شرح كتاب التوحيد 35

شرح كتاب التوحيد 35

الدرس في شرح كتاب التوحيد 35، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية الإسراء ومعنى الوسيلة

يتناول المقطع تفسير آية الإسراء ويوضح معنى الوسيلة والتوجه إلى الله تعالى. يبين أن الشرك ليس مقصورا على عبادة الأصنام بل يتعداه إلى دعاء غير الله.

التحذير من تحريف معنى الوسيلة

يشرح المقطع أن المشركين يتوجهون إلى الأعيان الصالحة بالعبادة، بينما يحذر من تحريف معنى الوسيلة إلى واسطة بين العبد وربه. يستدل بحديث ابن مسعود لتوضيح معنى الآية.

التقرب إلى الله مباشرة دون وسطاء

الآية الكريمة تدل على أن العبد يجب أن يتقرب إلى الله مباشرة بالعمل الصالح دون الحاجة إلى وسطاء. الله سبحانه وتعالى قريب يجيب دعوة الداعي ويجب أن تكون جميع الطاعات لله وحده.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، أورد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد تحت هذا الباب، والذي عنونه بقوله: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، فكان من أول استدلالاته ما جاء في هذه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾. وحتى تتضح معالم هذه الآية، نذكر أولاً ما جاء في معناها، ففي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى من ذكر، ابن عباس رضي الله تعالى عنه -وهو ترجمان القرآن- أن الإشارة تعود إلى الملائكة وإلى الأنبياء كعيسى وعزير، وإلى أعيان اتخذها الناس محلاً للتوجه والقرب إلى الله عز وجل، فأشارت هذه الآية القرآنية إليهم بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، يدعون بمعنى الذين يدعوهم المشركون، أي أن المشرك قد اتخذ من هؤلاء الرموز، فمنهم من اتخذ عيسى، ومنهم من اتخذ عزير، ومنهم من اتخذ ملكًا من الملائكة. ما الذي اتخذوهم؟ اتخذوهم محلاً للدعاء، فقال الله: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي الأعيان الذين يدعون، ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ أي أن هؤلاء الكفار الذين يتوجهون إلى هذه الأعيان بالطاعة والعبادة هم بأنفسهم -أي الأعيان- يتنافسون إلى القرب من الله جل في علاه، هكذا يكون فهم الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي أولئك الذين يدعوهم المشركون، من الذي يدعوهم المشركون؟ يدعون عيسى وعزير والملائكة، وقس من أمثال هؤلاء من الأعيان الأخيار، ما بهم هم بأنفسهم يتقربون إلى الله، يبتغون إلى الله، فقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. بهذه الآية يا عبد الله ستعرف أصول الكلية، إذن عندي قوم كفار، وعندي أعيان من الأخيار، وهناك رب الأرباب جل في علاه، الكافر يتوجه بالدعاء والعبودية للأخيار، مع أن الأخيار هم بأنفسهم يتنافسون في الوصول إلى الله جل في علاه سبحانه وتعالى، هذا هو التفسير لهذه الآية، أي أن التوجه في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ يكون الضمير يعود إلى الملائكة والأنبياء وإلى الصالحين. وجاء كذلك في البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في معنى هذه الآية، قال رحمه الله: قال رضي الله تعالى عنه: «كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم»، هذا في البخاري، فابن مسعود رضي الله تعالى عنه يحكي أن هذه الآية نزلت في حق طائفة من الجن، ما بهم عبدوا؟ عبدوا من قبل إنس، ومنهم من ذهب إلى أن هؤلاء الطائفة من الجن هم أصلًا نوع من الملائكة يسمون بالجن، هكذا ذكر، لكن السياق لا يدل على ذلك، فهم جنس الجن، أي عالم الجن، وهم العالم المخفي. فذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن طائفة من الجن عبدوا من قبل الإنس كما عليه أهل الجاهلية، فإذا بهؤلاء النفر من الجن هداهم الله للإسلام، فإذا بهم أصبح هؤلاء الجن يتقربون إلى الله بالعبادة والطاعة، بينما هؤلاء الإنس هم يتقربون إلى الجن بالطاعة والعبادة، وهذا من الضلال المبين، وهذا من الضلال العظيم. فهذا إخواني في الله معنى هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، ومن خلال هذه الآية يا عبد الله تأتي لنا عدة فوائد منها: أولًا، في أن الشرك هو بجعل شريك مع الله، وأن التوحيد هو صرف الطاعات والعبادات لله جل في علاه، وهذا هو تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. ولهذا عندما أسلم أولئك الجن توجهوا بالعبودية لله، هذا هو التوحيد، وما كان من شأن الأنبياء من عيسى وعزير والملائكة ومن ذكرهم المفسرون، هم كانوا يتقربون إلى الله، هذا هو التوحيد، أن يكون القرب والتقرب إلى الله جل في علاه، فمن تقرب إلى غيره فقد أشرك. كذلك في هذه الآية دلالة على أن الشرك يا عبد الله ليس فقط يختص بالأصنام والأوثان من الأجار والأحجار، لا كما يدعي ذلك الكثير من الجهلة ممن إذا أراد أن يعبر عن الشرك أشار إلى صنم أو مثل بوثن من شجر وحجر فقط، هذه هي الوثنية عندك، لا يا عبد الله، تأمل في هذه الآية، فربنا سبحانه وتعالى أشار في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ أن الأمر يعود إلى الأنبياء وإلى الصالحين وإلى الملائكة، وأن هؤلاء اتخذت معبودات من دون الله، لكن من غير رضا منهم. وكما جاء في أثر ابن مسعود في البخاري أن النفر من الكفار إنما توجه بالطاعات إلى نفر من الجن، ثم إن الجن أسلموا، فكان ما فعله الكفار شرك، مع أنهم ما توجهوا إلى صنم ولا إلى حجر، وإنما توجهوا إلى عالم من العوالم، فدل ذلك على أن الشرك يا عبد الله لا ينحصر في الجمادات كما يدعي الجهلة. وكذلك مما يستفاد من هذه الآية فيه أن الدعاء والاستغاثة لغير الله شرك، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، يدعون بمعنى يدعوهم، من أعظم خصائص العبودية لغير الله صرف الدعاء، صرف الاستغاثة، وأشار ربنا إلى هذا الفعل من الكفار أنهم كانوا يتوجهون إلى الأعيان بالدعاء، ويدخل في ذلك دعاء السؤال، دعاء المسألة، ويدخل في ذلك دعاء الطلب. وفي هذه الآية كذلك من الفوائد فيه الخطأ الذي يفسر به بعض المبتدعة كلمة الوسيلة في قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، أي أن هؤلاء الأعيان من الأخيار هم بأنفسهم يتقربون إلى الله بماذا؟ بالوسيلة، وما هي الوسيلة؟ الوسيلة هي الأعمال الصالحة، الوسيلة هو التقرب إلى الله بكل طاعة وبكل عبادة، هذه الوسيلة كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، فالوسيلة بنص القرآن على أنها تأتي بمعنى القربة والمنزلة والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، هذه معنى الوسيلة. ومن الخطأ الفادح والفاضح أليس نجد جماعات من المبتدعة ممن يحرفون الكلمة عن مواضعها، يلعبون بعواطف الناس، وأن معنى الوسيلة أي الواسطة، أي الواسطة أن تجعل بينك وبين الله وسيط، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة، فيؤصلون عند أتباعهم: لابد لك من وسيلة، لابد لك من وسيلة فيما بينك وبين الله، تقول لهم: الوسيلة الأعمال الصالحة، يقول: لا، لا، ليس العمل صالح فقط، بل وسيلة شخص، اجعل معك شخص بجنبك ينفعك عند ربك، فكل واحد كما يقال: أنا عندي وسيلة الولي الفلاني، وذاك عند وسيلة الولي الفلاني ينفعه، ينفعه، ولا يضره، إن قصر بك عملك قام هذا الولي بجنبك يرفع من شأنك ويشفع لك عند ربك، اتخذ وسيلة. فأصبح يؤصلون عند الأتباع والهمج والعوام أن الوسيلة عبارة عن شفيع، عبارة عن وسيط يتخذ بينك وبين الله، سبحان الله، هذه الوسيلة من؟ من أهل العلم من لدن الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى يوم الدين من العلماء العارفين، فسر الوسيلة بهذا التفسير الذي منه تفوح معالم الوثنية بأن تجعل مع الله وسيط ند، لا يا عبد الله، الوسيلة بنص القرآن بمعنى التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، عيسى يتقرب إلى الله بما كان من عمله، ما كان من دعوته، ما من أحد من الأخيار إلا وهو يتقرب إلى الله بعمله، وأنت يا عبد الله تقرب إلى الله بعملك، هذه الوسيلة التي تنفعك، ولهذا عندما فسر ابن عباس الوسيلة قال: الوسيلة بمعنى الحاجة والقصد، قال ابن عباس: الوسيلة بمعنى الحاجة والقصد، فقيل لابن عباس: أو تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم، أما سمعت بقول الشاعر -وأشار رضي الله تعالى عنه إلى قول عنترة وهو يتغزل بمخطوبته وهو يقول: إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ أَنْ يَأْخُذُوكِ فَتُكَحَّلِي وَتُخَضَّبِي فقول عنترة: «إن الرجال لهم إليك وسيلة» أي مبتغى من التقرب إليك، فالوسيلة كما قال ابن عباس في لغة العرب بمعنى القصد والحاجة. وفي هذه الآية كذلك من البيان على أن العبد إذا أراد أن يتقرب فليتقرب إلى الله مباشرة، بنص هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم الأعيان من الأخيار، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي يدعونهم الكفار، هم بأنفسهم ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي يتقربون إلى الله بالعمل الصالح، فدل هذا على أن من أراد أن يتقرب إلى ربه فليتقرب بنفسه مباشرة، ما جعل الله بينك وبينه عجاب، ما جعل الله بينه وبين خلقه ساتر يسدل بينه وبين خلقه، بل إن أبواب السماء مفتحة، اقرأ: أبواب السماء في أي ساعة شئت. ولهذا أمر ربنا جل وعلا بالتقرب إليه مباشرة، وكما جاء في الحديث: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، تقرب إلى الله بالفرائض، بالنوافل، أما أنك تجعل يا عبد الله شفعًا، إنما هذه كانت فلسفة الكفار، فلسفة الجاهل: «على هذا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، الجاهل يرى بعدًا يرى بعدًا بينه وبين ربه فيجعل هؤلاء الأصنام والأوثان والأنداد شفعًا له عند الله. وهكذا الفلسفة عند جماعات من المعاصرين ممن لربما ينطرح أمام العتابات ويذهب إلى الزيارات، قصده أن يجعل أرباب القبور هم وسطًا بينه وبين الله، لا يعبد الله، هذه فلسفة أهل الجاهلية، ما جعل الله بينه وبين خلقه حجاب، بل لك قرب إلى الله مباشرة، إلى الله مباشرة سبحانه وتعالى. وإن هذا يعبد الله لأتى أي هذه فلسفة الجاهلية أتت بداهية عظمى، ألا وهي عندما ينغرز في قلبي بعض الجهلة -وللأسف بعض من ينتسب للعلم والفكر من أهل البدع- عندما انغرس في أذهانهم أن هؤلاء شفعاء له عند الله، فيتخذهم كما كان عليه أهل الجاهلية: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، من الذي ولَّد أن جعلت الطاعات والعبادات والنوافل والقربات جلها إن لم يكن كلها للوسيط؟ وأما الله فما وصل له شيء، ما وصل له شيء إلا النزر اليسير. تجد أن هؤلاء وقت المدلهمات والشدائد والنكبات إذا دعا دعا باسم الوسيط، ما دعا باسم الله، وإذا استغاث استغاث باسم الوسيط، ما استغاث باسم الله، وإذا أراد أن يذبح أتى بالقرابين ذبحها بقصد لفظًا أو إرادة ونية بقصد الوسيط، ما أرادها لله، ما أرادها لله، وقس على ذلك سائر الطاعات، فربنا جل وعلا ينتظر من عبادي الطاعات والعبادات، فإذا بها لا تصل إليه وإنما تذهب إلى الوسطاء، سبحان الله. وما الذي جعلت لله فقط هذه الصلوات؟ وإذا صلاها صلاها على مضض، على عجلة، على خبب، وأما الجل في الطاعات من الرجاء والخوف والرهبة والكثير من العبادات جعلها للوسيط، وهذا الذي فعله أهل الجاهلية، نعم، قالوا: هم وسطاء فقط، الأصنام، الأوثان، الأنداد، الأجار، الأحجار هم وسطاء بيننا وبين الله الأعظم، لكن ما الذي وصل من الله إليهم؟ لا شيء، وهذا الذي حصل. واذهب يا عبد الله إلى الزيارات الشركية واسمع الهتاف باسم من؟ والنذر باسم من؟ وطلب المدد باسم من؟ وذبح القرابين باسم من؟ قل، قل من يسمي لله جل في علاه، وهذه الداهية العظمى لذا ما دبت عند أذهان هؤلاء، فمن أراد أن يتقرب يا عبد الله ما هناك أحد يحول بينك وبين ربك، «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان»، هذا أخوان في الله خلاصة ما يذكر من مسائل هذه الآية العظيمة والتي بها نعرف معنى لا إله إلا الله، وأن تكون الطاعات والعبادات جلت عظمت أو كبرت كلها لله سبحانه وتعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.