الدرس في كتاب البيوع 27، ألقاها
يتحدث عن حكم السلم في الشريعة الإسلامية وجوازه في ما يكال أو يوزن، مع اختلاف العلماء في العروض والحيوان. الجمهور أجاز السلم في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد.
يناقش جواز السلم في مختلف السلع، بما في ذلك ما لا يكال ولا يوزن، مستندًا إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء. السلم يجوز في كل ما ينضبط بالصفة والعدد.
اختلف العلماء في جواز السلم في الحيوان، بينما ذهب الجمهور إلى أن الإبل المعروفة والمشهورة في العقيقة هي التي لها صفة معلومة مثل القوة أو الجمال أو النفاسة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فما زلنا في الكلام على حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في باب السلم. قال ابن رشد في بداية المجتهد، ويتكلم على حكم السلم. قال: أما محله، فإنهم أجمعوا على جوازه في كل ما يكال أو يوزن، لما ثبت من حديث ابن عباس المشهور. وذكر حديث ابن عباس، أي: هذا محل اتفاق، هذا محل اتفاق بين العلماء في أنه يجوز السلم في كل ما يكال أو يوزن. قال: واتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت في الذمة، وهي الدور والعقار. لكن هذا الاتفاق في مسألة الدور والعقار محل نظر، فقد ثبت عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال: لا بأس بالنقد في الدور والعقار كله؛ لأنه مأمون. وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في شروط السلم ما يوضح هذه المسألة بإذن الله جل وعلا. قال: وأما سائر ذلك من العروض والحيوان، فاختلفوا فيها. أي: هل يجوز السلم في العروض -العروض التجارية مثل الثياب، مثل الأشياء التي ليست لها وزن ولا كيل- أشياء كما يقال عروض زروع، يعني حبوب حقيقية أو ما شابه ذلك، ثياب، والحيوان؟ يعني هل يدخل فيها السلم أم لا؟ فمنع من ذلك داود الظاهري وطائفة من أهل الظاهر، مصيرًا منهم إلى ظاهر هذا الحديث. فقالوا: إن السلم لا يكون محصورًا فيما ذكر في هذا الحديث، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. فما لا يكون كيلًا ولا وزنًا، قالوا: فإنه لا يدخل فيه السلم، بقاءً على ظاهر هذا الحديث. وذهب الجمهور إلى أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد. فالصفة كما ذكرنا، كان يقال: أريد أثوابًا من النوع الفلاني من البلد الفلانية، وبالألوان التالية: لون أبيض، اللون أحمر، اللون أسود، ألوان يحددها، وأوصاف يحددها. يقول: إن كان هذا ينضبط، فالسلم جائز. وإن لم ينضبط ذلك، فالسلم فيه لا يجوز. وكذلك العدد، مثل: البيض. يقول رجل: أعطيك ألف درهم على أن تأتيني بألف بيضة بعد شهر أو بعد شهرين. واضح: أريد منك ألف بيضة، ممكن هذا أم ليس ممكن؟ هذه كذلك مسألة التي وقع فيها الخلاف. فلأجل هذا المعنى وقع الخلاف في مثل هذه المسائل. فرجعوا فيه إلى هذا المعنى: إلى أن ما يستطاع أن يضبط، فيضبط. بالعدد مثلًا: بيض من الحجم الفلاني تقريبًا. يعني مثلًا أحجام من الحجم الكبير، بيض من الحجم الكبير. يكون الشرطين على هذا، فعلى من تم معه العقد أن يوفر له هذا المعنى: بيض من حجم كبير أو من حجم متوسط أو من حجم صغير. فقالوا: إذا كان مثل هذا، فلا بأس أن يكون جائزًا. وإن لم تنضبط الصفة، فلا. وهذا هو الصحيح: أن الأمر ليس محصورًا على ما ذكر، بل قد يتعدى إلى غيره. ويدل عليه ما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى. وكذا جاء عن عبد الرحمن بن أبزى أنه قال: «كنا نسلف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزبيب والتمر». طيب، على أن هذا الحديث قد ينازع في ظاهره، فيقولون: الشعير والزبيب والتمر والحنطة هذا مما يكال، فيقال لهم: العبرة في ذلك أن هذا الحديث جاء كذلك في لفظ آخر: «كنا نسلف أنباط الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم». قال الراوي: قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: «ما كنا نسألهم عن ذلك». يعني الحاصل من هذا أنهم كانوا يسلفون مع أن الحديث جاء في كيل معلوم إلى أجل معلوم، إلى آخر ذلك. ومع هذا كانوا يستسلفون من أنباط الشام. فالحاصل من هذا أنهم كانوا يتعاملون بهذه المعاملات. وسيأتي معنا في المسألة التالية أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكرًا إلى أجل. والبكر يعني بكرًا من الإبل، بعيرًا إلى أجل. وجاء في حديث عبد الله بن عمر حينما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ على قلاص الصدقة، فأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة. فهذا يدل على هذا المعنى: يدل على أنه يجوز السلم فيما لا يكال ولا يوزن، في البعير وفي غيره. قال ابن قدامة رحمه الله: وأجمع أهل العلم على أن السلم في الطعام جائز. قاله ابن المنذر. قال: وأجمع على جواز السلم في الثياب. فإما أن يكون ابن قدامة رحمه الله تعالى لم يعلم بخلاف الظاهرية، وإما أن يكون علم، ولكن لم يعتبره خلافًا. وإما أن يكون حكى إجماعًا سابقًا عليهم متقدمًا عليهم. وكل خلاف بعد إجماع فليس بمعتبر. فهذه كلها أمور محتملة. فالخلاصة من هذا أنه يجوز السلم في كل ما ينضبط بالصفة والعدد. وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في شروط السلم هذا المعنى: أن من شروطه إما أن يكون مكيلًا أو موزونًا أو مما ينضبط فيه الصفة والعدد. مسألة أخرى: اختلف العلماء فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة، ومن ذلك الحيوان والرقيق. يعني الآن: هل نستطيع أن نضبط الحيوان؟ مثلًا إنسان يسلم على إبل معينة أو على رقيق معين إلى أجل مسمى، هل ممكن أن يكون السلم؟ هل يصح هذا السلم أم أنه لا يصح لتعذر الصفة؟ فذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث إلى أن السلم فيه جائز. وهذا قول ابن عمر من الصحابة. وقال أبو حنيفة والثوري وأهل العراق: لا يجوز السلم في الحيوان. وهو قول ابن مسعود، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولان. استدل أبو حنيفة ومن معه على قولهم بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن السلف في الحيوان». والحديث لو صح لكان الدليل في المسألة. والحديث أخرجه الدارقطني وغيره، ولكنه ضعيف فيه علل. استدل الجمهور على الجواز بما رواه عبد الله بن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلاص الصدقة، فأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة». والحديث روي من طريقين، أحدها أحسن حالًا من الثانية. رواه الدارقطني من طريق ابن جريج، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وهو حديث رجاله محتج بهم. ابن جريج ثقة حافظ، وعمر بن شعيب عن أبيه عن جده سلسلة حسنة. ولكن الحديث فيه انقطاع؛ لأن ابن جريج لم يسمع من عمر بن شعيب شيئًا. وجاء من طريق أخرى: رواه الإمام أبو داود وغيره، وكذلك فيه ضعف. فيه ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن. وفيه كذلك مجهولان: الراوي عن عبد الله بن عمر وتلميذه مجهولان. وأيضًا ذكروا أن ابن إسحاق اضطرب فيه. فهل الحديث يحسن بالحديث الآخر؟ محل اجتهاد. والأظهر والله تعالى أعلى وأعلم أنه يحسن؛ لأن الكلام في الحديثين لا يخرجهما عن كونهما في الشواهد المتابعة على الصحيح، فيكون حسنًا لغيره. واستدل كذلك بحديث أبي رافع: «استلف النبي صلى الله عليه وسلم من رجل بكرًا». وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رد له أحسن مما أخذ منه. فلما قيل له، قال: «خيركم أحسنكم قضاء». الحديث رواه مسلم وغيره. وكما هو ظاهر فيه جواز السلم في البعير. فسبب اختلاف العلماء في هذه المسألة كما ترون تعارض الأحاديث في هذا الباب. وقد وضح لنا أن الحديث الأول لا يصح. وإنما يصح الأمر الثاني. بقي أيضًا اختلف من حيث التعليل. فقال العراقيون: تردد الحيوان بين أن يضبط بالصفة أو لا يضبط. يعني قالوا: الحيوان قد يضبط وقد لا يضبط. فضبط الحيوان على هذا متعثر. فمن نظر إلى تباين الحيوان في الخلق والصفات، وبخاصة صفات النفس، أي: أن تكون نفيسة. فذهب الآخرون إلى أنه ينضبط باعتبار التشابه. مثلًا يقول له: أريد إبلًا مثل إبل كذا وكذا. أو الإبل الذي عندكم من الإبل تكون عندهم إبل معروفة مشهورة، إما بقوة، إما بجمال، إما بنفاسة. فيتفق على شيء له صفة معلومة. فهذا ما ذهب إليه الجمهور لأجل هذا المعنى. والله تعالى أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.