الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 47، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أذن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة بعد استقرار الأمن فيها، فبادر الصحابة بالهجرة جماعات وأولهم أبو سلمة. في المقابل، تآمرت قريش في دار الندوة على قتل النبي خوفًا من قوة المسلمين في المدينة.
اجتمعت قريش على قتل النبي باختيار فتى من كل قبيلة لضربه ضربة واحدة، وأقر الشيطان هذا الرأي. أخبر جبريل النبي بالأمر وأمره بعدم المبيت في فراشه، فخرج إلى أبي بكر نهارًا وأذن الله له بالهجرة.
بات علي على فراش النبي ورمى النبي التراب على المشركين المنتظرين، ثم خرج مع أبي بكر من خوخة البيت ولجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام. قصة نسج العنكبوت على باب الغار ضعيفة، بينما يثبت استئجار النبي للهادي عبدالله بن أريقط جواز الاستعانة بالكافر الأمين.
اختتم المعلم الدرس بالإشارة إلى أن معرفة الطرق الدقيقة لا تكون إلا للخبير، مؤكدًا أن ذلك يدخل في باب الأخذ بالأسباب المشروعة. أعلن الاكتفاء بهذا القدر واستكمال الباقي في درس قادم إن شاء الله.
الحمد لله، والحمد الكثير الطيب المبارك فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. مباب: قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي، رحمه الله تعالى، في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال: "تآمر أو الهجرة إلى المدينة". نعم، الهجرة إلى المدينة. قال: "وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، وذلك بعد ما مهد ووقع لهم تلك الفئة المؤمنة من الأنصار، وانتشر الإسلام في المدينة، فأصبحت المدينة مكانًا آمنًا لأن يهاجر إليه المسلمون، وهو أقرب من الحبشة". وقد هاجر، كما مر معنا، المسلمون الهجرة الأولى والهجرة الثانية إلى الحبشة. قال: "فبادروا إليها، وأول من خرج أبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة، ولكنها حبست عنه سنة، حبسها المشركون لما علموا بهجرتها، وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد هي ولدها إلى المدينة". وأصل خروج أبي سلمة مع زوجته في صحيح مسلم، وأخرج البغوي في "إسلام صحيح"، وذكر هذه القصة كذلك الحاكم في "مستدركه" بإسناد حسن عن الزهري مرسلًا، ولكن أصل هجرة أبي سلمة وأنه أول من خرج من مكة إلى المدينة ثابتة، وفي صحيح مسلم: قال: "ثم خرجوا أرسالًا"، يعني جماعات يتبع بعضهم بعضًا، أرسالًا يعني أفرادًا متتاليين متتابعين. قال: "ولم يبقَ منه بمكة أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي، وذلك بأمر من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا فأبو بكر من السباقين إلى الخير، ولو أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان أول من هاجر، رضي الله تعالى عنه وأرضاه". قال: "أقاما بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما، وإلا من احتسبهم المشركون قرحًا، يعني من آذاهم المشركون فضيقوا عليهم وعاقبوهم وتتبعوهم فلم يتمكنوا من الهجرة". قال: "وأعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جهازه، ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه". أي أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يهاجر مباشرة كما هاجر المسلمون، وإنما تأخر وجهز أمره، وأمر أبو بكر أن يجهز له الراحلة، فجهز أبو بكر الراحلتين: راحلة له وراحلة لنبي الله عليه الصلاة والسلام. هذا الذي ثبت في صحيح البخاري عن عائشة: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالهجرة، فأمر أبو بكر أن يجهز له راحلتين على أن تكون دينًا عليه، يعني على رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: "تآمرت قريش بدار الندوة على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودار الندوة هي الدار التي يجتمع فيها صناديد الكفر والشرك للتشاور". قال: "فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا بأهليهم إلى المدينة، عرفوا أن الدار دار منعة، يعني عرفوا أن المدينة دار منعة ومعنى دار منعة: دار عز وتمكن للمسلمين، فلا يستطيع أحد أن يغزوهم أو أن يستبيح بيضتهم أو نحو ذلك. فعرفوا أن الدار دار منعة، وأن القوم أهل حلقة وبأس، ومعنى أهل حلقة وبأس: مشهورين في القتال، مشهورين في القتال، فلا يستطيع أحد أن يقاتلهم، وإن قاتلهم أحد فهو المهزوم المغلوب. فخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: إذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وقد هاجر أصحابه، صارت لهم شوكة ولهم قوة ولهم دولة. فخافوا من ذلك المشركون، فاشتد أمرهم عليهم، فهم يخافون على سلطانهم وعلى مكانتهم وعلى سيادتهم، يخافون على ذلك، فاشتد أمرهم عليهم، فاجتمعوا في دار الندوة، وحضرهم إبليس بصورة شيخ من أهل نجد". وهذه التفاصيل، وهو حضور الشيخ ونحو ذلك، هذه لم تثبت بسند صحيح، وإنما يذكرها أهل السير، يذكرها أهل السير. وأصل اجتماع المشركين على قتل النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري، في صحيح البخاري، لكن هذه التفاصيل هي خارجة عن الصحيحين ولا تصح، هذه التفاصيل لا تصح، ولكن أصل القصة ثابت في البخاري: اجتماع المشركين على قتل النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "فتذاكروا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار كل منهم برأيه، والشيخ يرده ولا يرضاه، يعني الشيطان، إلى أن قال أبو جهل: قد فرقت لكم فيه برأي، فرق بمعنى سيكون هذا الرأي فارقًا وحاكمًا بينهم. قالوا: ما هو؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلامًا جلدًا، يعني قويًا، ثم نعطيه سيفًا صارمًا وسيفًا حادًا قاتلًا، ثم يضربونه ضربة رجل واحد. كل فخذ من قبيلة نختار منها شابًا، نختار منها شابًا من شبابها، نعطيه سيفًا حادًا قاتلًا، ويجتمع هؤلاء الشباب من جميع القبائل، من جميع القبائل، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، يهجمون على النبي الله عليه الصلاة حجمة رجل واحد، ويضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فمن سيطالب بني هاشم من هذه القبائل؟ فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع وما يمكنها معادة القبائل كلها، ونعطيهم ونعطيهم ديته، يعني نجمع لهم الدية وتعطى لهم، ولا يمكن أن يقتل هؤلاء الشباب جميعًا، وأن يطالب آباؤهم ومناف هذه القبائل جميعًا ويعادوهم". فقال الشيخ، يعني الشيطان: "لهذا ضرب، هذا والله الرأي". فتفرقوا على ذلك، تفرقوا على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "فأصل القصة التي في الصحيح: أنه اتفقوا على قتل النبي عليه السلام، أما هذا التفصيل لأنهم يريدون اختيار من كل رجل واحد، في الصياغة الحديثية لم يثبت ذلك بسند صحيح، والله أعلم". قال: "فجاء جبريل، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأمروا أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة، وهذا من نصح، ولذلك جعل عليًا ينام". وكان قال: "وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار، في ساعة لم يكن يأتيه فيها، متقنعًا، ومعنى متقنعًا: ساترًا وجهه، فأن القناع هو ستر الوجه بالخمار، ستر الوجه بالخمار حتى لا يعلم به أحد، ذاك متقنعًا حتى لا يرى وجهه أحد ولا يعلم به". هذا كله من باب الأخذ بالأسباب، من باب الأخذ بالأسباب. قال: "فقال: أخرج من عندك، يعني لا تجعل أحدًا معنا". فقال: "إنما هم أهلك يا رسول الله"، يعني أم عائشة وعائشة وأنا وإخوانها، فهم أهلك، لأن عائشة رضي الله تعالى عنها قد عقد عليها أبو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإذا قال: "إنما هم أهلك"، لا أحد غريب في البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد أذن لي في الخروج"، يعني الهجرة. فقال أبو بكر: "الصحبة يا رسول الله"، يعني تريد أن أصحبك. فقال: "نعم". فقال أبو بكر: "فخذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتين هاتين". فرح أبو بكر فرحًا شديدًا، هذا شرف وفضيلة ومنقبة ومزيّة لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولذلك ذكر في القرآن في سورة التوبة، ما هي الآية؟ ذكر بوصفك: "نعم، ثاني اثنين، إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن"، لصاحبه: ثاني اثنين هو أبو بكر، صاحبه هو أبو بكر. قال: "فقال: بالثمن"، وهذا قلنا في البخاري: معنى "بالثمن" يعني اجعله دينًا علي، اجعله دينًا علي. وكان أبو بكر من ذوي اليسار، من ذوي اليسار، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم بماله ونفسه وأهله، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولذلك كان أفضل الأمة بعد نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: "وآمر عليًا تلك الليلة على فراشه، واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير الباب، وصير الباب يعني الفتحة التي تكون في الباب، ويرصدون، ويريدون بياته، ويأتمرون أن أيهم يكون أشقاهم، يأتمرون يعني يمكرون، وكل يريد أن يكون هو الأول. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، فأخذ حفنة من تراب البطحاء، فذرها على رؤوسهم، يعني رماها على رؤوسهم ورؤيتهم، وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون". وهذه لا تصح أيضًا، لم ترد في الصحيح ولم تصح، هو أخذ التراب ورمى بذلك. قال: "وأنزل الله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾". قال: "ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في بيت أبي بكر تلك الليلة، والخوخة: كوة تؤدي الضوء إلى البيت، كما قال المفسر: مخترق ما بين كل دارين ما عليه باب، وأشبه الآن بالمنور هذا الذي يكون في جدار البيت، وكانت بيوتهم قصيرة السقف لا يعلونها كثيرًا، أي أشبه بالنافذة، كوة عندهم أشبه بالنافذة من أجل الضوء ومن أجل كذلك الهواء ونحو ذلك، فخرجا منها ليوهما القوم". قال: "فجاء رجل، فرأى القوم ببابه، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا. قال: حيتكم وخبتم، خبتم وخسرتم، فوالله قد مر بكم، وقد درّ على رؤوسكم التراب. قالوا: والله ما أبصرنا ما، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم". هذا تفصيل، الله أعلم بصحته. قال: "فلما أصبحوا، قام علي رضي الله عنه وعن الفراش، فسألوا عن محمد، فقال: لا علم. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور، فنسجت العنكبوت على بابه، وقصة العنكبوت كذلك لا تصح، العنكبوت والحمام ضعيفة، إن فيها منصف مصعب وهو مجهول، وهو مجهول، وفيها كذلك عون بن عمر منكر الحديث، وقد ذكر ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى في سلسلة الأحاديث الضعيفة، مع شهرتها ومع كذلك تحدث كثير من أهل السير بها، فهي لا تثبت أن العنكبوت نسجت على باب غار ثور كي ينصرف المشركون ولا يطمئنون إليه، هذا لا يثبت، وإنما حفظ ربنا عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أولئك، والله عز وجل على كل شيء قدير". قال: "وكان قد استأجر عبد الله بن أريقط الليثي، وكان هاديًا ناهضًا، وكان على دين قومه، وأمناه على ذلك، وسلم إليه راحلتيهما، ووعداه بالغار بعد ثلاث". وهذا ثبت وصح: استعانة النبي عليه الصلاة والسلام بعبد الله بن أريقط، وكان مشركًا، ولكن كان أمينًا، وأراد مالًا، وأراد كذلك شيئًا من هذه الدنيا، واستدل العلماء بهذا على الجواز بالاستعانة بالمشرك عند أمن، عند أمن الفتنة والمكر، إذا كان من أهل الأمانة ويؤمن أنه لا يغدر ولا ينكث ولا شيء من ذلك، فيجوز هذا بهذا الحديث. فاستأجره بأجرة، وكان هاديًا ماهرًا، يعني فريًا عالمًا بالطرق، عالمًا بالطرق. ومن أخذ الأسباب أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخرج من بيت أبي بكر ويهاجر مباشرة، وإنما خرج إلى غار، وهو غار معروف في مكة بالقرب من مكة، وهو أقرب إلى مكة، ففي هذه، وجلس فيه ثلاثة أيام، ففي هذه الأيام ذهب المشركون يبحثون، يظنون أن النبي مشى إلى المدينة، فبذلوا جهدهم وذهبوا في جميع الطرق لعلهم يظهرون على النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنهم لم يظهروا بشيء، الرسول صلى الله عليه وسلم لا يزال في الغار، فبعد هذه الثلاث، بعد هذه الثلاث، أصاب المشركين شيء من اليأس، والفرار في البحر، الفرار في البحر، وهذا من الأخذ بالأسباب، فذهب إلى غار، ووعدا هذا الهادي الخليط أن يأتيهما بعد ثلاث إلى الغار، فأخذهم ومشى بهما بطرق ليست مسلوكة، ليست مسلوكة، إنما طرق لا يعرفها إلا الخبير بالطرق، وهو كذلك، وهو كذلك، وهذا أيضًا من الأخذ بالأسباب. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله ما بقي في الدرس. الله أعلم، الله تعالى.