الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 110، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يصف الحديث سرعة مشي المسيح الدجال بأنها كسرعة الغيم الذي تسوقه الريح، مما يمكنه من هبوط كل قرية على الأرض خلال أربعين ليلة. وتستثنى من ذلك مكة والمدينة اللتان تحميهما الملائكة وتمنعان الدجال من الدخول.
يذكر ابن كثير أن المسيح الدجال يطأ البلاد كلها إلا مكة والمدينة، وأن رعب الدجال لا يدخل المدينة فيأمن أهلها منه. وعند نزول الدجال بسبخة الجرف ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليها كل كافر ومنافق، ويبقى المؤمنون الصادقون محفوظين من سلطانه.
يشرح الحافظ ابن حجر أن حديث أبي بكرة عن عدم دخول الدجال المدينة يعني عدم خوف أهلها من ذكره، بينما خروج المنافقين كان بسبب الزلزلة لا الخوف من الدجال. ويحدد موقع نزول الدجال في صبخة الجرف خلف جبل أحد، مستنداً إلى أحاديث النبوية التي تصف نزوله في ناحية المدينة ودبر أحد.
يذكر المقطع أن الدجال إذا جلس في الموضع المحدد تقوم الملائكة بصرف وجهه نحو الشام، وهناك يُهلك على يد عيسى بن مريم عليه السلام. وهذا يوضح خروج الدجال وقربه من المدينة ثم تحويله إلى جهة الشام حيث يكون موته.
الحمد لله، الحمد كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد: المسيح الدجال إذا خرج فإنه سريع المشي في الأرض، فمشي المسيح الدجال في الأرض سريعٌ يشبه أو شبه النبي صلى الله عليه وسلم سرعة مشيه بسرعة مشي الغيم إذا استدبرته الريح، يعني السحب إذا جاءت الرياح تسوقه فيكون مشي هذا السحاب سريعًا جدًا، وهكذا الدجال في الأرض فإنه يمشي فيها مشيًا سريعًا. فعلى النواس بن سمعان رضي الله عنهما قال: قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ أي إسراع المسيح الدجال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كالغيث استدبرته الريح». وهذا يدل على سرعة مشيه، والحديث رواه مسلم. ولذلك من سرعة مشيه في الأرض لا يدع قرية في الأرض إلا هبطها في أربعين ليلة، غير مكة والمدينة كما تقدم، فهما محرمتان عليه. ففي هذه الفترة لا يدع مدينة ولا بلد ولا قرية إلا وهبطها ودخل فيها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبرًا عما قال تميم الداري في ذاك الحديث الطويل: قال عن الدجال أو قال الدجال لتميم ومن معه: «إني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، طيبة المدينة، فهما محرمتان علي، كلتاهما كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدًا منهما استقبلني ملك بيده سيف سلطا، أي مسلول، يصدني عنها، وإن على كل نقب، أي كل مدخل من مداخلها، ملائكة يحرسونها». رواه مسلم. فهذا الحديث فيه سرعة مشي المسيح وأنه يجوب الأرض خلال أربعين ليلة. قال الحافظ بن كثير رحمه الله تعالى: «ويتدرج فيأخذ البلاد بلدًا بلدًا»، أي المسيح يتدرج فيأخذ البلاد بلدًا بلدًا وحصنًا حصنًا وإقليمًا إقليمًا وكورة كورة، أي مدينة مدينة، ولا يبقى بلد من البلاد إلا وطئه بخيله ورجله، أي بكل ما يقدر عليه، غير مكة والمدينة. هكذا يقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله. كذلك المدينة، كما أن المسيح لا يدخلها، كذلك رعب المسيح لا يدخلها، لا يخاف الناس منه، فأهلها لا يفزعون ولا يخافون منه، كما جاء في حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب، على كل باب ملكان». رواه البخاري. فقوله: «لا يدخل المدينة رعب المسيح» يعني الناس ما يخزعون ولا يخافون منه، وهذا فيه منقبة للسكنى في المدينة. وإذا قدم الدجال من أصبهان كما تقدم في طريق بين الشام والعراق، فإنه ينزل في موضع قبل المدينة يبعد عن المدينة قرابة خمسة كيل أو نحوها، ويسمى هذا الموضع بالجرف، وهو ناحية المدينة، وهو ناحية المدينة. فلما يأتي إلى هذا الموضع ترجف المدينة، أي تتزلزل المدينة ثلاث رجفات، ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق. ما يخاف من هذه الزلزلة إلا ضعفاء الإيمان أو من لا إيمان لهم كالمُنافقين والكفار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «ينزل، أي المسيح الدجال، بيئة صبخة». وفي رواية: «فيأتي صبخة الجرف فيه فيضرب رواقه»، الرواق هو الخيمة، يعني ينصب خيمته. قال: «فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق». قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في الفتح عند شرح هذا الحديث: «ثم ترجف المدينة، أن يحصل لها زلزلة بعد أخرى ثم ثالثة، حتى يخرج منها من ليس مخلصًا في إيمانه، ويبقى بها المؤمن الخالص، فلا يُسلط عليه الدجال، فلا يُسلط عليه الدجال». وقال الحافظ أيضًا: «ولا يعارض هذا ما في حديث أبي بكرة»، ما هو حديث أبي بكرة؟ مر معنا قريبًا أن المدينة لا يدخل أهلها ماذا؟ أو لا يدخل أهلها الرعب، أي الخوف. فقد يقول قائل: إذن لماذا خرج الكفار والمنافقون منها؟ ليس من الخوف وهم ساكنون فيها. فالجواب كما قال الحافظ: «ولا يعارض هذا ما في حديث أبي بكرة الماضي أنه لا يدخل المدينة رعب الدجال، لأن المراد بالرعب ما يحدث من الفزع من ذكره، يعني من ذكر المسيح، إذا ذكر المسيح لا يخاف منه أهل المدينة، قال: والخوف من عتوه، يعني ما يخافون من ظلمه، قال: لا، الرجفة التي تقع بالزلزلة لإخراج من ليس بمخلص، يعني أن هؤلاء المنافقين إنما خرجوا ليس خوفًا من الدجال وإنما خوفًا من هذه الزلزلة، من هذه الزلزلة، ففرق بين الأمرين، والله أعلم». وصبخة الجرف هذه، يعني الجرف هذا موضع مكان خلف جبل أحد، تعرفون جبل أحد، يبعد عن المدينة قرابة أربع كيلو. فالدجال نزل خلف جبل أحد مكان يسمى الجرف، وهو غرب جبل أحد. والصابخة بفتح السين والباء والخاء، السابخة هي الأرض التي لا تنبت لملوحة أرضها، أي أن هذا الموضع لا تنبت أرضه، لا تنبت أرضه لملوحتها، لملوحتها. فالدجال ينزل في هذا الموضع. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «حتى ينزل في ناحية المدينة»، أي في جانب المدينة. وقال صلى الله عليه وسلم: «حتى ينزل دبر أحد»، رواه مسلم، ودبر بمعنى خلف، خلف جبل أحد كما تقدم من إحدى نواحيه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيأتي صبخة الجرف»، وعرفنا ما معنى صبخة، والجرف قلنا موضع، والجرف موضع. فنزوله حول المدينة في هذا المكان. ثم إذا جلس ما شاء الله أن يجلس في هذا الموضع، تصرفه الملائكة جهة الشام، أي تطرده الملائكة، تبعده الملائكة جهة الشام، كما جاء أيضًا في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهناك يهلك»، أي هناك يموت على يد عيسى بن مريم عليه السلام. فهذا هو خروج المسيح ومجيئه بالقرب من المدينة ثم صرفه إلى جهة الشام، إلى جهة الشام. نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا.