شرح أعلام السنة المنشورة  109

شرح أعلام السنة المنشورة 109

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 109، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دليل الميزان من السنة النبوية والرد على المبتدعة

يتناول المقطع مسألة الميزان يوم القيامة من منظور السنة النبوية ويرد على آراء المبتدعة. يؤكد أن الله قادر على جعل الأعمال أجسامًا توزن مستدلًا بأحاديث نبوية.

أقوال العلماء في الموزونات يوم القيامة وتفسيرها

اختلف العلماء في ما يوزن يوم القيامة على ثلاثة أقوال واستدلوا بأحاديث نبوية تشير إلى ذلك. الأقوال تشمل أن الموزون هو الصحائف أو الأعمال نفسها أو الأعيان.

كيفية وزن الأعمال يوم القيامة والعبرة بها

يشرح كيفية وزن الأعمال يوم القيامة ويبين أن العبرة ليست بالمظاهر بل بالأعمال الصالحة. الميزان يوم القيامة يوزن فيه العمل الصالح وليس الأشخاص أو المظاهر الخارجية.

ختام الدرس والدعاء بالقبول والصلاة على النبي

يختتم الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل فيه ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يشدد على أهمية الدعاء والصلاة على النبي في ختام المجالس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل ذلك وصفته من السنة؟ الإشارة هنا، إخواني في الله، في قول المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل ذلك، الإشارة تعود إلى مسألة الميزان، والذي قد جاءت الأدلة الكثيرة في بيانه وفي حقيقته. فقال: ما دليل ذلك وصفته من السنة. الفقر السابق كان الكلام حول مسألة الميزان من حيث النظر في كتاب الله جل وعلا، والآن سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه المسألة من خلال النظر في السنة المطهرة. ومضت معنا مسائل متعلقة بالميزان، ومما يهمنا في هذا الباب أيضًا أن يذكر: هل هذا الميزان حسي أم معنوي؟ هل هو حسي أم معنوي؟ نازع المبتدعة في حقيقة الميزان، وخاصة المعتزلة، ذهبوا إلى أن الميزان ليس بميزان حقيقي، ليس عندي ميزان حقيقي، تنصد موازين أجسام، لا، ما عندي هذه أجسام. ولماذا استبعدوا؟ منهم من علل بأن الله جل وعلا لا يحتاج إلى موازين، وإنما الموازين يحتاجها أهل الدنيا لكي يزنوا الأعمال، فربنا سبحانه وتعالى ما يحتاجها لشيء عينه في وزن أعمال العباد، هذا قول منهم، وطائفة، وهذا الأكثر، أنكروا الميزان بحجة عقلية. قالوا: إن الأعمال هي عبارة عن معاني، عبارة عن صفات وأوصاف، فهذه الصفات والمعاني كيف توزن؟ الحسنة، أنت الآن عملت عملًا صالحًا، فهذا العمل الصالح، أجر العمل الصالح، ثواب العمل الصالح، خير، الأجر والخير والثواب، هل هو وزن يوزن؟ قالوا: هذه معاني، هذه معاني وصفات، والأوصاف لا توزن، إنما الوزن للأجسام. وهنا استبعدوا من حيث الناحية العقلية، فقدموا العقل على النقل، قالوا: الميزان ليس له وجود. فإذا ناقشناهم، مثلًا، فما تقول في الآيات الموجودة بأن الله نصب الموازين ووضع الموازين؟ قالوا: المقصود هنا الميزان بالعدل، وضع الموازين أي وضع العدل، ربنا يزن الأعمال بالميزان، أي يزنها بميزان العدل. فقالوا: كلمة الميزان أينما عثرت عليها اجعل بين قوسين "عدل"، هذا هو الميزان، ما عندي ميزان حقيقي، فالميزان معنوي، وهو إقامة العدل، أما ميزان فلا. وكما قلنا، وهذا قول المبتدعة، أهل السنة والجماعة أجابوا على هؤلاء بكلمة واحدة: إن الله على كل شيء قدير. فربنا سبحانه وتعالى قادر، قادر على أن يجعل الصفات والأعراض والمعاني أن يجعلها أجسامًا بقدرة الله سبحانه وتعالى. وقد مر معنا، إخواني، ونحن في خضم الدخول في مسائل اليوم الآخر، نبهنا على مسألة وهي أننا إذا دخلنا إلى مسائل الإيمان باليوم الآخر، فليعلم أن هذا الباب لا يستخدم فيه العقل ولا يستخدم فيه القياس، لأننا ننتقل إلى عالم آخر، عالم آخر ليس عالم الدنيا. الأقل سيجعلها في دنياك، هنا، عندما تدخل إلى عتبات الدار الآخرة، اجعل العقل خلفك، لأن ما سيأتيك أمر من العجائب والغرائب لا يطّلع عليه بفكر عقلك. الملاحدة أنكروها، كيف تبعث الأجساد؟ فأنت كيف تقول يا معتزلي، كيف سترد على هؤلاء الفلاسفة أو الملاحدة الذين ينكرون البعث؟ قل: الله، ربنا على كل شيء قادر، سبحان الله. فلتكن هذه حجتك في كل مسألة: الحوض، الميزان، بطاير الصحف، كل هذه مسائل، ربنا سبحانه وتعالى قادر على فعلها للعباد، لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. فربنا جل في علاه يجعل الأعمال وهي معاني وأوصاف يجعلها أجسامًا. تذكرون ما مر معنا في حديث البراء بن عازب: إذا كان الميت في قبره مؤمنًا كان أو فاجرًا، ما الذي يظهر عليه في قبره؟ المؤمن يظهر على قبره، ويأتي إلى قبره رجل أبيض الوجه والثوب، طيب الريح، فيقول: مؤمن، أبشر، من أنت؟ من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بخير، ماذا يقول؟ قل: أبشر، أنا عملك الصالح، عمل جعله ربنا سبحانه وتعالى على حالة جثمان إنسان. وأما الكافر والفاجر، فيأتي إليه رجل أسود الوجه، أسود الثوب، كريه المنظر، كريه الريح، فيقول: هذا المنافق والفاجر والكافر، من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بالشر، قل: أبشر، أنا عملك السيء. فالعمل يحوله ربنا عز وجل إلى أجسام. هل هذا يعجز الله جل وعلا؟ ما يعجزه شيء سبحانه وتعالى. كذلك الموت، الموت ما هو؟ هل منا أحد رأى الموت يمشي هنا؟ يقبض روح فلان ويمشي، الموت يأتي، ولو كنا ألوفًا، يأتي الموت، يتسلل من بيننا، يقبض الروح ثم ينصرف، ما أحد منا رأى الموت، معنوي من الصفات والمعاني. ولكن يوم القيامة يجعله ربنا على هيئة كبش، على صورة حيوان، يؤتى به في قنطرة بين الجنة وبين النار، ينادى: يا أهل الجنة، يا أهل النار، أتعرفون هذا؟ يعني يعرفونه، هو الموت، فينحر، يا أهل الجنة خلود بلا موت، ولا أهل النار خلود بلا موت، من أي سيأتيك الموت وقد قضي الموت؟ قضي هذا موت جعله ربنا سبحانه وتعالى جسما من الأجسام. فلهذا، المسلم، إخواني في الله، لا يقحم عقله في كل شيء، وخاصة في مسائل الشرع والدين. لكن إن تعجب، فعجبٌ لأمثال هؤلاء، وهذا الفكر العقلاني الذي دائمًا يحرك العقل في مسائل الدين، يأتي بمسائل الدين ويجعلها على ميزان العقل والواقع، وافق العقل، وافق الواقع، قلنا به، ما وافق الواقع رددناه. لكن إن تتبعت هؤلاء، تجد أن هؤلاء أمرهم عجبًا، أن عندهم تعظيم لأهل الكفر ولأهل الشرق أشد من تعظيم بآيات الله وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام. لو ربما بعض هؤلاء من العقلانيين، إن سألتهم ما يتعلق بعالم الجن، قال: إيش جن؟ أنت تؤمن بجن؟ أنا ما أؤمن بجن، هذا ما يذكر عن الجن، ما الجن؟ هي عبارة عن أرواح مؤمنة، ما عندي كائن أسمه عالم جن، ما عندي. فيؤول مسألة الجن بحجة أن الواقع لا يشاهد هذا. لكن هؤلاء، قل لهم: طبعًا، تقول يا عبد الله: بالمكوك الفضائي، وأنا أقول: ناس في المريخ يعيشون، وهذه تأتي سفن فضائية، تقول: ننكرها؟ لا، والله، العلم دلل عليها، ما من علم دلل عليها، ما من علم، علم الكفرة. فلما تأتيهم بحجج أهل الكفر يخضع لها، يجنح لها، وعندما تأتي لأدلة القرآن والسنة يركب عليها، ما يبالي بها، يردها. سألوا: يا عبد الله، ما تقول في دينصورات؟ أي دينصورات هذه عوالم؟ يأتي بفلسفة: أين هي؟ يقول: اندثرت، جاء نيزك من الخارج وقضى على الحياة كلها. طب وكيف أبو عثمان مرة ثانية؟ المهم، طب ما دليلك على الدينصورات؟ ربما دليله قال: الفيلسوف الفلاني، وقال علماء الآثار، يستند ويتكئ على علماء الكفر، المكوك الفضائية وأشياء كثيرة جدًا، تجد أن بعض ربما إذا جاءه الأمر من الغرب ومن الشرق من أهل الكفر يخضع ويجنح، لو ربما قبل. لكن تأتي الأدلة من القرآن والسنة، لو ربما يصب عنها، يشغل عقله، قوته، شطارته، تفكيره، إنما ينصب على أدلة الكتاب والسنة، أما على قواعد وقوانين وآراء، ولو كانت كاذبة، مفتراة من الغرب، ما يستطيع أن يخرج بنت شفة، ينطق أمامهم، خوف من هؤلاء، حتى لا يقال له: رجل متخلف. لا، يا عبد الله، اتق الله في شرع الله سبحانه وتعالى، إن كان من تعظيم فلشرع الله. وأما أدلة الغرب، فهم في التجار يصدقون، يكذبون، هذه دنياهم، الله بأخبارهم، لأن نعلق عليهم الأمان. لكن يا عبد الله، العمد في كتاب الله، فما أخبر به الرب سبحانه وتعالى، قل به، وإن كنت يا عبد الله ترى أن الواقع لا يوافق ذلك، ترى أن العقل ما يمكن أن يتأمل في هذا، فدع العقل ودع الواقع في وادي، والقول يا عبد الله ما قاله الله وقاله رسوله. زد على ذلك يا عبد الله، أن هذه المسألة التي نحن بصددها، وهي تحويل المعاني إلى أشياء محسوسة، الآن قد جُرِّب هذا في العصر الحديث، إذا أرادوا العقل والتجارب، وجد هذا. تجد الآن في بعض المستشفيات الكبرى، بإمكان الحالات النفسية، حالات نفسية ليست عضوية، نفسية، أصبح لها أجهزة، يظهر الحالة النفسية بمؤشرات، مؤشر يظهر، يجسم الحالة النفسية بشيء محسوس، بارتفاع، بنزول، ارتفاع ونزول، إيش هذه الحالات النفسية؟ الأرق والقلق، أصبحت الأمور النفسية وهي معنوية، صفات، أصبحت عند بعض المعاصرين يمكن تحويلها إلى أجسام. الآن، لو جئت لأصحاب الفلسفة، يقول: نعم، يمكن، سبحانه، الآن يمكن، بأن هؤلاء لما قالوا بإمكانية البشر أن يجعلوا الأشياء الصفاتية والمعنوية أشياء محسوسة، صدقت، لما قلت لكم في كتاب الله أن الله يجعل الأعمال أجسامًا، أنكرت. فاتق الله، يا عبد الله، يا من يعظم العقل هذا التعظيم، بل هو والله تعظيم للغرب ولأهل الكفر، احمد الله يا عبد الله أن الله أعطاك هذا الدين. فالحاصل، إخواني في الله، فما نحن بصدده من ذكر الميزان، فهو ميزان حقيقي، يضعه ربنا سبحانه وتعالى للخلق. مرة معنا مسألة الميزان: هل هو ميزان واحد أو ميزان لكل أمة أو ميزان لكل شخص؟ على أقوال ثلاثة بين أهل العلم. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل ذلك وصفته من السنة؟ قال: أحاديث كثيرة، منها حديث البطاقة التي فيها الشهادتان. مسألة، واهتداءكم في هذا الدرس، اختلف العلماء في مسألة: ما الذي يوزن في الميزان؟ بغض النظر: ميزان واحد أو لكل أمة ميزان أو لك يا عبد الله لك ميزان خاص، على قول جماعة من أهل العلم. هذا الميزان الذي يوضع، ما الذي توزن عليه؟ العلماء لهم أقوال ثلاثة في الموزونات، ما هي؟ القول الأول: من ذهب إلى أن الذي يوزن هي الصحائف، صحائف الأعمال، كما قلنا: أعمالك لها صحائف تكتف فيها الحسنات وتكتف فيها السيئات، صحائفك توضع على الميزان، فتوزن هذه الصحائف، كيف هي؟ ومن ذهب إلى أن الصحائف التي توزن، استدل بهذا الحديث، قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث البطاقة التي فيها الشهادتان، وأنها ترجح بتسعين سجلًا من السيئات، كل سجل منها مدى البصر، رواه الترمذي وأحمد، حديث معروف، حديث عبد الله بن عمرو. أنه يؤتى برجل من هذه الأمة، فعل ما فعل من السيئات، حتى أن صحائف أعماله قد ملئت بالسيئات، جعلت سجلًا، صحائف، وكل سجل على مد البصر، وليس سجل واحد، بل تسعون سجلًا بالعشرات متراكمة، كلها في كفة الميزان، ثم يؤتى لهذا المسكين ببطاقة، يقول: هذه بطاقة لك، فتوضع في صحيفة حسناته. فهو يستغرق، وماذا عسى، وماذا عسى أن تفعل هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ إنك لا تظلم، فكما في الأثر، فيوضع هذه البطاقة في كفة، إذ بالسجلات الكبيرة تطيش في الهواء، تطير، فيذهب البطاقة، أشهد أن لا إله إلا الله، فيها كلمة الإخلاص، فلا يثقل مع اسم الله شيء، فلعظيم كلمة الإخلاص، وما كان من إخلاص الرجل مع ربه سبحانه وتعالى في أعماله وأقواله وأحواله، مع تقصيره، هو مقصر، لكن عنده إخلاص عظيم، فنفعته هذه الكلمة ونجته، ونجته من هذه السجلات التي ستذهب به في آخرته وتجعله في نار جهنم، لو لا أن تداركه رحمة الله، وبفضل هذه الكلمة العظيمة. هذا قول من يقول بأن السجلات هي التي توضع في الموازين. قال: ومنها قوله عليه الصلاة والسلام في ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده، لهما في الميزان أثقل من أحد. وهذا رواه الإمام أحمد بإسناد حسن. قال: وقال عليه الصلاة والسلام: إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة. وقال: اقرأوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، قال: وغير ذلك من الأحاديث. فهذان الحديثان، إخواني في الله، فيه بيان للقول الثاني: أن الذي يوضع على كفة الميزان هم الأشخاص، صاحب العمل، يؤتى برجل فيوضع هو بنفسه في كفة الميزان، يوزن، طبعًا وزنه حينها لا يتعلق بمدى اللحم والعظم والأعصاب والعظام الذي يمتلكها، لا، العبرة ليس بهذا، إنما العبرة بأعماله. ولهذا، ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، كان الصحابة يتعجبون من دقة ساقيه، كان له السيقان ضعيفة، نحيفة، بل ربما حتى أن الريح لو اشتدت سقط لضعف رجليه لنحافة رجليه، فكانوا يتعجبون من دقة ساقيه، فأخبرهم نبينا عليه الصلاة والسلام أن ساقي عبد الله بن مسعود لو وضعت في كفة فإنها تثقل عن جبل أحد، جبل، جبل كامل، يا عبد الله، ومع ذلك دقة ساقيه، ووزن الجبال، وذلك لقوة إيمانهم. وبالمقابل، يؤتى بالرجل العظيم السمين الكافر، ولا يجعل له ربنا سبحانه وتعالى وزنًا يوم القيامة، كأنه هباء منثورًا. فقال هؤلاء: إلى أن الأعمال إنما الميزان توزن به الأشخاص. القول الثالث، وهو قول من يقول بأن الميزان توضع فيه الأعمال. إذن القول الأول: السجلات، القول الثاني: صاحب العمل، القول الثالث: العمل، وهذا هو الراجح، الراجح أن الأعمال هي التي توضع في كفة الميزان. وأدلة الكتاب والسنة كثيرة في هذا الباب، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يرى، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يرى، إذن العبرة بالعمل، العبرة بالعمل، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله يضع هذه المثقال من ذرة من عمل، يضع في الميزان. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، هذا عمل يوضع كذلك. قال عليه الصلاة والسلام: ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن، هذا عمل. فالأدلة الكثيرة تذهب إلى أن العمل هو الذي يوضع. لهذا ذهب جماعة من العلماء إلى أنه يرى أن الميزان إنما توضع فيه الأعمال. وأن على من قال: إن الصحائف توزن، والأشخاص يوزنون، فلو وزن الأشخاص، ولو وزنت الصحائف، فالعبرة بما فيها من عمل، بما فيها من عمل، هذا هو الصحيح في المسألة، وهذا الذي جنح عليه جماعة من المحققين: أن وإن تنوعت هذه الموزونات، فإن العبرة فيها بأعمال العبد، العبرة بها بأعمال العبد. وفي هذا الحديث، إخواني في الله، وبين المقارنة بين عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وبين هذا الرجل السمين، كيف أن بن مسعود مع دقة ساقيه إلا أنه يزن عند الله أثقل من جبل أحد، وذاك الرجل الكبير الضخم السمين لا يزن عند الله شيئًا، فيها المعرفة إخواني في الله: أنك لا تغتر بالمظاهر، العبرة ليست بالمظاهر، العبرة بأعمال العبد. فرب رجل بين المسلمين تجده فقيرًا، تجده بائسًا، تجده ضعيفًا، تجده ليس له حسب وليس له نسب وليس له مهنة، لربما تجده حتى في مجتمعه يزدرى منه، يزدرى منه، لكنه عند الله عظيم. رب رجل أشعث أغبر ذو طمرتين، لو أقسم على الله لأبره، لعظم منزلته عند ربه، مع أنه في الدنيا لا شيء، عند الناس ما أحد ينظر إليه. فأنت يا عبد الله لا تحكم على الناس بالمظاهر، فلا تحتقر أحدًا، ربما آتاك الله علمًا، آتاك الله خلقًا، آتاك الله منصبا، آتاك الله فهما للشريعة، فلا تزدر عامة المسلمين، فرب رجل عامي عنده من أعمال السر ما الله به عليم، ما الله به عليم. وبالمقابل يا عبد الله لا تفخم الناس، فتقتر بأصحاب المسئوليات والمناصب والوجاهة، فإن لربما هؤلاء مع فخامة أمرهم وضخم جثمانهم، لكنهم عند الله ليسوا بشيء، ليسوا بشيء. وجاء في الحديث الذي جاء في صحيح مسلم في قصة الذي يتكلم في المهد، عندما كان صبيًا في المهد يرتضع من أمه، فمر رجل بأبهته وشارته. فإذ بالأم رمقت هذا الرجل بما عليه من مال وعزها، فقالت: اللهم اجعل ابني هذا مثله، تدعو تتمنى لابنها الخير، لكن بنظر الدنيا، إذا كبرت يا ابني بإذن الله، تدعو الله أن يكون مثل هذا الرجل، مال، منصب، جاء خدم، حشم. فإذ بهذا الصبي وهو رضيع ترك الثدي وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ورجع إلى ثديها، ثم لم تمض لحظات إلا ومر بأمه امرأة مسكينة تضرب، يضربها أهلها ويقولون عنها: سارقة، زانية، ويضربونها، فلما رأت الأم هذا المنظر، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، إيش هذه الشماتة؟ إيش هذه الحياة؟ يعني يبتذل مثل هذه الأم: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فترك ثديها وقال: اللهم اجعلني مثلها، فحينها ضاقت الأم، فتكلمت مع ابنها الرضيع، هو رضيع لكن يتكلم، فقالت: ما بك؟ ما بك؟ يعني أدعو لك بخير لا تريده، أدعو لك بترك الشر وتريده، ما بك؟ قال: أما ذاك الرجل فهو كافر، وأما هذه المرأة فإن يقال عنها: سرقت وما سرقت، زنت وما زنت، أي بريئة، بريئة، فهي مبرأة عند الله عز وجل، ولها منصف. فلعبد الله، فلا تقتر بالمظاهر، ولهذا انظر إلى بن مسعود مع دقة ساقيه، اللي ربما لا يؤبه به، ومع ذلك أمره عظيم عند الله سبحانه وتعالى. فلا تحقرن أحدًا يا عبد الله، الله أعلم بخلقه، الله أعلم بخلقه. فإن رأيت أحدًا يا عبد الله اعلم على شكر الله عز وجل على نعمائه عليه، ولا تحتقرن أحدًا، ولا كذلك تتعلق قلوبك بأحد، فالله الله عباد الله بالأعمال. وإن الله عز وجل إنما يحاسب العباد بأعمالهم، وهذه الموازين منصوبة تبحث عن عمالها لكي يعمروها بالأعمال. مرة، معناه: كلمتان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن، هذه أعمال، أكثر منها يا عبد الله، فإنها تثقل به موازينك. فهذا ما يذكر في هذا الدرس، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.