الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 111، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المقطع أن الدجال يلبث في الأرض أربعين يوماً أولها كسنة وثانيها كشهر وثالثها كجمعة وباقيها كأيام الناس. كما يذكر خوارقه كنهرين أحدهما ماء أبيض والآخر نار تأجج يستخدمهما فتنة وامتحاناً للناس.
من عظيم فتنة الدجال قدرته على الأمر للسماء فتمطر وللأرض فتنبت فترعى مواشي أتباعه وتسمَن ويكثر لبنهم. بينما يُبتلى من يرفضه بالقحط والجوع وفقدان الأموال والأنفس مشبهاً حال من يفضلون تحسين المعيشة على العقيدة الصحيحة.
يوضح المقطع أن الدجال يفتن الناس بإخراج كنوز الأرض وتتبعها له كنحل تتبع ملكها. كما يحيي رجلاً بعد قتله ليختبر إيمان المؤمنين وبين العلماء أن هذه الخوارق إنما هي امتحان من الله للعباد.
يحث المقطع المسلم على الحذر من الفتن الكبيرة وما يشبهها والتمسك بدينه والثبات عليه. ويشير إلى خطورة فتنة المسيح الدجال كأبرز الأمثلة على هذه الفتن.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: كم يلبث المسيح الدجال في الأرض؟ هذا السؤال سأله الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما ذاك إلا لعظم فتنته. فقد سأل الصحابة رضي الله عنهم عن مدة لبثه في الأرض، كما في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنهما قال: قلنا: يا رسول الله، ما لبثه في الأرض؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم». قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة واحدة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، أقدروا له قدره». رواه مسلم. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ومعدل ذلك سنة وشهران ونصف. ذكر هذا في البداية والنهاية. فقوله عليه الصلاة والسلام: «يوم كسنة» يعني طول هذا اليوم كطول سنة، ثم اليوم الثاني كشهر، ثم اليوم الثالث كجمعة، والمراد به أسبوع. فإذا حسبت هذا كان المجموع سنة وشهران ونصف، كما ذكر الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله. وهذه في الحقيقة فترة ليست بكثيرة مع ما يطوف عليه الدجال من مدن وقرى. وكما تقدم أنه ما من بلد إلا ويهبط فيها إلا مكة والمدينة. الدجال فتنته عظيمة، يمتحن الله عز وجل به عباده، وذلك بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه، ويقدره الله على أشياء من مقدوراته فتنة للعباد وتمحيصاً وتمييزاً، ليميز الله الخبيث من الطيب. ومن تلك الخوارق التي يقدره الله عز وجل عليها: أن معه نهرين يجريان، أحدهما يراه الناظر ماء أبيض، إذا نظر إلى هذا النهر رأى هذا النهر ماء أبيض، والآخر يراه الناظر ناراً تلتهب. ودليل ذلك ما جاء في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج». ومعنى ذلك: أن من اتبعه يعده بهذا النهر الذي ماءه أبيض، ومن لا يتبعه يتوعده بذاك النهر الذي ماؤه نار تأجج. ومن عظيم فتنته أيضاً: أمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت. ودليل ذلك أيضاً ما جاء في مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت». وهذا أيضاً من عظيم فتنته، فلا شك أن ضعيف الإيمان يغتر إذا رأى مثل هذه الخوارق. وهكذا الذين يؤمنون به ويستجيبون له، إذا أمر السماء أن تمطر لهم فتمطر، وإذا أمر الأرض أن تنبت لهم فتنبت، فرعت مواشيهم وتشبع ويكثر لبنها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أيضاً في مسلم: «فيأتي على القوم -أي الدجال- فيدعوهم، يدعوهم إلى ربوبيته وألوهيته، فيدعوهم فيؤمنون به، يؤمنون بهذا الدجال ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم». ومعنى تروح: أي ترجع آخر النهار، ترجع آخر النهار سارحتهم، وهي الماشية التي تذهب أول النهار. قال: «فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا». ومعنى ذرا: جمع ذروة، وهي الأعالي والأسلمة، كناية عن كثرة السمن. يعني تذهب ترعى فتأتي وهي سمينة، يعني أمل ما تكون من اللحم. قال: «وأسبقه ضروعاً»، أي كثيرة در اللبن، يكثر لبنها في ضروعها. «وأمد»، وأمده: خواصر، الخاصر هي ما تحت جنبها، يكون واسعاً، وذلك لتمام الشبع. بمعنى أن هذه الماشية تشبع وتسمن ويكثر لبنها، ويكثر لبنها. هذا في حق من يستجيب له. وأما من لا يستجيب له ويردون عليه أمره من أهل الإيمان، فتصيبهم السنة، أي الفقر والجدب والقحط والقلة، بل وموت أنعامهم، تموت عليهم الأنعام وتنقص أموالهم، بل والأنفس والثمرات. كل ذلك ابتلاء من الله عز وجل ليختبر صبرهم. قال عليه الصلاة والسلام: «ثم يأتي القوم -أي المسيح الدجال- فيدعوهم، فيردون عليه قوله»، يعني لا يستجيبون له، «قال: فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين». ومعنى ممحلين: أي داخلين في قحط. ممحلين أي داخلين في قحط، قال: «فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ليس بأيديهم شيء من أموالهم». انظروا إلى عظيم هذه الفتنة، وترى شبيه هذه الفتنة في هذا الزمان. تجد بعض الناس اليوم يقول: أهم شيء عندنا تحسين المعيشة، حتى ولو حكمنا الحوثي، الحوثي من حكمك، يعني على العقائد الفاسدة وسب الصحابة والشرك بالله عز وجل وتعظيم أئمتهم، كل ذلك من أجل الدنيا. الله يصلح حالك يا أخي، كيف سيكون حالك إذا خرش عليك الدجال؟ فالمؤمن يجب عليه أن يثبت على دينه، وأن لا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، من الدنيا قليل. لا تقتر بهذه الدنيا، لا تتنازل عن شيء من أمور دينك من أجلها، فهذا هو عين الفتنة، فهذا هو عين الفتنة. كذلك من فتنته: اتباع كنوز الأرض له، أي مدفونها أو معادنها، تتبع هذا المسيح الدجال وتمشي خلفه، كما جاء أيضاً في مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويمر بالخربة»، والخربة هي الأرض الخربة، يعني الأرض الميتة أو الأرض القديمة المهدمة، «فيقول لها: أخرجي كنوزك»، فتخرج هذه الكنوز، «فتتبعه كنوزها كعياسيب النحل». وعياسيب: جمع عيسوب، وهو ملك النحل. تعرفون النحل، لا بد أن يمشي خلف ملكه، هي التي تأمره وهي التي تمشيه. فهكذا هذه الكنوز تتبع الدجال. تصور يمشي وهي خلفه كنوز من ذهب، من فضة، من معادن، اعتبار أنها ملك له. فكيف حال الناس إذا رأوا ذلك إلا من ثبته الله سبحانه وتعالى؟ وهكذا مما جاء من فتنته: أنه يحيي الرجل الميت الذي يقتله، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتله، لا يقدر بعد ذلك على قتله. ودليل ذلك ما جاء أيضاً في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف»، أي الدجال يضرب هذا الشاب بالسيف، «فيقطعه جزأين»، أي يقطعه قطعتين، «رمية الغرض». هو معنى رمية الغرض: يعني بعد ما بينهما بقدر رمية السهم، يعني قطعة هنا وقطعة هنا بعيد منهم، مثل يعني مسافة رمية سهم، مثل مسافة رمية سهم، يجعله شقين وقطعتين. «ثم يدعوه فيقبل»، أي هذا الشاب، «ويتهلل وجهه يضحك». قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يظهر الدجال أولاً في صورة ملك، يعني أول ما يخرج من الملوك الجبابرة، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية، فيتبع على ذلك الجهلة من بني آدم، والطغام من الرعاع والعوام، ويخالفه ويرد عليه من هداه الله من عباده الصالحين وحزب الله المتقين. ذكر ذلك في البداية والنهاية. وقال العيني في عمدة القارئ شرح البخاري: «وفائدة تمكينه من هذه الخوارق: امتحان العباد، امتحان العباد». فينبغي للمسلم أن يحذر من هذه الفتن أو ما يشابهها، وأن يتمسك بدينه ويثبت عليه. فانظروا إلى هذه الفتن العظيمة التي أعطيها هذا المسيح الدجال. نكتفي بهذا اليوم، وإلى الله تعالى.