة إلى الإكثار من ذكر الله والإكثار من التعبد لله عز وجل. وهذا تربية، فلا تظن أن المتكلم في غنى عما ينصح به، بل ربما هو أولى بالنصح، ربما هو أولى بالنصح بما يقول ويلقي من نصائح على الناس أو على طلاب العلم. فهكذا المؤلف في هذا يقول: "وقل يا ناصحي بل أنت أولى بنصحك لو لفعلك قد نظرت"، وهذا من تواضعه واعترافه بالتقصير. والمؤمن هكذا يخاف أن يكون مفرطًا مقصرًا، لا يقبل منه، وهذه صفات المؤمنين الكمل، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، يخافون أن لا يقبل منهم. فلا يغترون بأعمالهم، ولا بنصحهم، ولا بتوجيههم وإرشادهم، فهم أولى بهذه التوجيهات والنصائح. فلو نظر الإنسان لأفعاله لرأى أنه أولى وأحرى بهذه النصائح. ثم عدد أبيات فيها هذا المعنى، وهو اعترافه بالتقصير، واعترافه كذلك بالحاجة إلى مثل هذه النصائح، ولكن الوقت قد انتهى، فإن شاء الله نكمل ما بقي من هذه الأبيات في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.