كتاب النكاح والطلاق 19

الدرس في كتاب النكاح والطلاق 19، ألقاها

صفة اللعان وأحكامه الأولية

اللعان هو شهادات الزوج والزوجة أمام الحاكم، حيث يشهد الزوج أربع مرات برمي زوجته بالزنا ويزيد في الخامسة لعنة الله إن كان كاذبا، وتشهد الزوجة بنفس العدد من الشهادات بأن زوجها كاذب وتزيد في الخامسة غضب الله إن كان صادقا. إذا تم اللعان، سقط حد القذف عن الزوج وثبتت الفرقة بين الزوجين وتحريمها عليه تحريما مؤبدا.

الأحكام المترتبة على اللعان وتفاصيله

اللعان يؤدي إلى افتراق الزوجين، ونفي نسب الولد عن الأب، وإلحاقه بالأم، كما يوجب حد الزنا على المرأة إذا لم تلاعن أو نكلت عن اللعان. اللعان قائم مقام البينة، والنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين تفريقا أبديا.

درء الحد عن المرأة بالملاعنة

إذا لاعنت المرأة زوجها فإنها تدرأ عنها الحد بتلاوة الشهادات الأربع مع الخامسة، مستندة إلى قول الله جل وعلا في القرآن الكريم. هذا يدل على أن الملاعنة تدرأ الحد عن المرأة إذا شهدت بالله إنه لمن الكاذبين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف: وقع الله كفاية اللعان، وصفته: صفة اللعان أن يقول الزوج عند الحاكم، أمام جمع من الناس: أشهد، أشهد الله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلان من الزنا، يعني يسميها. قال: يقول ذلك أربع مرات، ويشير إليها إن كانت حاضرة، ويسميها إن كانت غائبة بما تتميز به. إن كانت حاضرة يقول: هذه زوجتي، هذه أشهد، أشهد الله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، يقول ذلك أربع مرات. وإن كانت غائبة فيذكرها باسمها أو بصفتها التي تتميز بها، يقول ذلك أربع مرات، كما قال الله عز وجل: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين﴾، فيقول: أشهد، أشهد الله، أو أشهد بالله إني لصادق فيما رميت به زوجتي فلان. قال: ثم يزيد في الشهادة الخامسة، بعد أن يعظه الحاكم ويحذرهم من الكذب: وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لعن هلال بن أمية زوجته لما شهد شهادات الأربع الأولى، عند الخامسة ذكره ووعظه، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فيوعظ بعد شهادات الأربع قبل الخامسة، يعظه الحاكم ويذكره بالله ويخوفه، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. ثم يقول في الخامسة: وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين. قال: ثم تقول المرأة أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رمى به من الزنا، أو أشهد الله أنه كاذب فيما رمى به من الزنا، تقول ذلك أربع مرات. ثم في الشهادة الخامسة، قبل أن تشهد توعظ وتذكر وتخوف، ثم تشهد الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. لأن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ امرأة هلال النبمية لما لعنت في الخامسة، وعظت وذكرت، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، حتى أنها تلكأت وكادت أن تتراجع وتعترف، فقالت بعد ذلك: لا أفضح قومي سائر الدهر، فشهدت الخامسة. قال: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، هذا في الخامسة، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. فهذه صفة اللعان وكيفيته. قال: المسألة الثالثة: الأحكام المترتبة على اللعان. إذا تم اللعان فإنه يترتب عليه ما يأتي: أولا، سقوط حد القذف عن الزوج. لأن الزوج إذا قذف زوجته بالزنا يعتبر قاذفا، والقاذف إن لم يأت ببينة فإنه يقام عليه حد القذف، فإذا لاعن سقط حد القذف عن الزوج. ودل على هذا أولا الدليل، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقم حد القذف على هلال بن أمية، وعويمير العجلاني. ومن حيث التعليل والمعنى، أن اللعان قائم مقام البينة، هذه الشهادات قائمة مقام البينة، فكأنه أتى ببينة تدل على صدق ما قال، فمن أجل هذا يسقط عنه حد القذف. قال: ثانيا، ثبوت الفرقة بين الزوجين، وتحريمها عليه تحريما مؤبدا. ولولا يفرق الحاكم بينهما، مما يترتب على اللعان التفريق بين الزوجين تفريقا مؤبدا، لا يجتمعان بعده أبدا. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين، فرق بينهما تفريقا أبديا. وكذلك أيضا من حيث النظر، أنه لا يمكن أن يجتمعا وأحدهما يقول للآخر: أنت زان، والآخر يقول: أنت كاذب، فكيف يجتمعان وهم على هذا الحال؟ فحينئذ يفرق بينهما تفريقا مؤبدا. قال: ولولا يفرق الحاكم بينهما، يعني إذا لاعن الحاكم ولم يفرق بينهما، فهما يفترقان، هذا حكم الشرع، أنهما إذا لاعنا وتم اللعان فإنهما لا يجتمعان أبدا. قال: ثالثا، ينتفي عنه نسب ولدها، ويلحق بالزوجة، يلحق بالزوجة فينسب إليها، فيقال: فلان ابن فلانة، كما قيل لعيسى بن مريم: عيسى بن مريم، لأنه لا أب له، فنسب إلى أمه. قال: ينتفي عنه نسب ولدها، ويلحق بالزوجة، ويتطلب نفي الولد، يذكره صراحة في اللعان، كقوله: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، وما هذا بولدي، يعني إذا أراد الانتفاء منه، فينتفي بذكره، ينفي هذا الولد عنه، وما هذا بولدي، مع ذكره لللعان. قال: لحديث عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين الرجل وامرأته، ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة، يعني نفى نسبه من أبيه، من زوجها، نفى نسبه من زوجها وألحقه بالمرأة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، المرأة إذا ولدت وهي عند زوجها فالولد له ينسب له، وأما الزاني أو الزانية فلا ينسب الولد إلى من زنى بها، لا ينسب إلى من زنى بها، وإنما العاهر، أي الزاني، ما له إلا الحجر، الخيبة والحرمان، له الخيبة والحرمان. قال: رابعا، وجوب حد الزنا على المرأة، إلا أن تلاعن هي أيضا. فإن نكلت عن الأيمان مع أيمانه، بينة قوية توجب إقامة الحد عليها، يعني إذا لاعن الرجل ثم نكلت المرأة وامتنعت عن اللعان، فهذه بينة على أن الزوج صادق فيما رماها به، وحينئذ يقام عليها حد الزنا. فإن لاعنت حينئذ حمت نفسها عن حد الزنا، ورفع عنها الحد. قال: فإن نكلت عن الأيمان مع أيمانه، بينة قوية توجب إقامة الحد عليها، هذا إذا لم تلاعن. أما إذا لاعنت فإن يدرأ عنها الحد، قول الله جل وعلا: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على