التعليقات على كتاب الأدب المفرد 164

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 164، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام تقبيل يد العالم

تناول المقطع موضوع تقبيل يد العالم وشرح شروط جوازه، كما ذكر الإمام البخاري رحمه الله حديثا ضعيفا في تقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم. وضع الشيخ الألباني ثلاثة شروط لتقبيل يد العالم.

عقوبة البغي والتكبر

يشرح المقطع خطورة البغي وعقوبته مستشهدا بأثر ابن عباس وآيات القرآن، ويبين أن البغي والتكبر من كبائر الذنوب التي تؤدي إلى دخول النار.

أهمية لزوم جماعة المسلمين

النص يحذر من مفارقة جماعة المسلمين وإمامهم، ويبين أن لزوم الجماعة أمر بالغ الأهمية كما دلت عليه الآيات والأحاديث النبوية.

اتباع أهل السنة لرسول الله

أهل السنة يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعاليمهم وآدابهم، وقد أكد المتحدث على أهمية اتباع الرسول.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله بكتابه «الأدب المفرد»: حدثنا قيس بن حفص، وهو العصري، قال: حدثنا طالب بن حجير العبدي، قال: حدثني هود بن عبد الله بن سعد، سمع جده مزيدة العبدي، قال: شاء الأشج يمشي حتى أخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فقبلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إن فيك لخلقين يحبهم الله ورسوله»، قال: جبلا جبلت عليه، أو خلقا جبلت عليه، قال: لا، بل جبلا جبلت عليه، قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله. والحديث من هذه الطريق ضعيف، وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله، وذلك بضعف قيس بن حفص، فالضعف هو عند أبي حاتم وأبي زرعة. وأصل الحديث صحيح، قد مر بالطرق التي قد تقدمت، وذكره هنا تقبيل يد النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي لم يرد في الطرق الصحيحة. ومع ذلك، فقد ورد في تقبيل اليد أحاديث وآثار تدل بمجموعها على ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال شيخ الإسلام الألباني رحمه الله. فقال: نرى جواز تقبيل يد العالم إذا توفرت ثلاث شروط. قال: الشرط الأول: أن لا يتخذ ذلك عادة وديدنا، أن يكون ديدانه كل من سلم عليه مد له يده حتى يقبلها، كما يفعل المتصوفة، فليس هذا من السنة، ولا كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته، فإذا اتخذ ذلك عادة وصار ديدنا له، فهذا لا يشرع. قال: وشرط الثاني: أن لا يوقع ذلك في التكبر على غيره من العلماء، ويرى نفسه أنه أرفع منهم، كما يقع ذلك لكثير من بعض المشايخ، فيقع ذلك في التكبر والترفع، فإذا حصل ذلك فإنه يمنع. والشرط الثالث: قال: أن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي سنة المصافحة، يعني: ما يتخذ تقبيل اليد بديلا عن المصافحة، فإذا وقع ذلك فإنها لا تشرع. وهذا هو الواقع في أكثر من يقبلون اليد، فإنهم يجعلون تقبيل اليد بديلا عن المصافحة، والمصافحة قد ثبتت من قول النبي عليه الصلاة والسلام وفعله، وهو غالب هدي النبي عليه الصلاة والسلام وهدي أصحابه، فإذا جعل تقبيل اليد بديلا عنها، فإنها حينئذ لا تشرع. قال رحمه الله: باب البغي. حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين، قال: حدثنا فطر عن أبي يحيى، وهو القتات، عن هلين، قال: سمعت مجاهدا عن ابن عباس، قال: لو أن جبلا بغى على جبل، لدك الباغي. والأثر صحيح بشواهده، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله. والبغي، قال ابن الأثير رحمه الله في «النهاية»: هو مجاوزة الحد، ومنه قول الله عز وجل: ﴿فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾، أي: لا تجاوزوا الحد إلى أن تقعوا في الظلم والجور. فالبغي هو مجاوزة الحد، ويشمل ذلك جميع معاني البغي والاعتداء، سواء كان في القول أو كان في الفعل. وذكر أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ليبين خطورة البغي، وكذلك عاقبة الباغي، يقول ابن عباس: لو أن جبلا بغى على جبل، لدك الباغي، يعني: لهدم واضمحل، والعقوبة على ظلمه. ولهذا قال بعضهم، وهو ينظم معنى هذا الأثر: يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فاعدل فإن خير فعال المرء أعدله لو أن جبلا بغى يوما على جبل ... لن دك أعاليه وأسفله فإذا كان هذا يحصل لجبل صلب قوي ثابت وراسخ إذا بغى، يندك أعاليه على أسفله حتى يصير ترابا، فكيف بابن آدم الذي خلق من لحم وعظم وعصب إذا بغى على غيره؟ فإن عقوبة البغي عظيمة، وهذا يجعل المرء يحذر من البغي والاعتداء على غيره بغير حق. قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق﴾. وقوله: «بغير الحق» هذه صفة كاشفة لمفهوم البغي، فليس هناك بغي بحق، وكل البغي بلا حق، وهو مما حرمه الله سبحانه وتعالى، سواء كان كما قلنا في الأقوال، كأن تتكلم على أخيك بشيء ليس فيه، هذا من البغي، أو تتهمه بشيء ومنه بريء، فهذا من البغي، أو تعتدي عليه في ماله أو عرضه أو دمه، فهذا كذلك من البغي. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احتجت النار والجنة»، فقالت النار: يدخلني المتكبرون والمتجبرون، وقالت الجنة: لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين، فقال للنار: «أنت عذابي، أنتقم بك ممن شئت»، وقال للجنة: «أنت رحمتي، أرحم بك من شئت». والحديث قد مر معنا، وهو في الصحيحين، والشاهد منه قوله: «قالت النار: يدخلني المتكبرون والمتجبرون»، يعني: أن مصير المتجبرين النار، ومن صفات الجبابرة البغي، أنهم يبغون على غيرهم ويعتدون عليهم، فمصيرهم إلى النار، فمعنى ذلك أن عقاب الباغي دخول النار، وهي دالة على أنه كبيرة من كبائر الذنوب، ينبغي على المسلم أن يحذر منها. قال: حدثنا عثمان بن صالح، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا أبو هانئ الخولاني عن أبي علي الجنبي عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه، فمات عاصيا، فلا تسأل عنه، وأمة أو عبد أبق من سيده، وامرأة غاب زوجها وكفاها مؤونة الدنيا، فتبرجت وتمرجت بعده». وثلاثة لا يسأل عنهم: رجل نازع الله رداءه، فإن رداءه الكبرياء، وإزاره العزة، ورجل شك في أمر الله، والقانط من رحمة الله. والحديث ضعفه شيخ الألباني رحمه الله، وهو كذا في «الصحيحة». والشاهد من الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «ورجل نازع الله رداءه، فإن رداءه الكبرياء، وإزاره العزة»، يعني: أن هؤلاء ممن يهلكون، وهم المتكبرون الذين يتكبرون على خلق الله سبحانه، فيوقعهم ذلك في البغي، يتكبر فيستحقر الآخرين ويتنقصهم. قال: ثلاثة لا يسأل عنهم، لا يفهم منه أن هذا خاص بهؤلاء الثلاثة، بل قد يكون هذا الحكم لغير هؤلاء الثلاثة، فإن مفهوم العدد على الصحيح عند المحققين من أهل الأصول لا يفيد الحصر، لكن المراد أن هذه من أهمها ومن أعظمها. قال: «رجل فارق الجماعة وعصى إمامه، فمات عاصيا، فلا تسأل عنه»، فارق الجماعة يعني: ترك جماعة المسلمين التي أمر الله سبحانه وتعالى بالاعتصام بها، كما قال عز وجل: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، أمر فيها بلزوم الجماعة، وحذر فيها من الفرق والاختلاف: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «يد الله مع الجماعة»، وكذا أيضا من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية. وفي حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: «فلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، وقال عليه الصلاة والسلام: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب»، إلى آخر ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تلزم أو تأمر بلزوم الجماعة، وكلها تدل على أن جماعة المسلمين واحدة، ليست جماعات متعددة. وظاهرة تعدد الجماعات ظاهرة سيئة، لا كما يقول بعض الحركيين: هي ظاهرة حسنة، بل ظاهرة سيئة؛ لأنها تدل على التفرق والاختلاف. والواجب على المسلمين أن يكونوا جماعة واحدة، إمامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرجعهم كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فإذا اتخذ كل طائفة وجماعة شخصا يأخذون برأيه ويتبعون أفكاره، حصل التفرق والاختلاف، وهذا هو الواقع. تجد أن كل طائفة لها إمام، تتبع أفكاره وتتبع مذهبه، وكلها فرق محدثة. وكذلك أيضا أئمتهم غير معصومين، ولهذا تجد الخلل في تلك الفرق والمناهج بما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، من مخالفات في التوحيد ومخالفات في المنهج، ومن بدع ومحدثات ومعاصي إلى آخر ذلك؛ لأنه منهج محدث. بخلاف أهل السنة والجماعة، فإمامهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهجهم هو دين الله عز وجل الإسلام، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، فلذلك لا تجد في منهجهم خللا، ولا تجد في منهجهم بدع ومحدثات؛ لأنه منهج معصوم، مؤسسه هو المعصوم عليه الصلاة والسلام. وإن وقع خلل وزلل فهو في الأفراد، لا في المنهج. بخلاف بقية الفرق، فتجد الخلل في مناهج تلك الفرق، وكذلك في أصولها. وكفى شرفا لأهل السنة أن يكون إمامهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، مخبرا بأن كل طائفة تتبع إمامها يوم القيامة، في قوله عز وجل: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾. ذكر الشيخ الألباني رحمه الله عند هذه الآية شرف أهل السنة أن إمامهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتبعون الرسول عليه الصلاة والسلام. أما بقية الفرق، فتتبع أئمتها التي أحدثت تلك الفرق. فالتبليغ مثلا يتبعون محمد الياس، والإخوان يتبعون حسن البنا، والقطبيون سيد قطب، وهكذا في سائر الفرق والمناهج، تتبع أئمتها التي أسست تلك الفرق. وأما أهل السنة فإنهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في درس قادم، والله تعالى أعلم.