الدرس في كتاب البيوع 59، ألقاها
الهبة هي تمليك مال بلا عوض، ويشترط في الواهب ملكية المال وصحته. اختلف العلماء في هبة المريض أو السفيه أو المفلس.
الجمهور يرى أن التبرعات في المرض المخوف لا تنفذ إلا في حدود الثلث، بينما يرى الظاهرية أنها تنفذ من رأس المال إذا مات الواهب.
الهبة تصح في الصحة وتُحجم في المرض المخوف، وتحرم تفضيل بعض الأبناء على بعض في العطية، ويجب التسوية بينهم.
بِسْمِكَ اللَّهُمَّ بَرَكًا فِيكَ، مَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ. طَيِّبُ الْأَحَادِيثِ الْمَاضِيَةِ مَعَنَا جُمْلَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ فِي أَحْكَامِ الْهِبَاتِ، فَنَأْخُذُ بِإِذْنِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: تَعْرِيفُ الْهِبَةِ لُغَةً وَشَرْعًا، الْهِبَةُ لُغَةً بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ، يُقَالُ: وَهَبْتُ لَهُ شَيْئًا، وَهْبًا بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا، وَالْإِسْمُ الْمَوْهُوبُ، قَالُوا: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ هُبُوبِ الرِّيحِ أَيْ مُرُورِهَا. وَالْهِبَةُ شَرْعًا تَمْلِيكٌ جَائِزُ التَّصَرُّفِ غَيْرُهُ مَالًا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْحَيَاةِ بِلَا عِوَضٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْهِبَةُ وَالْهَدِيَّةُ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْبِرِّ مُتَقَارِبَةٌ، يَجْمَعُهَا تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلَا عِوَضٍ. وَهَا هُنَا فَائِدَةٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْهَدِيَّةِ وَالْهِبَةِ، قَالُوا: إِنَّ الْهَدِيَّةَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْهِبَةُ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَهْدِي إِلَى الْعَبْدِ كَمَا يُقَالُ: إِنَّهُ يَهَبُ لَهُ. فَقَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ زَكَرِيَّا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5]، أَيْ يُرِيدُ الْهِبَةَ لَيْسَ الْهَدِيَّةَ. وَتَقُولُ: أَهْدَى الْمَرْءُوسُ إِلَى الرَّئِيسِ، لِأَنَّ الْمَرْءُوسَ يَتَقَرَّبُ إِلَى الرَّئِيسِ، وَوَهَبَ الرَّئِيسُ لِلْمَرْءُوسِ. قَالُوا: أَصْلُ هَدِيَّةٍ مِنْ قَوْلِكَ: هَدَى الشَّيْءَ إِذَا تَقَدَّمَ، وَسُمِّيَتِ الْهَدِيَّةُ هَدِيَّةً لِأَنَّهَا تُقَدَّمُ أَمَامَ الْحَاجَةِ. ذَكَرَ هَذَا الْفَرْقَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِ الْفُرُوقِ اللُّغَوِيَّةِ، وَذَكَرَ فُرُوقًا أُخْرَى. طَيِّبٌ، الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لِلْهِبَةِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْوَاهِبُ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ، وَالْهِبَةُ. مَسْأَلَةٌ أُخْرَى فِي شُرُوطِ الْوَاهِبِ، قَالُوا: أَمَّا الْوَاهِبُ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ هِبَتُهُ إِذَا كَانَ مَالِكًا لِلْمَوْهُوبِ صَحِيحَةَ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَحَالِ إِطْلَاقِ الْيَدِ. لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْهِدِيَّةِ، لَا يَهْدِي لِلْغَيْرِ بِمَالِ الْغَيْرِ، وَلَكِنْ يَكُونُ مَعَهُ الْهِدِيَّةُ. وَأَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ صَحِيحَ التَّصَرُّفِ، أَيْ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ بِأَنْوَاعِ الْحَجْرِ، مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْحَجْرِ، سَوَاءٌ كَانَ مَجْنُونًا أَوْ كَانَ طِفْلًا أَوْ سَفِيهًا أَوْ غَلَبَ الدَيْنُ عَلَى مَالِهِ فَاحْتَوَاهُ فَحُجِرَ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ. فَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ التَّصَرُّفِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ. وَسَائِلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، يَعْنِي إِذَا كَانَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَحَالِ إِطْلَاقِ الْيَدِ، هَذَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا، يَصِحُّ هِبَةً اتِّفَاقًا. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا، أَيْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَالِ الْمَرَضِ، وَفِي حَالِ السَّفَهِ وَالْفَلْسِ، بِمَعْنَى هَلْ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَهْدِيَ لِغَيْرِهِ وَتَصِحُّ الْهِدِيَّةُ؟ وَسَيَأْتِي مَعَنَا مَنِ الْمَقْصُودُ بِالْمَرَضِ؟ وَأَيُّ مَرَضٍ هُوَ؟ وَالْخَاصُّ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَرَضِ هُوَ الْمَرَضُ الْمُخَوِّفُ، كَمَا سَيَأْتِي بِإِذْنِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا بَيَانُهُ. وَفِي حَالِ السَّفَهِ، السَّفَهُ إِمَّا أَنَّهُ بَالِغٌ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي التَّصَرُّفِ بِمَالِهِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ تَصَرُّفًا صَحِيحًا، أَوْ لِأَنَّهُ مَجْنُونٌ أَوْ طِفْلٌ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ. أَوْ الْفَلْسِ، وَالْفَلْسُ قَدْ تَقَدَّمَ مَعَنَا الْكَلَامُ عَلَى أَحْكَامِ الْمُفْلِسِ. طَيِّبٌ، هَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي هَدِيَّةِ هَؤُلَاءِ إِذَا أَهْدَوْا لِغَيْرِهِمْ. فَأَمَّا الْمَرِيضُ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ الْهِدِيَّةَ تَمْضِي فِي ثُلُثِهِ، أَيْ فِي الثُّلُثِ، تَشْبِيهًا بِالْوَصِيَّةِ، أَيْ الْهِدَى التَّامَّةِ بِشُرُوطِهَا، كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا بِإِذْنِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. فَالْجُمْهُورُ يَجْعَلُونَ مَاذَا؟ الْهِبَةَ هِبَةُ الْمَرِيضِ، إِذَا وَهَبَ الْمَرِيضُ مَالًا أَوْ هَدِيَّةً، يَنْظُرُونَ فِي هَذَا الْمَالِ، فَيُعَامِلُونَهُ مُعَامَلَةَ الْمَاذَا؟ مُعَامَلَةَ الْوَصِيَّةِ. فَإِذَا كَانَ فِي الثُّلُثِ فَمَا دُونَ نَفَذَ وَصَحَّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا مَاذَا؟ إِلَّا الثُّلُثَ. وَقَالَ الطَّائِفَةُ مِنْ السَّلَفِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: إِنَّ هِبَتَهُ تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِذَا مَاتَ، أَيْ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْهِبَةَ نَافِذَةً كَانَتْ بِثُلُثٍ أَوْ أَكْثَرَ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إِذَا صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ أَنَّ الْهِبَةَ صَحِيحَةٌ، وَاضِحٌ هَذَا الْكَلَامُ هَا هُنَا فِي الْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ. وَهَبَ الْجُمْهُورُ يَقُولُ: لَا يَنْفُذُ إِلَّا الثُّلُثُ، الظَّاهِرُ يَقُولُ: يَنْفُذُ مُطْلَقًا، هَذَا إِذَا كَانَ إِذَا مَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ الْمَرَضِ. فَإِنْ لَمْ يَمُتْ بَلْ عَاشَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، فَيَقُولُونَ بِأَنَّ هِبَتَهُ صَحِيحَةٌ بِاتِّفَاقٍ، أَيْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ هِبَتَهُ صَحِيحَةٌ. قَالُوا: عُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْمَرِيضَ الْمَرَضَ الْمُخَوِّفَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ إِلَّا بِقَدْرِ الثُّلُثِ، اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرْقَ أَرْبَعَةً. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَعُمْدَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَيْ دَلِيلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: اسْتِصْحَابُ الْحَالِ، أَيْ حَالِ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ هِبَتِهِ فِي الصِّحَّةِ، وَجَبَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي الْمَرَضِ، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ سُنَّةٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ بَيِّنَةٍ. قَالُوا: الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الْوَصِيَّةِ، الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى مَدْعَى الْوَصِيَّةِ، أَيْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَاضِحٌ وَجْهُهُ، كَلَامُ الظَّاهِرِيَّةِ، الظَّاهِرِيَّةِ يَقُولُونَ: مَا تَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ، وَإِذَا وَهَبَ لِغَيْرِهِ أَكْثَرَ مِنَ الثُّ مِنْ الثُّلُثِ، نِصْفَ مَالِهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، يَقُولُونَ: صَحِيحٌ وَجَائِزٌ. يَقُولُ: وَفِي حَالِ الْمَرَضِ، لِمَاذَا مَنَعْتُمْ؟ مَا الدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ فِي حَالِ الْمَرَضِ؟ لَا دَلِيلَ لَكُمْ. فَإِذَا كَانَ لَا دَلِيلَ لَكُمْ، نَسْتَصْحِبُ الْإِجْمَاعَ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اسْتِصْحَابِ الْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْمَحَالِّ. وَمَسْأَلَةُ اسْتِصْحَابِ الْمَحَلِّ أَوِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، اسْتِصْحَابُ الْحَالِ أَوِ اسْتِصْحَابُ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، هُوَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَسْتَدِلُّ بِهَا الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ. وَهُوَ دَلِيلٌ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا بِاعْتِبَارٍ وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ. وَعَلَى كُلٍ فَالْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، أَيْ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةَ كَالْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ وَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ وَالْإِبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، إِذَا كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ، إِذَا كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ فَهِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، أَيْ صَحِيحَةٌ. قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ فِي مَرَضٍ مُخَوِّفٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَهِيَ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ. لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ﴾ [رواه ابن ماجه والحديث حسنه العلامة الألباني في كتاب الإرواء]. وَالشَّاهِدُ مِنْهُ مَاذَا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ﴾. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ الثُّلُثِ، أَيْ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَمَعْنَى عِنْدَ الْمَوْتِ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ الثُّلُثِ، أَيْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ أَوْ أَنْ يَتَصَدَّقَ كَذَلِكَ يُلْحَقُ بِهِ أَوْ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِمَالِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَالٍ مِنَ الثُّلُثِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي حَالَةٍ أَشْبَهُ مَا يَكُونُ بِالْوَصِيَّةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَفِي هَذَا الْمَوْقِفِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ فِي مَرَضِهِ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُمْ. وَذَكَرَ حَدِيثَ عِمْرَانَ الْمُتَقَدِّمَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَيْ: ابْنُ قُدَامَةَ. وَإِذَا لَمْ يَنْفُذِ الْعِتْقُ، وَإِذَا لَمْ يَنْفُذِ الْعِتْقُ مَعَ سَرَايَتِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، أَيْ لَا، وَاضِحٌ هَذَا الْمَعْنَى أَمْ لَا؟ يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْعِتْقُ مِنْ أَقْوَى السَّرَايَاتِ، حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، كَمَا مَرَّ مَعَنَا فِي الْعِتْقِ، يَمْضِي مَا لَا يَمْضِي فِي مَالِهِ فِي غَيْرِهِ، فِي مَسْأَلَةِ الضَّمَانَاتِ وَنَحْوِهَا. فَنَحْوَ هَذَا يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَعَ هَذَا قَالَ: وَإِذَا لَمْ يَنْفُذِ الْعِتْقُ أَيْ بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ مَعَ سَرَايَتِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، بِمَعْنَى أَنَّنَا الْآنَ إِذَا جِئْنَا فِي الْهِبَةِ، رَجُلٌ وَهَبَ نِصْفَ مَالِهِ لِرَجُلٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، مَاتَ الرَّجُلُ، مَاذَا نَقُولُ لَهُ؟ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي رَدُّهُ. لِمَاذَا؟ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. فَإِذَا كَانَتْ شَرَايَةُ الْعِتْقِ أَقْوَى، وَمَعَ هَذَا رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثُلُثَيْنِ، وَإِنَّمَا أَمْضَى الثُّلُثَ، فَغَيْرُهُ مِنْ أَبْوَابِ التَّبَرُّعِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذَا لَمْ يَنْفُذِ الْعِتْقُ مَعَ شَرِيَتِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى. قَالَ: وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ، لِأَنَّ مَرَضًا مُخَوِّفًا، قَالَ: فَكَانَتْ عَطِيَّةً فِيهَا فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ لَا تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ. فَكَانَتْ عَطِيَّةً أَيْ فَكَانَتْ تِلْكَ أَوْ كَانَتْ نَعَمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ عَطِيَّةً فِيهَا فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ، يَعْنِي فِيهَا مَاذَا؟ إِجْحَافٌ فِي حَقِّ مَاذَا؟ وَرَثَتِهِ. فَلَا تَتَجَاوَزُ إِلَّا إِلَى الثُّلُثِ كَالْوَصِيَّةِ. قَالَ ابْنُ الرُّشْدِ فِي بَدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: قَالَ: وَالْأَمْرَاضُ الَّتِي يُحْجَرُ فِيهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ الْأَمْرَاضُ الْمُخَوِّفَةُ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ الْحَالَاتُ الْمُخَوِّفَةُ. قَالَ: الْمُخَوِّفَةُ، الْإِمَامُ مَالِكٍ الْأَمْرَاضُ الْمُخَوِّفَةُ أَوِ الْمُمَرِّضُ الْمُخَوِّفُ. وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ مَاذَا؟ وَالْحَالَاتُ الْمُخَوِّفَةُ، قَالَ: مِثْلُ الْكَوْنِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، أَيْ الرَّجُلُ عِنْدَ اللِّقَاءِ، يُوصِي مَثَلًا صَاحِبُهُ يَقُولُ: يَا فُلَانُ، أُوصِي بِمَالِكَ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ حَيٌّ، لَكِنَّهُ عِنْدَمَا عِنْدَهُ الْتِقَاءُ الصَّفَّيْنِ، يَرَى كَمَا يُقَالُ الْمَوْتُ أَمَامَهُ. فَيَقُولُ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا يُلْحَقُ بِالْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ. وَأَيْضًا قَالُوا: قُرْبُ الْحَامِلِ مِنَ الْوِضْعِ، امْرَأَةٌ قَرُبَ وَضْعُهَا، فَتَصَدَّقَتْ بِكُلِّ مَالِهَا أَوْ بِنِصْفِ مَالِهَا أَوْ قَوْلًا بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ وَهَبَتْ. يَقُولُ: حُكْمُهَا حُكْمُ مَرَضِ الْمُخَوِّفِ عِنْدَ مَالِكٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ: رَاكِبُ الْبَحْرِ الْمُرْتَجِ، أَيْ الَّذِي فِيهِ الْمَوْجُ مَاذَا؟ مُتَحَرِّكٌ بِشِدَّةٍ. قَالَ: وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ، وَالْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ. وَالْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ، لِأَنَّهُمْ فِي حَالَةِ الْقُوَّةِ، وَحَالُهُمْ لَيْسَ كَحَالِ الْمَرِيضِ، وَحَالُهُمْ لَيْسَ كَحَالِ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، الْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ فِي حَالِ الْمَوْتِ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ، فَمِثْلُ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. وَمِنْ حَيْثُ الْقُوَّةِ لَهُ نَظَرٌ، لَهُ مَاذَا؟ وَجْهٌ مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةِ، كَلَامُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَجْهٌ. وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرِ كَذَلِكَ لَهُ وَجْهٌ، وَلَكِنَّ كَمَا سَمِعْتُمْ يَتَوَقَّفُ فِي مِثْلِ هَذَا حَتَّى يَظْهَرَ لَنَا دَلِيلٌ يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَقُولَ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قِيَاسٍ، فَلَا يُقَالُ: نَفْتَحُ قِيَاسًا فَوْقَ قِيَاسٍ. يَعْنِي الْآنَ الْأَصْلُ مَا قِيسَ عَلَيْهِ، الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا الْآنَ قِيَاسٌ، قِيَاسٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ. فَكَوْنُنَا نُقِيسُ غَيْرَهَا عَلَيْهَا، سَيَكُونُ قِيَاسًا عَلَى مَاذَا؟ عَلَى الْقِيَاسِ. وَالْقِيَاسُ عَلَى الْقِيَاسِ يُضْعِفُ أَوْ يُضْعِفُ الْحُكْمَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ. طَيِّبٌ، قَالَ ابْنُ الرُّشْدِ: وَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الْمُزْمِنَةُ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِيهَا تَحْجِيرٌ، وَاضِحَةٌ جَمَاعَةٌ. يَعْنِي رَجُلٌ فِيهِ مَرَضٌ مُزْمِنٌ مِثْلُ الْقَلْبِ، مُزْمِنٌ أَوْ فِيهِ مِثْلُ رَبْوٍ أَوْ فِي رُمَاتِيزْمٍ أَوْ أَيُّ مَرَضٍ مِنْ أَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ، مُسْتَمِرَّةٍ فِيهِ سَنَوَاتٍ، فَوَهَبَ نِصْفَ مَالِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، هَلْ يَنْفُدُ أَمْ لَا يَنْفُدُ؟ لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْمَرَضَ الْمُزْمِنَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الْمَرَضُ الْمُخَوِّفُ الَّذِي يَلْحَقُهُ الْمَوْتُ، الَّذِي يَلْحَقُهُ الْمَوْتُ. أَمَّا إِذَا كَانَ مِنَ الْمَرَضِ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ الْمَوْتُ، أَيْ لَا يَعَقِبُهُ الْمَوْتُ، فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْحُكْمَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الرُّشْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ ابْنُ الرُّشْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَمَّا السُّفَهَاءُ وَالْمُفْلِسُونَ، فَلَا خِلَافَ، فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ. قَالُوا: أَمَّا السُّفَهَاءُ وَالْمُفْلِسُونَ، فَلَا خِلَافَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِمْ، أَنَّ هِبَتَهُمْ غَيْرُ مَاضِيَةٍ، وَاضِحٌ جَمَاعَةٌ، هَذَا وَاضِحٌ، وَهَذَا وَاضِحٌ، أَنَّهُمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِمْ. وَإِذَا كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِمْ، فَهِبَتُهُمْ غَيْرُ نَافِذَةٍ، السَّفِيهُ سَفَهٌ، وَالْمُفْلِسُ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ أَحَاطَ بِمَالِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ مَعَنَا، وَهَذَانِ سَبَبَانِ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ: السَّفَهُ وَالْفَلَسُ. طَيِّبٌ، مَسْأَلَةٌ وَهِيَ فِي الرَّقْمِ الثَّانِي، وَهِيَ: قَالُوا: أَمَّا الْمَوْهُوبُ، فَكُلُّ شَيْءٍ صَحَّ مِلْكُهُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ أَنْ يَهَبَ جَمِيعَ مَالِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ، أَيْ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، يَجُوزُ أَنْ يَهَبَ جَمِيعَ مَالِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ، يَتَصَدَّقُ بِهِ، يَهَبُ. وَقَدْ جَاءَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ. قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِالشَّطْرِ مَالِهِ، أَيْ بِنِصْفِ مَالِهِ. فَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَتَصَدَّقَ الْإِنْسَانُ بِجَمِيعِ مَالِهِ أَوْ بِنِصْفِ مَالِهِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ. طَيِّبٌ، هَا هُنَا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ: مَا حُكْمُ تَفْضِيلِ الْإِنْسَانِ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْهِبَةِ، أَوْ فِي هِبَةِ جَمِيعِ مَالِهِ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ؟ يَعْنِي الصُّورَةُ الْأُولَى وَاضِحَةٌ: أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْهِبَةِ، يُعْطِي هَذَا الْهِبَةَ مَثَلًا عَشَرَةَ آلَافٍ، وَلَا يُعْطِي هَذَا أَوْ بَقِيَّةَ الْأَوْلَادِ، أَوْ يُعْطِي أَحَدَهُمْ سَيَّارَةً وَلَا يُعْطِي بَقِيَّةَ الْأَوْلَادِ، أَوْ يُعْطِي لِأَحَدِ الْأَوْلَادِ دَارًا وَلَا يُعْطِي لِبَقِيَّةِ الْأَوْلَادِ، لِغَيْرِ مُبَرِّرٍ شَرْعِيٍّ مُعْتَبَرٍ، بِهَذَا الْقَيْدِ، لِغَيْرِ مُبَرِّرٍ شَرْعِيٍّ مُعْتَبَرٍ، فَمَا حُكْمُ هَذَا؟ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ، قَالُوا: وَلَكِنَّهُ إِذَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ جَازَ، أَيْ إِذَا وَقَعَ هَذَا الْفِعْلُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى التَّحْرِيمِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ. وَهَذَا لَا يَأْتِي إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَسْتَرِدَّ الْهِبَةَ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ أَبْنَائِهِ، يَسْتَرِدُّ الْهِبَةَ يَرُدُّهَا. وَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَ بَقِيَّةَ أَوْلَادِهِ مِثْلَ عَطِيَّتِهِ، أَيْ مِثْلَ عَطِيَّةِ مَنْ أَعْطَاهُ الْعَطِيَّةَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ ب