شرح مختصر سيرة الرسول 48

شرح مختصر سيرة الرسول 48

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 48، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحداث غار ثور وطمأنة النبي لأبي بكر

وصل المشركون إلى باب الغار فخاف أبو بكر، فطمأنه النبي بقوله: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» ونزلت آية السكينة. وفي الليل تولى عامر بن فهيرة وأسماء بنت أبي بكر نقل الأخبار والزاد مما أظهر معالم الرعاية الإلهية.

الخروج من الغار وبدء مسير الهجرة مع الدليل

مكث النبي وصاحبه ثلاثة أيام في الغار ثم انطلقا مع الدليل عبد الله بن أريقط وعامر بن فهيرة نحو المدينة. وفي الأثناء برز سراقة بن مالك طاردهما طمعاً في جائزة قريش المعلنة.

ملاقاة سراقة بن مالك ومعجزة غوص الفرس

لحق سراقة بالنبي وأبي بكر فدعا عليه النبي فساخت يدا فرسه في الأرض، فاستأمن سراقة وتعهد بكف الأذى ورد الطالبين. فدعا له النبي فنجا، وكتب له أبو بكر كتاب أمان في أديم فصار حارساً لهما.

إثبات صحة الرواية والاكتفاء بذكر الهجرة

أكد المتحدث ثبوت تفاصيل قصة الهجرة ولحاق سراقة وغوص الفرس وكتابة الكتاب، وقرر الاكتفاء بهذا القدر من الرواية دون استطراد. وهذا ختام ما تيسر ذكره من أحداث الهجرة النبوية الشريفة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وحمداً كثيراً طيباً مباركاً. أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول» صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وقد ذكرنا في الدرس الماضي، توقفنا عند خروج النبي عليه الصلاة والسلام مع صاحبه أبي بكر إلى غار ثور، وبحث المشركين عنهما. قال: وجدت قريش في طلبهما، أي البحث عنهما والقبض عليهما. قال: وأخذوا معهم القافة، وهم الذين يتبعون الأثر فيعرفون المار بأثره، يعني بموضع قدميه. قال: حتى انتهوا إلى باب الغار، أي غار ثور الذي فيه النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر. قال: فوقفوا عليه، يعني على هذا الغار، والله عز وجل صرفهم عن الدخول إلى الغار والبحث فيه. قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا. فقال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن، إن الله معنا». ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]. وهذا الحديث بقول أبي بكر: «لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا» إلى آخر الحديث، في الصحيحين. وفي هذا الحديث: شدة يقين النبي عليه الصلاة والسلام وثقته بربه سبحانه وتعالى، وفيه خوف أبي بكر على رسول الله عليه الصلاة والسلام. فانظر: هما في الغار، ويريان أقدام المشركين وهم يمشون من أمام فتحة الغار، لأنه قال: «لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه»، يعني لو أخطأ رأسه لرأى النبي عليه الصلاة والسلام وأبا بكر في الغار. قال: وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر يسمعان كلامهم. وأبو بكر في الغار... قال: وكان عامر بن فهيرة يرعى غنماً لأبي بكر، وكان مسلماً، ويتسمع ما يقال عنه بمكة، ويأتي النبي عليه الصلاة والسلام فيخبره. وفي الليل يأتي... ورأى النبي عليه الصلاة والسلام... يقول المشركون: وما يفعل المشركون؟ قال: ثم يأتي بالخبر ليلاً، فإذا كان السحر، السحر قبيل الفجر، سرح مع الناس، وكانوا يخرجون بعد الفجر مباشرة لرعي الأغنام. قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، يعني أسرع الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، والجراب هو مثل القربة. فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، والنطاق هو ما تشد به المرأة وسط ثوبها بشقة ونحوها، فقطعت من نطاقها، يعني شقت من هذا النطاق قطعة، فأوكت به على جراب، يعني عصبت به على جراب. قال: وأخذت الأخرى عصابة للقربة، فبذلك لُقبت ذات النطاقين، والحديث كذلك في الصحيحين. انظر: جميع آل أبي بكر في خدمة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو بيت مناصر، وكذلك محب للدعوة والإسلام ولرسول الله عليه الصلاة والسلام. فأبو بكر يجهز الراحلتين، وأسماء بنت أبي بكر تجهز كذلك ما يحتاجانه في هذه الهجرة، وتضحي أسماء بنطاقها فتقطعه نصفين وتشد به الجراب والقربة كذلك. قال: ومكثوا في الغار ثلاثة أيام حتى خمدت نار الطلب، يعني حتى يئس المشركون وأيسوا من عدم الحرص على الطلب والمتابعة. وقال: فجاء عبد الله بن أريقط بالراهلتين فارتحلا، أي الدليل، فالعارف الخبير بالطرق. قال: وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة، يعني أن راعيه هاجر معه، والنبي عليه الصلاة والسلام على راحلة. لما تقدم: جهز أبو بكر راحلته، راحلة للنبي عليه الصلاة والسلام وراحلة له، فراحلة أبي بكر أردف خلفه راعيه عامر بن فهيرة. قال: قصة سراقة بن مالك. قال: فلما يئس المشركون منهما، جعلوا لمن جاء بهما دية، كل واحد منهما، والدية هي مئة من الإبل، مئة من الإبل. يعني جعلوا هذه الجائزة: من جاء بهما جعلوا له دية، يعني مئة من الإبل بكل واحد، لمن يأتي بهما أو بأحدهما. فجد الناس الطلب، والله غالب على أمره، تشجع الناس، أرادوا هذه الجائزة. فلما مروا بحي مدلج، مضطجعين من قديد، وقديد على طريق الساحل، وهي معروفة اليوم على طريق مكة إلى المدينة، يعني طريق المدينة الساحل، ليس هذه الطريق الآن التي يسلكها الناس، إنما هي طريق بعيد أخرى. وكما ذكرنا أن هذا الدليل العريف لم يسلق بهما طريق الجادة، إن طريق الجادة مسلوكة ومكشوفة، وإنما ذهب بهما من طريق الساحل، طريق جدة. فلما كانوا في هذا الموضع، أبصرهم رجل، فوقف على الحي، فقال: لقد رأيت أخيافاً سوداً، ما أرى إلا محمداً وأصحابه. وأخياف: أي أشخاص، أشخاص دون أن يميزهم، مثل ما ترى شيئاً بعيداً تراه يتحرك لكنه لا يُعلم ولا يُحدّ، منه ما تستطيع أن تُحدّده. فقال له: ما أرى إلا محمداً وأصحابه. ففطن للأمر سراقة بن مالك، فأراد أن يكون الظفر له، يريد الدية، وقد سبق له من الظفر ما لم يكن فيه شيء، وجد ما هو أعظم من هذا، فقد وُعد بشيء من كنوز كسرى وقيصر، وأُعطي ذلك في عهد عمر رضي الله تعالى عنه. فقال: بل هما فلان وفلان، يعني قال لهذا الرجل: الله أنت، ما أصبت، هذا الذي هو جار ليس محمداً وصاحبه، وإنما هو فلان وفلان، أناس آخرون. قال: خرج في طلب حاجة له، يعني أن هذا فلان وفلان خرج في طلب حاجة. ثم مكث قليلاً، يعني انتظر قليلاً سراقة بن مالك، ثم قام فدخل خباءه، يعني خيمته أو بيته، وقال لجاريته: أخرجي بالفرس من وراء الخباء، يعني لا يرى أحد هذا الفرس، وموعدك وراء الأكمة، يعني تواعد مع جاريته في إخراج فرسه وراء الأكمة، وكان مرتفعاً. ثم أسرج فرسه، وأخذ زمامه، وأخلى سبيله، يخف به الأرض حتى ركب فرسه، يعني لم يسمع أحد في مشيه. قال: فلما قرب منه، أخذ فرسه ومشى نحو هذا الشاخص، ونحو هذا الأثر. فلما قرب منه وسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر يكثر الالتفات، وهذا كذلك من شدة حرصه رضي الله تعالى عنه على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت، ساكنا، يمشي ولا يلتفت. ولا جد، وأبو بكر من شدة خوفه وحرصه على النبي عليه وسلم كان يكثر الالتفات. قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، هذا سراقة بن مالك قد حاقنا، ومعنى قد حاقنا: يعني قرب منا، صار قريباً منا. عرف أبو بكر، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا على سراقة، فساخت يداه، فساخت يدا فرسه في الأرض، يعني غاصت يدا مقدمة فرسه في الأرض. فقال: قد علمت أن الذي أصابني بدعائكم، عرف أن هذا من دعاء نبي عليه الصلاة والسلام، حتى لا يظفر بهم ولا يقترب منهما. فقال سراقة: ادعُ الله لي، أنا لا أبلغ عنكما، ولا أغدر عليكما، وإنما أريد أن تنفعوا لي، وأن أرد الناس عنكما، يعني كلما وجدت أحداً قلت له: لا تسرِك هذا الطريق، فقد كفيتك. قال: فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلصت يداه، فرسه، فانطلق. وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاباً، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم، الأديم كما ذكر هنا: جلد مدبوغ، كان عندهم مثل هذه الأوراق، ويكتبون في الأديم وفي أوراق الشجر ونحو ذلك. وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة، فجاء به، فوفّى له رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أسلم إما بعد... فرجع، فوجد الناس من طلب، فجعل يقول: قد استقرأت لكم الخبر، يعني استطلعت على الخبر، وقد هجتُكم هاهنا، يعني قد مشيت في هذا الطريق ولم أجد أحداً، فعما على المشركين. فكان أول النهار، أو أول النهار، جاهداً عليهم، يعني باحثاً عنهما بجد واجتهاد، وكان آخره، آخر النهار، حارساً لهم، حارساً لهم. هذا من رعاية الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام. وقصة سراقة هذه أصلها في البخاري، ولكن بعض هذه التفاصيل التي ذكرتها هنا ليس فيها... بعض التفاصيل التي ذكرتها هنا ليس فيها، لكن أصل القصة، وكذلك لحاق سراقة النبي عليه الصلاة والسلام، وغاصت رجلا الفرس في الأرض، كل هذا ثابت، وكذلك كتابة الكتاب، هذا كذلك ثابت في هذه القصة. طيب، نكتفي بهذا. وإلى نهاره. تفريغ نانسي قنقر