كتاب الحج 14

الدرس في كتاب الحج 14، ألقاها

أحكام يوم التروية وحكم صلاة الجمعة

إذا صادف يوم التروية يوم الجمعة، فإن من تجب عليه الجمعة يجب عليه أن يصليها ولا يخرج إلى منى حتى يصليها إذا أقام بمكة حتى تزول الشمس. يجب على الإمام أن يعين من يصلي بالناس الجمعة إذا لم يكن موجودا.

صفة حج النبي يوم عرفة

انتظر النبي حتى طلعت الشمس ثم دفع إلى عرفة، وخطب الناس في بطن الوادي، ثم صلى الظهر والعصر جمعا وقصرا. وقف في الموقف حتى غروب الشمس، ويعد هذا وصفا لحج النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة.

أحكام صلاة الظهر والعصر يوم عرفة وتفاصيلها

يجمع بين صلاة الظهر والعصر يوم عرفة ويقصر، وتوجد آراء مختلفة للفقهاء في هذه المسألة خاصة فيما يتعلق بالمكيين وغيرهم من الحجاج. يبين المقطع أحكام هذه الصلاة.

ختام الصلاة والصلاة على النبي وآله

تم التأكيد على صلاة واحدة للجميع وختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه. يشير إلى نهاية موضوع الصلاة والتوجه بالدعاء للنبي، ويعبر عن أن الله تعالى هو الأعلم بكل شيء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فتتمة للمسائل المتعلقة بما ذكر معنا في الدرس الماضي، مسألةٌ ها هنا، وهي: إن صادف يوم التروية يوم الجمعة. الصورة واضحة: يوم التروية هو يوم الثامن، وتقدّم معنا أن في يوم التروية، في يوم الثامن، أن الناس ينطلقون إلى منى، وفيها يصلون الصلوات ابتداءً من الظهر إلى ثاني يوم الفجر، يصلونها قصرا: كل صلاة في وقتها، الظهر ركعتين، العصر ركعتين، ثم المغرب ثلاث ركعات، ثم العشاء ركعتين، ثم الفجر. الآن، مسألة: إذا كان يوم التروية هو يوم الجمعة، فماذا يصنعون؟ هل يبقون في مكة ويصلون بهم الجمعة ثم ينطلقون، أم أن لهم أن يخرجوا قبل أن يصلوا، أو أن لهم أن يخرجوا واليوم يوم جمعة إلى منى؟ الصورة واضحة أم لا؟ فذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى هذه المسألة، فقالوا: فإن صادف يوم التروية يوم الجمعة، قالوا: فمن أقام بمكة حتى تزول الشمس ممن تجب عليه الجمعة -وتقدم معنا من تجب عليه الجمعة- لم يخرج حتى يصليها. فمعنى هذا: أن من كان من أهل مكة وكان في مكة، وزالت الشمس -أي دخل وقت الجمعة- وهو ما زال في مكة، هل له أن يذهب إلى منى ويترك صلاة الجمعة؟ الجواب: أنه يجب عليه أن يبقى في مكة حتى يصلي الجمعة. أما إذا لم يكن من أهل الوجوب، فله ذلك. واضح. أما إذا لم يكن من أهل الوجوب، فلو يخرج، ولو يصلي إن شاء صلى مع القوم، وإن شاء خرج وصلى كذلك مع القوم قصرا. واضح هذا. عملا بقولهم: لأن الجمعة فرض، والخروج إلى منى في ذلك الوقت غير فرض، وإذا كان كذلك، فإنه يقدم الفرض. قالوا: فأما قبل الزوال، فإن شاء خرج. أما قبل الزوال -أي قبل زوال الشمس- قالوا: فإن شاء خرج، وإن شاء قام حتى يصلي. أي: في الأمر سعة. إذا كان قبل أن تزول الشمس، قالوا: فقد روي أن ذلك وافق أيام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، فخرج إلى منى. قال عطاء بن أبي رباح: كل من أدركتهم -أي الإمام- يجمع بمكة، إمامهم يجمع بمكة ويخطب، مرة يجمع ويخطب، ومرة لا يجمع ولا يخطب. واضح. وهذه حكاية إجماع من عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى، لأنه كان إمام أهل مكة في زمانه. قالوا: فعلى هذا، إذا خرج الإمام، أمر بعض من تخلف أن يصلي بالناس الجمعة. واضح هذا. لأن الناس ليس كلهم حجاج، فإذا كان ليس كلهم حجاج، أن يبقى من الناس من هو من أهل الجمعة وليس من أهل الحج، فيجب على الإمام في هذه الحالة أن يعين من يكون إماما يصلي بالناس الجمعة. قال الإمام أحمد: إذا كان ولي مكة بمكة يوم الجمعة، قال: يجمع بهم. قيل له: ويركب من منى فيجيء إلى مكة فيجمع بهم؟ قال: لا. إذا كان هو بمكة، جمع. وإذا لم يكن بمكة -أي قد خرج إلى منى- فلا يجب عليه أن يرجع من منى فيصلي بالناس. لكن كما سمعتم، ينوب من يقوم بالجمعة للناس، لأن الناس ليس كلهم أهل حج، منهم الحاج ومنهم من ليس بحاج. ثم قالوا: فإذا صلى الفجر في منى، انتظر حتى تطلع الشمس، ثم يدفع إلى عرفة. والأصل في هذا ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أصل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. قال جابر: ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب بنمرة. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في حديث أنس: فمنا الملبي ومنا المكبر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء. بمعنى أن الناس حينما ينطلقون من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس، لهم أن يكبروا، ومنهم من يلبي، ومنهم من يقول: الله أكبر. قال أهل العلم: كل ذكر مشروع، مثل: الله أكبر، سبحان الله، لا إله إلا الله، وما شابه ذلك من الأذكار، فإن هذه كلها تكون من أذكار المشروع. قال جابر: ولا تشكوا قريش -يعني قال جابر بعد أن قال: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم- إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية. قريش كانت في الجاهلية تقف في المشعر الحرام، ولماذا؟ يقولون: نحن أهل الحرام، فلا نخرج من الحرام. قال جابر: فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها. حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء -أي الراحلة- فحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وذكر خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أذن، ثم قام فصل الظهر، ثم قام فصل العصر. معنى هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بطن الوادي، فخطب الناس وهو على راحلته، فلما فرغ من ذلك، أمر المؤذن فأذن، ثم أقيمت الصلاة للظهر، فصلى، ثم أقيمت الصلاة للعصر، فصلى، ولم يصل بينهما شيئا. ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا. ثم ضجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس. قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن المستحب أن يدفع إلى الموقف من منى إذا طلعت الشمس يوم عرفة. واضح. إذا طلعت الشمس، يحب له أن يدفع. إذا أخر ساعة، ساعتين، ثلاث ساعات، دفع مثلا قبل وقت الضحى أو قبل الظهر، فهذا الأمر واسع. قال: فيقيم بنمرة، وإن شاء بعرفة. أي: إن أقام بنمرة فحسن، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أقام في أي مكان بعرفة، فكذلك. الأمر في ذلك سعة. بمعنى: إذا انطلق من منى وصل إلى عرفة، له أن يبقى في نمرة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولو أن يقف في عرفة في أي مكان شاء. قالوا: ثم يقطب الإمام خطبة، يعلم الناس فيها مناسكهم. يستحب أن يقطب الإمام خطبة في هذه الخطبة، يعلم الناس مناسكهم، من موضع الوقوف. لأن بعض الناس ربما لجهله وقف في غير عرفة. قال: ووقته من بعد الزوال إلى غروب الشمس. أي: يقف من بعد الزوال إلى غروب الشمس، ثم له أن ينصرف إلى المزدلفة. كما مر معنا في حديث جابر بن عبد الله. قال ابن قدامة: ثم يخطب الإمام خطبة، يعلم الناس فيها مناسكهم، من موضع الوقوف ووقته، والدفع من عرفات ومبيتهم بمزدلفة، وأخذ الحصى لرمي الجمار. قال: ثم يأمر بالأذان، فينادي، فيصلي الظهر والعصر، يجمع بينهما، ويقيم لكل صلاة إقامة. وقال أبو ثور: يؤذن المؤذن إذا صعد الإمام المنبر فجلس. وقيل: يؤذن في آخر خطبة الإمام. واضحة. ذكر أقوال في المسألة: متى يبدأ الأذان؟ قال ابن قدامة: وحديث جابر يدل على أنه أذن بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته. قال: وكيف ما فعل، فحسن. أي: إذا أذن كذا أو قبل أو بعد، فكيف ما فعل، فحسن. فكأنه يقول: أن هذه المسألة من المسائل التي فيها سعة. ولكن الأولى والأفضل أن يبقى على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يؤذن المؤذن بعد أن يفرغ الإمام من خطبته. إذا فرغ الإمام من خطبته، أذن المؤذن، ثم أقيم للصلاة، فصلي الظهر والعصر، فيجمع بين الظهر والعصر وقصرهما، فتكون الصلاة قد جمعت وقصرت. قال ابن قدامة: واختلف العلماء في هاتين الصلاتين. فعن أحمد: أن الإمام مخير بين الأذان الأول وعدمه. قال: والأذان أولى. وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك: يؤذن. قال ابن قدامة: واتباع ما جاء في السنة أولى. قالوا: فمن فاتته الصلاة مع الإمام، صلى في رحله، يجمع كما يجمع مع الإمام، يجمع ويقصر. قالوا: يجمع كما يجمع مع الإمام. فعله عمر، وفعل ابن عمر، وبه قال عطاء ومالك والشافعي وإسحاق وأحمد وأبو ثور. قالوا: والسنة تعجيل الصلاة حين تزول الشمس. السنة تعجيل الصلاة حين تزول الشمس، أي: أول ما تزول الشمس، الإمام يخطب، ثم يؤذن، ثم يصلي الظهر والعصر جمعا وقصرا، بأذان واحد وإقامتين. قالوا: وأن يقصر الخطبة. ثم يروح إلى الموقف. لما روى سالم بن عبد الله بن عمر: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج ألا يخالف ابن عمر في الحج. فجاء ابن عمر رضي الله عنه، وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس، فصلى عند سرداق الحجاج. قال ابن قدامة: ويجوز الجمع لكل من كان بعرفة من مكي وغيره. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة. قال: وكذلك من صلى مع الإمام، عليه أن يأتم بالإمام في ذلك الجمع. قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع، فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع ولا القصر. قالوا: ولو كان لا يشرع، لبينه. قال القاسم بن محمد وسالم ومالك والأوزاعي: وهو الذي اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، اختاروا أن المكي عليه أن يجمع وأن يقصر. قالوا: ويصلي كما يصلي الإمام. وذهب بعضهم إلى منع قصر المكي، وقالوا: المكي لا يقصر الصلاة، لأن المسافة ليست مسافة السفر. وممن ذهب إلى هذا: عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر. والصحيح الأول: أن المكي كغيره في هذا الباب، يجمع ويقصر. لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمن حضره من مكي وغيره، صلى بهم فجمع وقصر بهم الصلاة، ولم يقل: من كان مكيًا فليتم، ومن كان مكيًا فلا يجمع. بل صلى بالجميع صلاة واحدة. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبرك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على