كتاب الحدود 3

الدرس في كتاب الحدود 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حد القذف وأحكامه

القذف هو الرمي بالزنا أو ما في حكمه، ويعاقب عليه بحد القذف ثمانين جلدة إذا لم يأت القاذف بأربعة شهداء. يثبت القذف بإقرار أو شهادة عدلين.

أحكام القذف والشرب وحدودهما

يشترط أربعة شهداء لإثبات الزنا، بينما يحتاج القذف إلى شهادة عدلين. كما يتناول حد الشارب للمسكر واختلاف العلماء في تحديد عدد الجلدات.

التعزير ومفهومه في الشريعة الإسلامية

التعزير هو حكم شرعي يطبق على المعاصي التي لا تستوجب حدًا معينًا، ويمكن أن يكون بالحبس أو الضرب أو غيرهما. يُترك تقدير التعزير للحاكم الشرعي ولا يتجاوز عشرة أسواط إلا في حدود الله.

حد التأديب وتطبيقاته المختلفة

حد التأديب للإمام يمكن أن يتجاوز العشر جلدات، ويطبق على تأديب الأشخاص مثل الأبناء أو التلاميذ. يُشير إلى أن هناك فرقًا بين تأديب الفرد لغيره وبين تطبيق الحد على من يستحق العقوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب حد القذف. والقذف من قذف شيئا إذا لفظه أو رمى به، فالمراد بالقذف هو الرمي، الرمي بالزنا أو ما يكون مثله كاللواط أو من هذه الأمور التي حرمها الله عز وجل، سواء كان يرمى بالفعل، سواء كان يرمى على أنه فاعل أو مفعلا به، بكله رمي. قال: من قذف غيره بالزنا وجب عليه حد القذف ثمانين جلدة، ويثبت ذلك بإقرار مرة أو شهادة عدلين، وإذا لم يتب لم تقبل شهادته. فقال: من قذف غيره بالزنا وجب عليه الحد القذف ثمانين جلدة، هذا على نص القرآن: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. إما أن يأتي بأربعة شهداء أو حد في ظهره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لبعض الصحابة. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، ففيه أن القذف يجلد ثمانين جلدة، وهو أخف الحدود من ناحية الحدود المقدرة. قال: ويثبت ذلك بإقراره مرة، إقراره مرة، ولو مرة واحدة أقر بهذا يكفي. وأما التكرار فمن باب الاستيثاق فقط، كما تقدم. أو شهادة عدلين، شهادة عدلين لماذا؟ ليس للزنا وإنما لأنه تلفظ بهذا القول. معنى يشهد عليه اثنان بأنه رمى فلانا أو رمى فلانة. فإن شهد عليه عدلان أنه قال في فلان إنه كذا وكذا، زان أو كذا. وهنا هذه الشهادة هي بين عليه، فيقام عليه الحد إن كان ما قاله صحيحا أو ما قاله -أقصد- ليس بصحيح. أما إن كان صحيحا فيثبت ذلك، يثبت ذلك بإيش؟ أن يأتي بالشهداء، يأتي بأربعة شهداء على أن هذه المرأة مثلا زنت، فلا يجوز له أن يقول هذا مجرد خبر جاءه، فيقول: هذه المرأة دخل عندها رجل وزنت وكذا، فهذا يحتاج إلى شهود على ذلك. قد يكون دخل عندها، لكن لم يزني بها، أو أنه دخل عليها بدون ما تعلم، ثم طرد وأخرج، وغيرها من هذه الأشياء التي تحصل. فالحكم على المرأة أنها زنت مثلا لأجل أمر، مثلا شبهة من الشبهات التي تحصل، فهذا خطأ. ممكن مثلا يقول: رأيت فلانا يدخل بيت فلان، وليس هو موجود مثلا، هذا ما في شيء، هذا ليست شهادة على زنا، وإنما شهادة على شيء رآه. وهذا ما تحتاج إلى أربع شهود، وإنما تحتاج إلى شاهدين على أن فلانا دخل على تلك المرأة، أو أن تلك المرأة دخلت بيت فلان، أو شيء من هذه الأمور. مثلا رأى رجلا يقبل امرأة، فيشهد على هذا التقبيل، هذا ما يحتاج إلى أربعة عن التقبيل مثلا، أو الضم أو غيره، ما يحتاج إلى أربعة. إنما الذي يحتاج إلى شهادة أربعة هو الزنا أو ما يقوم مقامه كاللواط وغيره، فهذا يحتاج إلى أربعة شهداء. وأما مقدمات الزنا وغيره، فيحتاج إلى شهادة عدلين. وكذلك أيضا الشهادة على الرمي، على أن فلانا رمى فلانا بالزنا، وهنا يحتاج إلى أيضا رجل آخر يقيم معه الشهادة. أو إذا كان مثلا رمى، شهد عليه رجلان، شهد عليه رجلان أنه قذف، شهد عليه رجلان أنه قذف فلانا، فإنه يقام عليه الحد. قال: وإذا لم تقبل شهادته، معنى ويجوز مثلا أن يعفو صاحب الحق، أن يعفو صاحب الحق. لكن اختلفوا إذا كان هذا الأمر قد جاء عند الإمام، فهل إذا عفى صاحب الحق يسقط الحد؟ فأكثر العلماء على أنه يسقط؛ لأن غالب الحق هنا هو حق هذا المقذوف. قال: فإن جاء بعد القذف بأربعة شهود سقط عنه الحد. إذا قذف امرأة مثلا بالزنا، فقال له القاضي: ائت بأربعة شهود إن كنت صادقا، وإلا حد في ظهرك. فجاء بأربعة شهود شهدوا على هذا الزنا، هنا يسقط عنه الحد. قال: وكذلك إذا أقر المقذوف بالزنا، قال المقذوف: نعم، هذا فعلت، فعلت هذا الشيء، فهذا يسقط عنه الحد. وفي بعض المسائل أيضا يسقط، لكن فيها خلاف. قال: باب حد الشارب. قال: من شرب مسكرا مكلفا مختارا جلد على ما يراه الإمام، إما أربعين جلدة أو أقل أو أكثر، ولو بالنعال. ويكفي إقراره مرة أو شهادة عدلين، ولو على القي. وقتله في الرابعة منسوخ. هذه حد الشرب، شرب الخمر. من شرب مسكرا مكلفا مختارا، أنا ليس أكره عليه، وكذلك مكلفا، أي بالغا عاقلا، فهذا يجلد. قال: على ما يراه الإمام؛ لأن حصل خلاف في حد الشرب كم هو؟ فجاء في الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين. وجاء في لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين. وجاء أيضا عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين، وأبو بكر وعمر في صدر خلافته، ثم استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانين، وأمر به عمر، وأمر بأن يحد ثمانين. وإنما فعل ذلك الصحابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرر حدا معينا في الخمر، فلهذا قال الأولى أن يكون هذا الجلد إلى ثمانين. وبعض العلماء يقول: أنه ليس له حد محدد، مثل ما قال الشوكاني، وهو قول الظاهرية وغيرهم، على أنه ليس هناك حد محدد للجلد، وإنما يضرب مطلقا، سواء أنه أربعين أو أكثر. قال: ويكفي إقراره مرة أو شهادة عدلين، قد تقدم في الكلام على القدر. ثم قال رحمه الله: ولو على القي، على تصحيح الشهادة على القي، أنه قاء خمرا، معنى ما رآه شرب، ولكن رآه قاء، أخرجها، إخراجه الخمر يدل على أنه شربها. قال: والتعزير في المعاصي التي لا توجب حدا ثابتا بحبس أو ضرب أو نحوهما، ولا يجاوز عشرة أسواط. هذا قد تقدم كثيرا. فالتعزير حكم من أحكام الشريعة، ويرجع ذلك إلى الإمام، أنه له أن يعزر. وجاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة يوما وليلا. وحبس في سنة داود أيضا، في حديث بحث بن حكيم عن نبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة، ثم خلى عنه. حبسه في تهمة، وهذا يدل على أن الحبس أيضا يعتبر من التعزير. فالحبس يعتبر أيضا تعزيرا، يعزر الحاكم به من شاء من أهل المعاصي حتى يردعهم عن تلك المعاصي. وإذا جلده، لا يجلده -معنى- هل يجلده فوق عشر أسواط؟ فهذه المسألة حصل خلاف فيها. والذي ترجح في هذا الأمر في حديث أبي بردة بن نيار، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجلد فوق عشر أسواط إلا في حد من حدود الله». هذا الحديث. فقوله في حد من حدود الله، هل المراد حد مقدر، أو أن المراد حد أي معصية؟ فالظاهر من الشرع أنه يسمي الحد المعصية، وليس الحد المقدر. ولهذا لما جاء في الصحيحين، جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا رسول الله، أصبت حدا، فأقمه علي. وجاء هذا الحد، ماذا فعل؟ أي وجد امرأة فقبلها، فهذا الحد الذي فعله، هذه معصية، ليس حدا مقدرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصليت معنا؟» قال: نعم. قال: «اذهب فقد غفر الله لك». وأيضا في حديث معاذ وغيره، في نزول سبب أو في حديث عبد الله مسعود أيضا، في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، هذه أيضا نزلت في رجل قبل امرأة، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأسقط عنه. شيء من هذا. المهم أن هذا التعزير يجوز أن يجلد أكثر إذا كان في حد أو فعل معصية كبيرة، ولم يأت الحد. مثلا اغتصب، لكنه لم يزن، اغتصب امرأة، لكنه لم يزن. الآن تجرى على أن أتجرى على هذه المرأة باغتصابها، وأخافها. أنا قد تكون هذه المرأة أحيانا أن بعض النساء التي تغتصب تصاب بشيء من مثلا أنها تجن، وإن لم يفعل بها شيئا، لكن من شدة خوفها، حتى أنها قد تصاب بحالة. فمثل هذا لا شك أنه يحتاج إلى أن يؤدب هذا شخص. فلهذا الصحيح أنه لا بأس للإمام أن يجلده أكثر من عشر؛ لأن الحديث ليس في المعاصي، وإنما المراد في التأديب. يعني رجل سيؤدب ابنه، رجل سيؤدب زوجته، رجل سيؤدب تلميذه، هذا لا يجلده أكثر من عشر أسواط. وأما غيرهم -معنى- من كان عليه حد، فللإمام أن يجلده أكثر.