الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 114، ألقاها
الكرامة هي خرق للعادة يحدث للأولياء والأنبياء وتختلف عن المعجزات والآيات. العلماء يفرقون بين الكرامة والمعجزة حيث تكون الأولى للأولياء والثانية للأنبياء.
يتحدث عن غلو بعض أهل التشيع والتصوف في كرامات الأولياء ويبالغون في وصفها ويكذبون في سرد القصص حولها، مما يعتبر نقمة على أصحابها وليس كرامة.
يُنكر على من يدعي معرفة الغيب أو يعتبرون أن أولياءهم لديهم قدرات خارقة، ويعتبر هذه ادعاءات كاذبة وباطلة وتندرج تحت الشعوذة والخرافات.
يُحذر من أن الجهل بمزالق الشيطان يؤدي إلى الوقوع في فخه، ويُشير إلى أن بعض المتأخرين دخل في التصوف دون معرفة كافية فوقعوا في الشرك والضلال.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقال نزل عند قول الإمام طحاوي رحمه الله: «ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن أقوالهم ورواياتهم». وقلنا إن الكرامة هي خرق للعادة وتكون للولي، والذي يميز هذه الكرامة عن غيرها، أما أن كانت تمييزها عن آيات الأنبياء وعلامات النبوة، فهذا واضح؛ لأنه لا يستطيع الولي أن يدعي النبوة، فإذا ادعى النبوة فهو رجل كاذب وليس بولي، إذا ادعى النبوة فهو كاذب وليس بنبي وليس أيضًا بولي، بل هو كافر. وأما إن كان فلهذا، فقال العلماء إن الكرامة خرق العادة يجري للأنبياء وهو أوسع وأعظم مما يجري للأولياء، فهي تكون للنبي وتكون للولي، فللنبي تسمى آية أو علامة نبوة، وسماها بعض المتأخرين معجزة. وأيضًا تكون للولي، وهي كرامة، تكون للولي هبة من الله يعطيها لوليه. وقد تكون هذه الكرامة لواحد فرد، قد تكون لجماعة، قد تكون لجماعة، قد يكون أيضًا هذه الكرامة يجعلها الله عز وجل من باب العموم، من باب عموم الخير فقط، فقد يكون مثلًا هؤلاء الذين وقعت لهم الكرامة ليسوا من أهل السنة، قد يكون من أهل بدع، لكن قد يكون ينصرون دين الله فيكرمهم الله، مثل انتصارات التي تحصل لبعض من هو على طريقة غير صحيحة من الملوك والأمراء، لكن تجد أنه يريد أن ينصر دين الله فينصرهم الله عز وجل بذلك أيضًا. كذلك أحيانًا تكون أيضًا للجماعة الذي فيهم السني وفيهم غيره، فينصرهم الله أو يعطيهم الله عز وجل نعمة عظيمة تعم الناس، تعم ناس جميعًا. كذلك أيضًا كما قلنا أيضًا الخارق العادة قد يكون على يدي الكاهنة والمدعي للغيب والمنجم، أو لا يدعون خارق العادة، لكن الأصل أن هذا الخارق إنما هو تخيل من الشياطين، كما ذكر الله عز وجل ذلك عن سحرة فرعون. فلهذا الكرامة ثابتة للأولياء كما هو قول أهل السنة، والناس في الكرامة على طرفين ووسط، فمنهم من أنكر كرامات الأولياء، وهم معتزلة، المعتزلة ينكرون كرامات الأولياء ويقولون هذا صدفة، فقد حصلت صدفة، ليس أنها كرامة لولي. ومقابلهم قوم غلوا من أهل التشيع والتصوف، فجعلوا كرامات لأوليائهم عظيمة، غلوا في هذه الكرامات، بل حتى جعلوا لهم خصائص ربوبية التي ليست هذه الأمور إلا لله عز وجل، فجعلوها لهؤلاء البشر، وغالبًا يكذبون، أن يضعون قصص كذب، وحيانًا أيضًا تكون هذه القصص والتي يسمونها كرامات تكون أمور سيئة، أمور سيئة معاصي، وهذا مستحيلًا تكون كرامة، بل هذه نقمة، نقمة على صاحبها. فلهذا ذكر بعض أهل التصوف وأهل التشيع بعض الكرامات لأوليائهم فيها أمور سيئة، أمور سيئة حيانًا، حتى فيه انتهاك للأعراض، ويجعلون هذا كرامة للسيد حيانًا أيضًا، مثل ما ذكر شعراني عن المحيشي أنه كان إذا جاءه حالة الجنون -معنى هم يقولون أنها حالة يناجي فيها الرب أو يكون مع ربي- وهي حالة جنون أصلا، فيلطخ الناس بعذرته، أنا يلطخ الناس بعذرته، حتى مرة قالوا أنه لما جاءت الحالة وفي المسجد فلطخ الناس بعذرته مع دخول الأمير، ووقعت في ثوب الأمير، قال فوضعها فأخرج هذا الثوب ووضعه في صندوق، فجاءه بعد فترة فإذا هو فيه رائحة المسك، وهذا كذب، أن يكذبون على الرعاع بمثل هذه الأشياء، فرجل فاسق ويفعل الأشياء كما يذكرون عنها، وأنه -الله أعلم- أنا يفعل الأشياء هي من الفسق، ويظنون أنها كرامة له، وهذا من الباطل. فلهذا هؤلاء غلوا في مثل هذه الأشياء، وقد ذكرنا قبل أن الكرامة تعرض أو يعرض عمل الرجل، يعني ما تكون كرامة لولي إلا إذا عرضًا عمل الرجل، هل هو رجل متبع للسنة أو أنه مخالف، بل معادل للسنة، بل أنه يفعل أشياء قد تكون كفرًا بالله والعياذ بالله، مثل الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. فهؤلاء الذين يدعون لهم الكرامات غالبهم من هذا النوع، يدبحون لغير الله وينذرون لغير الله، وأيضًا يستغيثون بغير الله، وهكذا من هذه الأمور التي هي شرك بالله جل وعلا، فكيف يكون وليًا لله وهو مشرك، فهذا بعيد جدًا. وكما قلنا أنهم لم يكتفوا فقط يعني يجعلوا لهم كرامات، جعلوا لهم كرامات فيها إشراك بالله، جعلوا لهم كرامات فيها إشراك بالله، من ذلك مثلًا أنهم يذكرون في كراماتهم أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يقرؤون الغيب سطرًا سطرًا، وهذا لا شك أنه كذب، وأيضًا هو كلام كفر؛ لأنهم قال في القرآن: ﴿قل لا يعلم من في السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله﴾، ﴿وما يشعرون أيان يبعثون﴾. فمن ادعى أن هناك من يعلم الغيب فهو كاذب، لكن الله عز وجل يطلع أو يطلع على غيبه من يشاء من رسله، ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول﴾، ﴿إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا﴾. فهنا الله عز وجل ذكر أنه يطلع بعض رسله على الغيب، لكن لا يعلمون الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، وذكر الخمس التي في آخر سورة لقمان. فلهذا كما قلنا أنه لا يكذبون بحجة الولاية ويدعون لهم على سبيل المثال ما ذكره ما ذكر عن ما يسميه العلويون الفقير المقدم محمد بن علي بن مولد دويلة -أو أقصد محمد بن علي بن أحمد بن عيسى المهاجر إلى الله كما يقولون-، فهذا الرجل دعوا له كرامات، ومن كراماته فقال له أخوه: ماذا أعطاك الله؟ قال: أعطاني ثلاث، أعطاني ثلاث، أعلم الشقي من السعيد، وأعلم ما في الأرحام، وأيضًا كذلك جاء بثالثة من هذه الدواهي، وهذا كذب، لم يدعها نبي الله عليه الصلاة والسلام، وهو أفضل خلق صلوات الله وصلاة عليه، لم يدع ذلك، وإنما هذا من علم الله عز وجل. وأيضًا تجد أنهم يجعلون من كراماتهم أنهم يغفرون الجنة من شاء ويخرجون من النار من شاء، وهكذا. وأيضًا أن النار ما تقوى على مثل هؤلاء الأولياء، لما جاء بعضهم -وهو علوي أخو هذا الفقير المقدم- جاء إلى النار، قالت النار: أخروا عني هذا السيد، سيحرقني، هي نار كيف سيحرقها أنا؟ قال: أخروا هنا سيحرق النار، ليست النار ستحرقه هو الذي سيحرق النار، وهذا كله من الكذب الباطل الذي ضحكوا فيه على الناس وعلى العوام. فلهذا كما قلنا أن هذه يظنون أنها كرامات، وهذه ليست كرامات، بل هذا من نوع الشعوذة والخرافات، وهذا سماها العلماء خرافات، ومعظمهم يسميه شعبدة، هي من نوع كما قال شيخ الإسلام: من نوع شعبدة وشعوذة الكهان والعرافين؛ لأنها العصر الواحد وهو الشياطين معنا، الكهان والعرافين معنا يستخدمون الجن، وهؤلاء كذلك يستخدمون الجن، يضحك عليهم الشياطين، يظنون أنهم أولياء أو يطلع عليهم الشيطان فيظنوا أنه ولي. ولهذا لما كان بعض المتصوفة من القدماء عنده معرفة بالله جل وعلا وبشرعه، فإنه لم ينطل عليه لعب الشيطان، وهو الجنيد رحمه الله، وهذه الخصة دائمًا ذكرها شيخ الإسلام عبرة لهؤلاء، وأن الجنيد جاءه الشيطان وهو فقال له: يا عبدي، أنا -كأنه يخاطبه كأنه الله خاطبه- قال: يا عبدي قد أحللت لك الحرام، فقال له الجنيد: اخسأ يا عدو الله، لو كان يحل الحرام لأحد لحل لنبي الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من التعليل الذي ذكره لما قيل له: كيف عرفت أنه شيطان؟ فقال: ما حل الحرام لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيحل لي، وهذا هو الحق، وهذا أهل المعرفة، وإن كانوا كانوا على تصوف على شيء من الشطحات، لكن عرفوا مزالق الشيطان. أما هؤلاء الجهلة من المتأخرين دخلوا في هذا الباب وهم لا يعرفون مداخل الشيطان، فضحك عليهم الشيطان وجعلهم من الشياطين، أنا جعلهم من أتباعه، فكانوا يعملون عمله. وكذلك أيضًا صرف الناس عن السنة وعن الصراط المستقيم بسبب أفعالهم، فإن شاء الله تعالى نهتم بهذا، والله تعالى أعلم.