الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 113، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحذر الشيخ من اتباع الدجال حتى تقيةً، مبيناً أن من يتبعه ينزع الله الإيمان من قلبه ولا تنفعه تقية، لأن اتباع الدجال من المناهي التي شدد الله فيها ولم يجعل فيها رخصة، كطلوع الشمس من مغربها لا يقبل بعدها إيمان.
ينزل عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء بدمشق فيخرج في طلب الدجال، فيدركه عند عقبة أفيق فيذوب الدجال كما يذوب الملح في الماء، ثم يلحقه عيسى عند باب لد فيقتله بحربته وينتهي شره وفتنته، كما ورد في صحيح مسلم.
يُختم المقطع بالإشارة إلى أن بعض مباحث المسيح الدجال قد تمت، وسيُستأنف في الدرس القادم ذكر علامات القيامة الكبرى بدءًا من السؤال السادس والمئة، مع الإيجاز والاختصار.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد يقول قائل: إذا أدركت خروج الدجال واشتدت بي الأمور فسأتبع الدجال بلساني وجوارحي، ويبقى قلبي مطمئناً بالإيمان. فنقول: قد ذكر أهل العلم أن من اتبع الدجال بلسانه أو بجوارحه ينزع الإيمان من قلبه، ففي ذلك الزمان لا يتبع الدجال إلا من فقد الإيمان، إلا من فقد الإيمان. فقد قال المظهر رحمه الله تعالى: "وإنما أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته أنه يكون خروجه في شدة من الزمان وعسر من الحال، وأن الناس تصيبهم شدة، وأنه يستولي على أموالهم ومواشيهم، فيجوز أن يتبعه أقوام بأبدانهم وبألسنتهم وإن عرفوا بقلوبهم كذبه، وأن الله ليس كمثله شيء. قال: ويكون تصديقهم إياه واتباعهم تقية على حسبان تأويل قوله تعالى ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾، ويحسبون أن في تصديقه رخصة كما جاز في غيره. قال: فمن اتبعه صرف الله قلبه، ولم يقبل منه إيمانه بالله، ولم يعذره في نفسه، فإنه لم يأت في شيء من الأخبار رخصة في اتباعه تقية. فأنذر النبي صلى الله عليه وسلم قومه وخاف عليهم فتنته لذلك". ثم قال رحمه الله تعالى: "قال: ويجوز هذا وجه آخر، ويجوز أن يكون شأن الدجال وأتباعه أو اتباعه من المناهي التي شدد الله فيها ولم يجعل فيها رخصة، وأن من اتبعه لم ينفعه إيمانه، وأن من اتبعه لم ينفعه إيمانه، كما جعل طلوع الشمس من مغربها فتنة لا يقبل بعدها إيمان، أو إيمان من لم يكن آمن من قبل، وإن كان ذلك في القوة والصحة. وإن كان الفعل فمثل هذه العلامات فالغالب أن إيمان من أراد الإيمان لا ينفعه، لأنه يوقن، يوقن بالساعة وبقيام الساعة. كذلك فمثل طلوع الشمس من مغربها فقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنة أن صاحبها، أن التائب في ذلك الوقت لا تقبل توبته. وهكذا في هذه العلامة لمن اتبع الدجال بلسانه أو بجوارحه". ومن شدة فتنة الدجال أن الناس تصيبهم شدة كما مر معنا، خصوصاً من لم يتبع الدجال، فيبتلى بقلة الأرزاق وضيق المعيشة. فهذا ابتلاء من الله عز وجل ليميز الله الخبيث من الطيب، وليتميز المؤمن من الكافر والمنافق. وأخيراً، وقد أطلنا في مبحث الدجال لعظيم فتنته، ولما رأينا من أهمية هذا الموضوع، خصوصاً لطالب العلم، فهو بحاجة إلى أن يقي نفسه أولاً، ثم يقي من تحت يديه من أهل دعوته. فأطلنا في هذا الموضوع، وهو اليوم إن شاء الله في آخر مبحث من مباحث هذه العلامة. أخيراً: مقتل المسيح الدجال بعد فتنة عظيمة في الأرض كما مر معنا، يمكث في الأرض أربعين ليلة، وعرفنا أن يوماً كسنة، ويوماً كشهر، ويوماً كأسبوع، وبقية الأيام كأيامنا هذه. فبعد هذه الفتنة العظيمة في الأرض ينزل عيسى بن مريم عليه السلام، وهو علامة كبرى من علامات الساعة، فينزل عيسى بن مريم عليه السلام بدمشق عند المنارة البيضاء، فيقتل الدجال. وجاء في ذلك تفصيل في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فمن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «فبينما هم يعدون للقتال» أي: المسلمون يعدون، يتجهزون لقتال الروم، يسوون الصفوف، صفوف القتال، «إذ أقيمت الصلاة» أقيمت الصلاة ليصلوا، قال: «فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب» أي: المسيح يذوب، «ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده» أي: بيد عيسى بن مريم عليه السلام، قال: «فيريهم دمه في حربته». والحديث في صحيح مسلم. وقتله بيد عيسى عليه السلام به يزداد إيمان المؤمنين بأنه كان دجالاً، ويكون قتله في فلسطين بباب لد، ولد هي شمال غرب بيت المقدس، بلد يقال لها لد، تبعد عن بيت المقدس خمسين كيلو متراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقتل ابن مريم الدجال بباب لد». رواه الترمذي، وهو حديث صحيح. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو يلخص لنا الأحداث التي وقعت منذ نزول عيسى إلى قتل المسيح الدجال: قال ابن كثير: "يكون نزول عيسى بن مريم عليه السلام، مسيح الهدى، عيسى بن مريم عليه السلام، في أيام المسيح الدجال، مسيح الضلالة، مسيح الدجال، مسيح الضلالة، قال: على المنارة الشرقية" يعني: ينزل عيسى على المنارة الشرقية بدمشق. "قال: فيجتمع عليه المؤمنون، وقال: ويلتفت معه عباد الله المتقون، فيسير بهم" أي: عيسى، "قاصداً نحو الدجال، وقد توجه" أي: الدجال "نحو بيت المقدس. قال: فيدركه" أي: عيسى عليه السلام "عند عقبة أفيق". وعقبة أفيق هي شرق بحيرة طبرية التي مر معنا أنها من علامات خروج الدجال، ينحسر ماؤها أو يذهب ماؤها، فهذه عقبة أفيق شرق بحيرة طبرية، تبعد عنها خمسة كيلو متر. "قال: فينهزم منه" أي: ينهزم الدجال، "فينهزم منه الدجال فيلحقه عند باب مدينة لد فيقتله بحربته وهو داخل إليها" أي: عيسى، "ويقول له: إن لي فيك ضربة لن تفوتني". وإذا واجهه الدجال إنماعاً، ومعنى إنماعاً: أي ذاباً كما جاء في الحديث. قال: "وإذا واجهه الدجال إنماعاً كما ينماع الملح في الماء، إذا وضعت الملح تراه في يدك جرماً، ثم تضعه في الماء، ما تطعم إلا طعمه فقط، ما ترى أثراً له، يذوب هذا الملح في الماء. وهكذا الدجال لما يرى عيسى بن مريم يذوب كما يذوب الملح في الماء". قال: "فيدركه عند باب لد، فتكون وفاته هنالك" أي: وفاة المسيح الدجال. "وبهذا يخلص الله عز وجل المؤمنين من شره وفتنته، من شره وفتنته في الأرض". هذه هي بعض المباحث التي تتعلق بالمسيح الدجال، وإن شاء الله في الدرس القادم نرجع إلى حيث وقفنا في الأسئلة، وهو ذكر العلامات، علامات القيامة الكبرى، وهو السؤال السادس والمئة. فإن شاء الله تعالى نرجع إلى ذاك السؤال ونذكر بعض تلك العلامات على وجه الإيجاز والاختصار. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً.