شرح كتاب التوحيد 36

شرح كتاب التوحيد 36

الدرس في شرح كتاب التوحيد 36، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير شهادة التوحيد عبر قصة إبراهيم

يوضح المؤلف تفسير شهادة أن لا إله إلا الله من خلال قصة إبراهيم عليه السلام وتبرئته من المعبودات الباطلة. يُبرز الدور الهام للتوحيد في دعوة الأنبياء.

تبرئة إبراهيم من المعبودات وأهمية كلمة التوحيد

تبرأ إبراهيم عليه السلام من المعبودات الباطلة وأعلن توحيده لله، وجعل كلمة التوحيد باقية في ذريته. يُظهر أهمية الهداية بيد الله وحده.

أركان التوحيد ودور الدعوة إليه

يفسر المقطع معنى لا إله إلا الله ويبين أهمية التوحيد ودوره في الدعوة، مشيرًا إلى ركني النفي والإثبات. يشدد على أهمية توريث الدعوة للأجيال.

ختام الخطبة بالدعاء

يختتم الخطيب بالدعاء بأن ينفع الله المستمعين ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر أهمية الختام بالدعاء والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا الباب، إخواني في الله، في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، والذي يريد منه المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر التفسير والتوضيح لشهادة أن لا إله إلا الله. وكان معنا بالأمس في قوله، استدلالًا بقول ربنا جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى دليلًا آخر من كتاب الله، قال: وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية في بيان معنى لا إله إلا الله، وهذا من أعظم الفقه أن يكون البحث في تفسير هذه الكلمة من دلالة القرآن، إذ أعظم ما يفسر به القرآن بالقرآن. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، والتي فيها قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، أي واذكر إذ قال إبراهيم. مر معنى أن إبراهيم عليه السلام هو إمام الحنفاء، فهو الذي جعل الله جل وعلا على يديه الكثير من الفضائل والمناقب، فهو الذي كسر الأصنام بيده، وهو الذي بنى قبلة الموحدين، وهو الذي ترك أهله في بطن واد، وهو الذي أراد أن يضحي بابنه قربانًا لله. ولهذا جعل الله جل وعلا إبراهيم إمامًا يقتدي به، فما من ملة وما من دين إلا وهم يتقربون بدين إبراهيم عليه السلام. فاليهود ينتسبون إلى إبراهيم ويقولون: هو من ملتنا، والنصارى بالمثل ينتسبون إلى إبراهيم ويقولون: هو من ملتنا، وهكذا كفار قريش كانوا ينتسبون إلى دين إبراهيم وأنهم على ملته. والأمر، إخواني، فلا ليس الدعوى، لو ترك الأمر على الدعاوى كل يدعي وصلًا بليلة، لكن الأمر برهان. ولهذا يذكر ربنا جل وعلا ما هو دين إبراهيم، ما هي ملة إبراهيم، حتى ننظر إلى من ينتسب ويدعي أنه منه، هل هو كذلك أم لا؟ فما سيذكره ربنا جل وعلا عن إبراهيم، وإنما هو من مقامات التوحيد الذي جعله الله على يديه. قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، وقومه قوم إبراهيم ممن كانوا يعبدون الكواكب والنجوم السيارة، وكانوا يجعلون لها هيكل وأماكن وأشكالًا، فيتقربون إلى الكوكب وإلى النجم، إلى هذه الهياكل والأصنام. قال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، البراءة بمعنى المفارقة للشيء، البراءة هو المراءة المفارقة للشيء، لكن هناك معنى آخر زيادة على أمر المفارقة، إذ أن البراءة فيها المفارقة، وفيها كذلك معاني البغض والكره. فليس كل من تخلص من شيء يقال عنه قد برئ منه، إنما البراءة تكون فيه معنى المفارقة والتخلص، وهذا عمل ظاهر، وفيه كذلك عمل باطن وهو الكره والبغض. فليس فقط، يا عبد الله، أنك تتخلص من هذا الأمر حتى تكون قد تبرأت منه، بل لا بد من التخلص، أن يكون القلب على مقت وعلى بغض وعلى كره من هذا الذي فارقته، فحينها يقال عنك أنك قد تبرأت منه. فقال إبراهيم عن نفسه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، مما هنا موصولة بمعنى الذي، أي أني براء من الذي تعبدونه، من الذي تعبدونه. فتبرأ إبراهيم عليه السلام من جميع المعبودات التي عبدت من دون الله، والتي كان قومه يتقربون إليها بأنواع الطاعات والعبادات. قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فطرني أي خلقني وبرأني، فاستثنى إبراهيم عليه السلام ربه جل وعلا، فهو يعبده. وهل هذا الاستثناء إلا استثناء متصل أم منفصل؟ على حسب السياق كما قال العلماء، فإذا كان قومه كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام والأوثان، فإن إبراهيم عليه السلام تبرأ هنا براءة مما تعبدون من كلية الأصنام والأوثان والمعبودات إلا الله، فهذا استثناء متصل، إلا الله، فالله أعبده لا أتبرأ منه. إذا كان السياق على هذا النحو، وكان قومه يعبدون الله ويجعلون مع الله شركاء وأندادًا، فتبرأ من المعبودات ثم استثنى ربه جل وعلا من التبرئة. أو أن الاستثناء يكون منقطعًا، وصورته أن قومه ما عبدوا الله أصلا، ما عبدوا الله أصلا وإنما عبدوا الكواكب والنجوم أصالة، فحينها يقول إبراهيم: أنني براء من هذه المعبودات، ولكن أعبد الله الذي فطرني، فالاستثناء هنا منقطع، بمعنى لكن، لكني أعبد الله الذي فطرني. قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، الهداية هي بيد الله جل وعلا، هداية القلوب بيد الله سبحانه وتعالى. وفي ذلك إشارة إلى أن من اجتباه الله إلى إفراده بالعبادة والطاعة، فهذه من هداية له، لك أعظم الهداية، يا عبد الله، أن توفق إلى توحيد الله، لأن تذهب يمنة ويسرة، إذا رأيت من نفسك أن الله جل وعلا اجتباك على التوحيد، فجعلك تعبده ليل نهار، صباح مساء، في كل أمورك وفي كل شؤونك، اعلم أن الله جعلك من عباده المهتدين. وأما من خرج عن ذلك، فخرج عن الجادة ولم يعبد ربه، وإنما جعل مع الله شريكًا في العبادات والطاعات، من صنم أو من وثن أو من شجر أو حجر أو من ضريح أو قبر أو من نبي أو ولي، فجعلهم شركاء مع الله، اعلم أن الله ما أراد هدايتك، بل هذا هو الضلال المبين. قال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، هذا الأمر الذي ذكره إبراهيم عليه السلام، وهو أنه قد تبرأ من جميع المعبودات ولا يعبد إلا الله، هذه الكلمة جعلها عليه السلام هي الباقية من بعده، هي ملته التي يسير عليها أولاده وأبناؤه وأحفاده ومن كان من ذريته، فالعقب بمعنى الذرية، باقية في عقبه أي في ذريته. وهذا قال وذهب جماعة من المفسرين، كابن عباس وغيره، على أن هذه الكلمة هي لا إله إلا الله. ومن لاحظ بين لا إله إلا الله ككلمة، وبما جاء به إبراهيم عليه السلام، يجد التوافق، وإن كان إبراهيم عليه السلام يبين للناس ما معنى لا إله إلا الله. فقوله: لا إله بمعنى لا معبود، ولهذا قال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، نفي، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فتجد أن لا إله إلا الله هي هي الكلمة التي قام إبراهيم عليه السلام بتفسيرها. فإن قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، هذا هو لا إله إلا الله، أي لا أعبد إلا الله جل في علاه. ولهذا ذهب جماعة من المفسرين إلى أن قول إبراهيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾، هي كلمة لا إله إلا الله، وإن هي مذكورة في الآية مذكورة بمعناها، لأن إبراهيم إنما فسرها وفصلها لنا، هذه الكلمة ما الذي أراد منها إبراهيم؟ هي التي تبقى فيه وفي ملته حتى يسير عليها الأحفاد والأبناء ومن ذرية من بعد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، إشارة إلى أن من الناس من سيذهب يمنة ويذهب يسرة، ومن يخرج عن توحيد الله جل وعلا، لكن إذا وجد التذكير في حقيقة هذه الكلمة، فإن الناس سيعودون ويرجعون إليها. فهذا، إخواني في الله، من عظيم فقه المؤلف رحمه الله تعالى، لما أراد أن يبين لنا ما معنى لا إله إلا الله، ذكر لنا هذا التفسير من إبراهيم عليه السلام. وبهذا نعلم، إخواني، من فوائد هذه الآية أهمية الدعوة إلى توحيد الله، فهي شعار الأنبياء، وهي الأس والأساس في دعوة الأنبياء والرسل. ثانيًا: فيه بيان لتفسير التوحيد، وأن التوحيد، يا عبد الله، يدور على إفراد الله بالعبادة، لا إله إلا الله، لا معبود حق إلا الله، فلا يأتي أحد مع هذا الكلام ويظن أن يفسر لا إله إلا الله بأنه لا خالق في الوجود إلا الله، لا رازق إلا الله، لا واجب الوجود إلا الله، لا، يا عبد الله، أين العبادة؟ أين العبودية؟ وها هي الآيات تصدح بأن الأنبياء الذين جاءوا بك كلهم قاطبة بالإجماع: «يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، هي هي لا إله إلا الله. فكلمة التوحيد أينما ذهبت، يا عبد الله، ستجد أنها تدور حول العبادة، وأن الله جل وعلا هو الذي يعبد، فمن حقق العبادة لله خالصًا لوجه الله، وما جعل مع الله شريكًا، فهذا هو الموحد، وهذا هو المحقق للا إله إلا الله. وفي ذلك، في هذه الآية، بيان على أن كلمة التوحيد تقوم على ركنين أساسيين، على النفي والإثبات، لا إله نفي، إلا الله إثبات، وهذا موجود في كلام إبراهيم عليه السلام، إذ قال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، نفي، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، إثبات. فالإثبات وحده ليس بتوحيد، والنفي وحده ليس بتوحيد، فتوحيد الله يقوم على أمرين اثنين، على نفي المعبودات وإثبات العبادة لله، لا إله إلا الله، فيقوم التوحيد على النفي العام والإثبات التام، نفي عام، إثبات تام، هذا التوحيد. فلا تظن أن التوحيد أن تقول: أن الله هو الله، لا، أن الله هو الله، وقبل ذلك تتبرأ من جميع الآلهة، لأن من الناس من يقول: أن الله هو ربي، ويجعل مع الله ندًا ويجعل مع الله شريكًا، ما هكذا، يا عبد الله، يكون التوحيد. وكذلك في هذه الآية، إخواني في الله، من الفوائد: البقاء على استمرار التوحيد، فإبراهيم جعلها كلمة باقية في عقبه، كيف جعلها كلمة باقية؟ قال العلماء: ما تكون باقية إلا بكثرتها وذكرها، بل وجعلها وصية، وهذا الذي وقع لإبراهيم. ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفها نفسه؟ ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ووصى بها إبراهيم بنيه، وكذلك يعقوب، إذ قال بنيه: «ما تعبدون من بعدي؟» تجد الوصية، إبراهيم يوصي أولاده، والأولاد يوصون الأحفاد، وهكذا تستمر. ومن هنا كان من تعظيم أهل السنة في باب الدعوة، الدعوة إلى التوحيد دائمًا وأبدًا، ما تنقطع، ما تنقطع الدعوة إلى التوحيد، لأن الأس والأساس في دين الله جل في علاه. وجعلها كلمة باقية. ومن هنا كان من أعظم مهام أهل السنة في دعوتهم، الدعوة إلى توحيد الله جل في علاه. هذا، إخواني في الله، ما يذكر من مسائل هذه الآية، وفيها الإشارة إلى ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين فيه معنى لا إله إلا الله، بمعنى لا معبود حق يستحق العبادة إلا الله جل في علاه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.