شرح الباعث الحثيث 1

الدرس في شرح الباعث الحثيث 1، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تقديم كتاب الباعث الحثيث وموقف ابن كثير من الأشعرية

استهل الدرس بتقديم كتاب «الباعث الحثيث» لابن كثير بوصفه اختصاراً نافعاً لعلوم الحديث، مع بيان أسمائه ومكانته. ثم تطرق إلى علاقة ابن كثير بابن تيمية والمزي، ونفى انتسابهم للمذهب الأشعري مستعرضاً أطوار أبي الحسن الأشعري الثلاثة من الاعتزال إلى السنة.

عقيدة ابن كثير السلفيّة ومنهجه في مصطلح الحديث

أكد المحاضر على سلامة عقيدة ابن كثير واتباعه لمنهج السلف الصالح، مبيناً اهتمامه بعلم مصطلح الحديث ورغبته في تأليف مختصر مستنداً إلى «علوم الحديث» لابن الصلاح، مصححاً التسمية الشائعة الخاطئة بـ «المقدمة».

مصادر ابن الصلاح ومنهجه في علوم الحديث وتطور أنواعه

فصل المقطع في مصادر ابن الصلاح لكتابه «علوم الحديث» من مؤلفات الحاكم والرامهرمزي والخطيب، ومنهجه في الاختصار والترتيب محدداً خمسة وستين نوعاً، ثم زيادة السيوطي لها إلى أكثر من مئة، مع إيضاح لغوي لمعنى «الحذاء» في صلاة الجماعة.

خاتمة الدرس: تعريف الوكس والشطط وتعداد أنواع الحديث

اختتم المجلس بتعريف مصطلحي «الوكس» و«الشطط» بأنهما الزيادة والإسراف، ثم الإشارة إلى تعداد أنواع الحديث، وختم بالصلاة على النبي ﷺ وآله وصحبه والشكر للحضور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. هذا كتاب اختصار علوم الحديث للإمام الحافظ، السلفي، المعروف بابن كثير رحمه الله تعالى وغفر له، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى وغفر له. يختصر في هذا الكتاب كتاب علوم الحديث للحافظ أبي عمر عثمان الشهرزوري رحمه الله تعالى وغفر له. وهذا المختصر من الكتب المبتدئة والمتوسطة أيضًا، النافعة لمن أراد أن يفهم علم أصول الحديث وعلم مصطلح الحديث. فيه بركة، وفيه خير كثير. جُرِّب ذلك في هذا الكتاب، كتاب «الباعث الحثيث». وجد في بعض النسخ الخطية اسمه «الباعث الحثيث»، وفي بعضها «شرح اختصار علوم الحديث». والأمر سهل في هذا الأمر؛ التسمية أمرها سهل. كان يُظن أن التسمية للعلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، لكن يوجد في بعض الأصول الخطية قبل أن يوجد العلامة أحمد شاكر اسم هذا الكتاب، فكأنه كتاب عرف بذلك، أو سماه به ابن كثير، أو عرف بذلك في زمن من الأزمنة. والتسمية أمرها سهل، فحيثما كان القصد؛ القصد فهم المادة والعلم أكثر من غيره. والقراءة من الكتاب أفضل، فينبغي الحرص على اقتناء الكتاب ليعلم. وابن كثير رحمه الله أحد تلامذة الإمام ابن تيمية، وهو زوج بنت الحافظ المزي أبي الحجاج، وكلهم من أهل السنة والجماعة، من أتباع السلف الصالح. لهذا امتحن ابن كثير في حياته رحمه الله، فكان يُقال عنه إنه «تيمي»؛ أي من أتباع ابن تيمية، وكان يقول لهم: «أنا أشعري». وكذلك أبو الحجاج المزي، كان امتحن في حياته، فكان يقول لهم: «أنا أشعري». وكان الأشاعرة كأبناء السبكي ونحوهم يردون ذلك ويقولون: «لستم بأشاعرة». وكلا الفريقين صادق في كلامه، كلا الفريقين صادق في دعواه. فأبو الحسن الأشعري العلامة النظار المتكلم المعروف مر بأطوار ثلاثة: الطور الأول كان على عقيدة المعتزلة، فإنه نشأ في حجر أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، وبقي على ذلك أربعين عامًا. ثم اطلع على بعض كلام الكلابية ونحوهم، فترك كثيرًا من أصول المعتزلة، ورجع عن الاعتزال، وأخذ بأصول ابن كلاب من إثبات السبع الصفات ونحو ذلك. والأشاعرة الأوائل كانوا أفضل من المتأخرين، فإنه بعد زمن أبي المعالي الجويني دخل في الأشاعرة أمور لم يكن عليها أبو الحسن الأشعري في طوره الثاني. الطور الثالث: لما لقي أبو الحسن الأشعري رحمه الله الإمام الحارث، أحد أئمة السلف وأئمة الحنابلة في بغداد، فلقيه وقرأ عليه كتب الإمام أحمد رحمه الله وغفر له، وانتفع بها انتفاعًا عظيمًا، وقرأ أيضًا كتب الإمام أحمد، ثم ألف «الإبانة» والرد المسمى «رسالة إلى أهل الثغر» ونحوها من الكتب، وهي في الأصل كتب قرر فيها كثيرًا من مذاهب أحمد بن حنبل، بل صرح فيها أنه على طريقة الإمام أحمد بن حنبل. ووقع له شيء خفي عليه رحمه الله، كما نبه عليها. هذه الفائدة ذكرها ابن كثير نفسه في كتاب «طبقات الشافعية»، وعنه ينقل الناس، وذكرها غيره أيضًا. فابن كثير عندما يقول: «أنا أشعر»، المراد في الطور الثالث؛ أي أشعر على ما خرج به أبو الحسن الأشعري في آخر عمره من عقيدة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وكذلك كلام المتأخرين، ومن نظر في كتبهم رأى ذلك عيانًا؛ فإنهم يحكون بعض أقوال الأشاعرة وينسبونها إلى أهل البدع، ويقولون: «وربما قال ابن كثير... وقد ذكر فلان أن فلانًا قال ببدعة كذا». والكلام للأشاعرة، رحمهم الله، غفر الله للجميع ورحمهم، فهم مسلمون وإن كانت الطريقة غير مرضية. فالشاهد: الإمام ابن كثير، كما سنرى في آخر البحث، صحيح على عقيدة السلف رحمهم الله في كتابه التفسير وفي غيره من كتبه رحمه الله وغفر له. يقول في النسخة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخنا الإمام العلامة مفتي الإسلام، قدوة العلماء، شيخ المحدثين، الحافظ المفسر، بقية السلف الصالحين، عماد الدين، أبو عبد الله، أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الشافعي، إمام أهل الحديث والتفسير بالشام المحروس، فرج الله للإسلام والمسلمين في أيامه، وبلغه في الدارين أعلى قصده ومرامه. الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فإن علم الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام قد اعتنى بالكلام فيه جماعة من الحفاظ قديمًا وحديثًا، كالحاكم والخطيب، ومن قبلهما من الأئمة، ومن بعدهما من حفاظ الأمة، اعتنوا بعلم قواعد الحديث وتدوينه. وهذا العلم من العلوم المهمة التي يظهر فيها قوة الدليل، وصاحبه يكون قوي الحجة، كما قال الشافعي رحمه الله: «من حفظ الحديث قوية حجته». فمذاهب الحديث أقوى المذاهب وأولاها بالصواب، مذاهب أهل الحديث؛ لأن حجتهم قوية، وحجة غيرهم فيها تأمل عند أهل الحديث، ونقدهم شديد وصواب في غالب الأحوال. ولهذا قال الشافعي لأحمد رحمه الله: «أنتم صيادلة الحديث، فإذا صح الحديث فأخبروني به أو أخبرونا به حتى أفتي به» رحمه الله. وكان الشافعي أيضًا من أئمة الحديث رحمه الله تعالى وغفر له. قال: ولما كان من أهم العلوم وأنفعها، أي علم الحديث، من أهم علوم الشريعة ومن أنفع علوم الشريعة، علم قواعد وأصول الحديث النبوي، أحببت أن أعلق فيه مختصرًا نافعًا، جامعًا لمقاصد الفوائد، ومانعًا من مشكلات المسائل الفرائد. وكان الكتاب الذي اعتنى به من كثير من محقق أهل العلم، فهو يريد أن يجمع كتابًا وصفه بأنه جامع، بأنه جامع لمقاصد الفوائد. أصول علم الحديث تجدها في هذا الكتاب، أصول قواعد علم الحديث لمن أراد ضبطه موجودة في هذا الكتاب، وفيه أيضًا الجواب عن المشكلات، ومانعًا من مشكلات المسائل الفرائد. وكان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشيخ الإمام العلامة أبو عمر بن الصلاح تغمده الله برحمته، من مشاهير المصنفات في ذلك بين الطلبة لهذا الشأن. اسم كتاب ابن الصلاح «علوم الحديث». كتاب ابن الصلاح ما اسمه «علوم الحديث»، واشتهر عند المتأخرين غلطًا بـ «المقدمة»، مقدمة ابن الصلاح. وهذا اسم غريب لا يعرفه أهل العلم الأوائل. المعروف في تسمية كتاب ابن الصلاح أنه «علوم الحديث». وأما تسميته بالمقدمة فهذا جرى عليه بعض المتأخرين وليس معتمدًا. هذا الكتاب ليس مقدمة، بل هو جامع لأصول الحديث. لخصه ابن الصلاح من كتاب الحاكم «المعرفة»، ولخصه من كتاب الرامهرمزي «المحدث الفاصل»، ولخصه من كتب الحافظ الخطيب البغدادي، وكان يمليه إملاء على طلابه رحمه الله تعالى وغفر له. وأبو عمر بن الصلاح من أئمة السلف، أهل السنة والجماعة، رحمه الله تعالى وغفر له. من مشاهير المصنفات في ذلك بين الطلبة لهذا الشأن، وربما عني بحفظه بعض المهرة من الشبان. هذا في ذاك الزمان، في زمان الهمم العالية، يأتي إلى كتاب مثل ابن الصلاح «علوم الحديث» مجلد، فمن شدة إدمان القراءة والنظر في هذا الكتاب يستظهر الكتاب، يحفظه، سبحان الله! لهذا وصفهم ابن كثير بأنهم مهرة، أي بلغوا في العلم درجة، وفي المهارة منزلة، رحمهم الله. لكن الهمم تقاصرت اليوم، ربما قلت الهمم عن طلب العلم، فكيف بحفظه؟ نسأل الله السلامة والعافية والعون من الله عز وجل والإعانة. قالوا: ربما عني بحفظه بعض المهرة من الشبان. «سلكت وراءه» أي خلفه وحذاءه، تتبعت ألفاظه، «واحتذيت حذاءه» أي مشيت على ما مشى عليه. يقال في حديث ابن عباس: «فجعلني حذاءه». إيش معنى «فجعلني حذاءه» في صلاة الليل؟ قال: فجعله، قال صلى الله عليه وسلم... قال ابن عباس رضي الله عنه: «فجعلني حذاءه» أي بجواره، الرجل بالرجل. بعض الناس عندنا الآن في هذا البلد يقول: لا يتقدم شوية ويرجع الثاني شوية، وهذا لا أصل له من ناحية الدليل. حديث ابن عباس: «فجعلني حذاءه»، إذا صلى الإمام والمأموم يكون الإمام والمأموم على خط واحد، لقول ابن عباس: لما أخذ قال: «فأخذ بأذني فوقفني عن يمينه، ثم جعلني حذاءه»، فقمت حذاءه أي متساويين. «احتذي» قال: «واحتذيت حذاءه» أي تبعته، حذو القذة بالقذة في مسلكه ومشيه. «واختصرت ما بسطه» أي الذي توسع فيه، البسط: التوسع. «ونظمت ما فرطه» أي ما نثره وتناثر فيه الكلام، كان يكون البحث هاهنا ليس متكاملًا، فأجمع هذا الكلام مع هذا الكلام لأخرج في موضع واحد، في بحث واحد، بكلام واحد، دون التكرار، كما سيأتي معنا فيه. لو قرئ كتاب «علوم الحديث» في بعض المواضع فيها نوع تكرار لبعض العبارات؛ لأنه كان يمليه إملاء. قال رحمه الله: «ونظمت ما فرطه». وقد ذكر من أنواع الحديث خمسة وستين، وتبع في ذلك الحاكم أبا عبد الله الحافظ النيسابوري، شيخ المحدثين، إمام مشهور. وأنا بعون الله أذكر جميع ذلك مع ما أضيف إليه من الفوائد الملتقطة من كتاب الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي المسمى «المدخل إلى كتاب السنن»، وقد اختصرته أيضًا بنحو من هذا النمط، من غير وكس ولا شطط، والله المستعان وعليه التكلان. علوم الحديث بعد ذلك زادت حتى أوصلها السيوطي رحمه الله إلى أكثر من مئة نوع. أوصل السيوطي رحمه الله أنواع الحديث إلى أكثر من مئة نوع، والأنواع بعضها فيه تداخل. ابن الصلاح جعلها خمسة وستين نوعًا، خمسة وستين نوعًا، والسيوطي بعد ذلك وجد أنواعًا أخرى زيدت فزادها حتى زادت على المئة، والأمر في ذلك يسير، الأمر في ذلك يسير. وزاد بعض المعاصرين مثل الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله نوعًا أو نوعين، والأمر في ذلك سهل. قال: «من غير وكس ولا شطط». الوكس: هو النقصان. الوكس: الشطط: الزيادة والإسراف. من غير وكس ولا شطط. قال: «ذكر تعداد أنواع الحديث». نقف ها هنا، فإذا كان لكم شيء وإلا وقفنا ها هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. شكرًا.