الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 22، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
تقرر عقيدة أهل السنة والجماعة الحكم على الناس بظواهرهم في الأحكام الدنيوية والمواريث، فمن أظهر الإسلام حكم له به، والسرائر موكولة إلى الله وحده. يستدل المحاضر بالقرآن والسنة وأقوال السلف على وجوب الأخذ بالظاهر، محذراً من فتنة المرجئة والجهمية ومن يبتدعون امتحان الناس في إيمانهم أو يكفرون المجتمعات الإسلامية.
يبيّن المقطع أن الإيمان عند أهل السنة قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الاستثناء في الإيمان (كقول: مؤمن إن شاء الله) مشروع لجهالة العبد بقبول عمله وكماله. يستدل بالآيات والأحاديث وأقوال السلف على ذلك، ويرد على المرجئة الذين ينفون العمل عن الإيمان ويمنعون الاستثناء زاعمين أنه شك.
يوضح موقف أهل السنة من الاستثناء في الإيمان حيث يستثني المؤمن في عمله لا في أصل قوله، بخلاف المرجئة الذين يجعلون الإيمان قولاً فقط لا يزيد ولا ينقص فيجزمون بأنهم مؤمنون حقاً. يؤكد أن هذا الجزم بدعة وادعاء لعلم الغيب، وأن الناس يُجرون في الأحكام الدنيوية على ظاهر الإسلام بينما حقيقتهم عند الله مجهولة.
يختم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يوفقهم للطاعة، ويهديهم، ويعينهم على رضاه، مشيراً إلى كرم الله وجودِه. يأتي هذا الدعاء ختاماً للدرس مستجمعاً معاني التوبة والافتقار إلى الله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه الرسالة النافعة، وهذا الجزء العظيم الذي فيه بيان عقيدة أهل السنة والجماعة التي من لقي الله بها نجا، وهي مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة. قال الإمامان رحمهما الله تعالى وغفر لهما: «والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل. فمن قال إنه مؤمن حقا فهو مبتدع، ومن قال هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال هو مؤمن بالله حقا فهو مصيب». وهذه الفقرة تضمنت مناقشة المرجئة والجهمية، سيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على المرجئة وأصل مقالتهم. «والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل». هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي ما أجمع عليه سلف الأمة: أن الناس يؤخذون بظواهرهم وما أبدوه، فمن أبدى لنا الإيمان والإسلام حكمنا له بالإيمان والإسلام، ولا ندري ما يكون له عند الله عز وجل. فهذا أمر غيبي، لا ندري نحن في أنفسنا ما نكون عند الله عز وجل، ونرجو من الله النجاح. فقد يبدو، فقد يعمل العامل بأعمال الخير ثم يختم له بالشر، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، وهذا له أدلة كثيرة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾. فلا بد من أن نحمل من أظهر الإسلام على الإسلام، ولا نشكك في دينه وإسلامه. ﴿كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، فمن أظهر الإسلام فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وفي صحيح البخاري حديث أنس رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم، له ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تخفروا الله في ذمته». والذمة هي العهد، وهي الأمان، وهي الميثاق. فله ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لمسلم أن يخفره، أن يغدر به، أو يزعم أنه كافر فيستحل ماله. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، هذا لا يحل. الناس يؤخذون بظواهرهم. وفي صحيح البخاري أيضا عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». من أظهر لنا دينه وإسلامه وإيمانه حكمنا له بمقتضى ما أظهر لنا، وأمره إلى الله عز وجل. لا نشهد له بالجنة لما يظهره، فالأمر غيبي، ونحن لا نشهد لأنفسنا ولا لغيرنا بشيء. ولهذا كان سليمان التيمي من أئمة العبادة والزهد، عظيم العبادة، حتى قيل: لو قيل له إن الساعة ستكون غدا ما استطاع أن يزيد في عمله شيئا من شدة أعماله. فمدح، وقيل له: إنك أنت، ومن مثلك؟ قال: لا تقول هذا، لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل. سمعت الله جل جلاله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾. فالمؤمن يخاف ويوجل أن يختم له بسوء، أن يختم له بخلاف ما أظهره. هذا باب من الأبواب الخطيرة العظيمة. وسأل ميمون بن سياه أحد التابعين أنس بن مالك: يا أبا حمزة، ما يحرم دم العبد وماله؟ قال: من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم. وهذا مما تقدم أن أنسا رواه أيضا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي قضاء عمر رضي الله عنه كما في البخاري: «إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي، وإن الوحي قد انقطع، فمن أظهر لنا خيرا أمناه ووكلناه، ومن أظهر لنا شرا لم نأمنه ولم نوكّله، الله يحاسبه على سريرته»، أو كما قال رحمه الله تعالى. فالناس يأخذون بالظاهر. قال رحمهم الله: «والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل». في هذا الزمان ظهرت طائفة، وقال لها أصحاب التوقف والتبين: لا يحكمون للمسلمين بظاهر الإسلام، ويقولون: يمتحنون، يمتحنون. فإن أجابوا بما يدل على إيمانهم فيما عندهم من شروط الإيمان فهو مؤمن مسلم، وإلا نتوقف فيه أو نكفره، عياذا بالله. هذا من الضلال المبين، هذا من الضلال المبين. وكذلك الحكم على المجتمعات أنها جاهلية، وأنها مجتمعات كافرة، أو نحو هذا الكلام، كل هذا من الضلال المبين. والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم فيما أظهروه لنا، ولا ندخل في النوايا ولا في القلوب، ولا نفتش عن الصدور. من أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، كما قال أمير المؤمنين عمر: «وسريرته إلى الله عز وجل، بينه وبين الله عز وجل، الله يحاسبه على سريرته». ربنا سبحانه يعلم السر وأخفى، نحن ما نعلم، ولكن لنا الظاهر، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل. وهذا لأن الإيمان قول وعمل. سبب هذا أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. فهما مقدمتان عظيمتان عند أهل السنة والجماعة: الإيمان قول وعمل، والإيمان يزيد وينقص. فإذا كان الإيمان قولا وعملا، فهل أتيت بالعمل كما طلب منك؟ فبلغت درجة مطلق الإيمان؟ الجواب: لا. هذا لا يستطيع أن يجزم به أحد. الإيمان قول وعمل، ولهذا الإمام أحمد رحمه الله وغيره يقولون: إن أمر العمل أمره عظيم، ولهذا يجيزون الاستثناء، أن يقول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله. لأن الإيمان الكامل يحتاج إلى عمل مقبول تام، ومن أين لك أن عملك تام؟ ومن أين لك أن عملك قبل؟ من أين لك أن عملك مقبول وتام؟ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد وغيره عن هذه الآية: أهم الذين يزنون ويسرقون ويفعلون كذا وكذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، إنما هم الذين يأتون بالطاعات وقلوبهم وجلة، هل قبل منهم أم لم يقبل؟». ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وهذا الباب أيضا فيه تزكية للنفس، إذا قال المؤمن: أنا مؤمن، أي أتيت بالإيمان الكامل، فهذا تزكية للنفس، والله نهى عن تزكية النفس، فقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. هو أعلم سبحانه بمن اتقى. ولهذا قال السلف في هذا الموضع: الإيمان يستثنى فيه، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل. إذن نحتاج أن نستثني، نحتاج أن نستثني في مثل هذا الحال، ونقول: نحن مؤمنون إن شاء الله. لأن الإيمان الكامل هو الذي فعلت فيه الواجبات وتركت فيه جميع المنهيات. فمن هذا الذي يقول إنه فعل كل الواجبات وترك كل المنهيات؟ من هذا الذي يقول مثل هذا منا نحن المسلمين اليوم، وفي غير اليوم أيضا؟ فالأمر عظيم عند أهل السنة والجماعة، ولهذا شرع الاستثناء في مثل هذا الموضع. سئل ابن مسعود، قال رجل لابن مسعود: أنا مؤمن حقا. فقال له ابن مسعود: أفي الجنة أنت؟ قال: أرجو. قال: أنا مؤمن حقا. قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه: أنا مؤمن حقا. قال: أفي الجنة أنت؟ قال: أرجو. قال: ألا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ فهذا الباب، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل. مع حكمنا لهم بظاهر الإيمان، ومعاملتنا لهم معاملة الإسلام، لا نشك في أنهم من المسلمين المؤمنين، ولكن أن نحكم عليهم بالإيمان الكامل، لا شك أن مثل هذا دخلت فيه المرجئة، عياذا بالله. والسبب راجع إلى أمرين: أنهم لا يرون العمل من الإيمان، فعندهم الإيمان قول فقط. ومن قال فقد آمن، عندهم الإيمان ليس فيه أعمال، أعمال ليس من الإيمان. فعلى هذا لا وجه للاستثناء عندهم، ويقولون الاستثناء شك، كما سيأتي. هذه المسألة، يقول السلف: إنها أول مسائل المرجئة، أول مسائل الإرجاء الخبيث، هذه المسألة مسألة الاستثناء. لهذا كان السلف يقولون: من برئ من أول الإرجاء، مسألة الاستثناء. هكذا يقول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى وغيره من السلف: أول الإرجاء مسألة الاستثناء. هل يجوز أن يستثني المؤمن في أمر مستقبل هو فاعله؟ الجواب: نعم يجوز. الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله. أرجو أن أدخل الجنة، هذا استثناء. نظن بالله أن ندخل الجنة، هذا نوع استثناء، سواء كان بحرف «إلا» أو بمعناها مثل «أرجو» أو «أظن» أو نحو هذه الألفاظ التي تفيد تعليق الأمر بالله عز وجل. هناك أمور محققة، ومع هذا علقها الله بالاستثناء. لقد صدق الله رسوله الرؤية، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. مع أن الله جزم حكم أنهم داخلون، ثم علق الحكم بالمشيئة: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾. ويقول المسلم كما في صحيح مسلم: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». مع أننا بهم لاحقون لا شك ولا ريب، لا شك ولا ريب أننا لاحقون بهم، من هذا الذي يشك أنه سيموت؟ مع هذا جاء في الحديث: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». فأصل الاستثناء إلى مانع منه، وإنكار المرجئة إنكار في غير محله، إنكار في غير محله. لهذا في الآية التي قدمناها: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، قلوبهم وجلة، خائفين أن لا يفوزوا عند الله عز وجل، مع أنهم قدموا أعمالهم. فإذا كان لا يقول المؤمن: أنا متقٍ لله، ويقول: أنا متقٍ إن شاء الله، كذلك يقول أيضا: أنا مؤمن إن شاء الله، لا مانع منه. «ولا ندري ما هم عند الله عز وجل». فمن قال إنه مؤمن حقا فهو مبتدع، كما قالت المرجئة، عياذا بالله. نقل عن أبي حنيفة هذه المقالة، نقلت عن أبي حنيفة قال رحمه الله: ينبغي أن يقول: أنا مؤمن حقا، لأنه لا يشك في إيمانه. يقول أبو مطيع البلخي في الفقه الأبسط صفحة السادسة والأربعين: قال أبو مطيع: قلت -يعني لأبي حنيفة-: أيكون إيمانه كإيمان الملائكة؟ قال: نعم. وهذا نظرا لتأصيلهم في الباب أن الإيمان جزء واحد لا يزيد ولا ينقص، وأن العمل ليس من الإيمان. العمل ليس من الإيمان عندهم، العمل ليس من الإيمان. فمن قال إنه مؤمن حقا فهو مبتدع. من أين لك أنك أتيت بالعمل؟ من أين لك أنك أتيت بالعمل؟ ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء، في الاستثناء في الإيمان، لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل. فقد جئنا بالقول، يقول الإمام أحمد: فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل، فيعجبني أن نستثني في الإيمان بقولي: أنا مؤمن إن شاء الله. وقال أيضا: لو كان القول كما تقول المرجئة أن الإيمان قول، ثم استثنى بعد على القول، لكان هذا قبيحا، مثل ما يقول الإنسان: أنا أشهد أن لا إله إلا الله إن شاء الله. هذا قول قبيح، أنا أشهد أن لا إله إلا الله ثم يقول إن شاء الله، هذا استثناء قبيح. الواجب الجزم في الأقوال، الواجب الجزم في الأقوال، إنما الاستثناء باعتبار الأعمال، الاستثناء باعتبار الأعمال. أشهد أن لا إله إلا الله، لا تقول إن شاء الله، هذا شك ولا يجوز. لكن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله. فهذا الذي يقوله الإمام أحمد رحمه الله، يقول رحمه الله: لو كان القول كما تقول المرجئة إن الإيمان قول، ثم استثنى بعد على القول، لكان هذا قبيحا، أن يقول: لا إله إلا الله إن شاء الله. ولكن الاستثناء على العمل، الاستثناء كما يقول لئم على العمل. ويقول أيضا: إنما نصير إلى الاستثناء، إنما نصير الاستثناء على العمل، لأن القول قد جئنا به. هذه طريقة السلف في هذا الباب. «والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل». فمن قال إنه مؤمن حقا فهو مبتدع، خالف طريقة السلف، وأصل هذه المقالة من خطأهم، خطأ الأول: عدم القول بأن العمل من الإيمان، وأن الإيمان قول فقط. والخطأ الثاني: أن الإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص. قال رحمه الله: «فمن قال إنه مؤمن حقا فهو مبتدع، ومن قال هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين». لأنك لا تدري ما أمرك عند الله، وما يكون حالك عند الله. فهذا الدعاء ودعوى قد تكون وقد لا تكون، فهذا كذب على الله عز وجل، ودعاء وعلم الغيب. فيها ما يدريك أن تكون من أهل الجنة؟ هذه المسألة تشبه أن يقول القائل: أنا من أهل الجنة. وما يدريك أنك من أهل الجنة؟ ما يدريك أنك من أهل الجنة؟ «ومن قال هو مؤمن عند الله»، ما يدريك أنك مؤمن عند الله؟ قال رحمه الله: «قالا رحمه الله فهو من الكاذبين». هذا علم غيب، وهذه الدعوى كذب. «ومن قال هو مؤمن بالله حقا»، أي تلفظ بلفظ الإيمان: أشهد أن لا إله إلا الله، ولا يشك في اللفظ حقا وصدقا، وهو مؤمن. وإذا جاء إلى العمل استثناء، لأنه لا يدري هل جاء بالعمل على الوجه المطلوب أم بقي عليه شيء؟ هل جاء بالعمل كما طلب أم أنه لم يأت بشيء؟ هذا باب خطير للغاية. هذا خوض من المؤلفين رحمهم الله تعالى في مسألة مهمة، وهي أن الناس يجرون في الأحكام على ظواهرهم. ومن هذا الباب أيضا ما جرى عليه العمل في تارك الصلاة، فإن تارك الصلاة يقسم له إرثه على أبنائه وورثته، ويقبر في مقابر المسلمين. وهذه المسألة جعلت الإمام أبا محمد ابن قدامة رحمه الله الموفق يميل ويصرح بأن تارك الصلاة ليس بكافر، أخذا برواية من ضمن أربع روايات أو خمس عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فيقول: تارك الصلاة ليس بكافر، لأنه لا يعلم على مر التاريخ رجل ترك الصلاة لم يقبر في مقابر المسلمين، أخذوه على ظاهره، ولأنه لم يعلم تارك صلاة لم يقسم إرثه. وهذا كالإجماع، هكذا يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى وغفر له. «والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم»، مع أن تارك الصلاة من المسائل الخلافية بين أهل العلم، من المسائل الخلافية بين أهل العلم. فالحاصل أن هذا الباب، باب الاستثناء، قائم على مسألتين: المسألة الأولى أن العمل من الإيمان، فمن أنكر العمل أنكر الاستثناء. والمسألة الثانية: إنكار زيادة الإيمان ونقصانه، فمن لم يقل بزيادة الإيمان ونقصانه فإنه يقول إنه لا يجوز الاستثناء. وهذا ضلال وبدعة، خالفوا فيها سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، خالفوا فيها الصحابة والتابعين والأئمة رحمهم الله تعالى وغفر لهم. هذا خلاصة ما يقال في هذه المسألة، ولنا عود إليها أو إلى طرف منها عند الكلام على المرجئة، وهم أول طائفة بدأ بهم الإمام في هذا الموضع، لأنه سيذكر جماعة أو طائفة من الفرق الضالة، بدأها بالمرجئة وختمها بالخوارج. هذا، ونسأل الله جل جلاله أن يوفقنا لطاعته، ويهدينا، ويعيننا على رضاه، إنه جواد كريم.