شرح مختصر سيرة الرسول 46

شرح مختصر سيرة الرسول 46

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 46، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مواجهة قريش للأنصار وإنكار عبدالله بن أبي

بعد بيعة العقبة الثانية، واجهت قريش الأنصار متهمة إياهم بمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على حربهم، فأنكر من لم يحضر البيعة منهم ذلك وتقدم عبدالله بن أبي سلول نافياً علمه بالأمر. وفي أثناء المحاورة، خلع الحارث بن هشام نعله الجديد وأعطاه لأبي جابر تفاؤلاً بخير بعد مزاح كعب بن مالك.

مطاردة قريش للأنصار وأسر سعد بن عبادة

لحقت قريش بالأنصار عند عودتهم من مكة فأسرت سعد بن عبادة وعذبته، ثم أطلقه المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية. تفاخر ضرار بن الخطاب بأسر سعد وتمنى أسر المنذر بن عمرو، فرد عليه حسان بن ثابت بقصيدة تهكمية، وسُمع ليلاً هاتف على جبل أبي قبيس.

أذن النبي بالهجرة ومبادرة الصحابة إليها

أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة بعد البيعة الثانية لبناء المجتمع المسلم، فبادر الصحابة بالهجرة سراً تاركين ديارهم وأموالهم نصرة للدين كما وصفهم القرآن في سورة الحشر. كان أول المهاجرين أبو سلمة بن عبد الأسد، وتتابعت هجرة الصحابة أفواجاً حتى لم يبقَ بمكة إلا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي رضي الله عنهما.

تحضير النبي وأبي بكر للرحلة والهجرة

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه بتجهيز الرحلة استعداداً للهجرة، حيث جهز أبو بكر راحلتين وأعدا الزاد اللازم. وعند حلول الموعد المحدد، هاجر النبي مع أبي بكر متوجهين إلى المدينة، وسيتم تفصيل أحداث الهجرة في الدروس القادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وبعد ذكره لانصراف الأنصار من بيعة العقبة الثانية، قال رحمه الله: فلما أصبحوا غدت عليهم جلة قريش، فقالوا: إنه بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا البارع، يعنون نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام، تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، يعني: سيهاجر إليكم وتقفون معه وتقومون معه لحربنا. قال: وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مِنْ حَيٍّ مِنْ أَبْغَضُ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِنْكُمْ، يعني: لا تأتونا بأشياء تولدوا بيننا وبينكم الحرب. قال: فانبعث رجال ممن لم يعلم -كما ذكرنا- أن المسلمين من الأنصار الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام، أخفوا أمرهم وجاءوا مع قومهم، ومن قومهم المشركون الذين لا يعلمون بخبر مبايعة المسلمين للنبي عليه الصلاة والسلام. فانبعث رجال ممن لم يعلم بهذه البيعة من الأنصار، يعني من أهل المدينة، يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء، لأنهم ما يعلمون، يقولون: أنتم تقولون ونحن ما نعلم بهذا، ما صار شيء مما قلتم. قال: والذين يشهدون ينظر بعضهم إلى بعض، يعني: مِمَّا قال ذلك لأنه لا يعلم بحقيقة الأمر. قال: وَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ يَقُولُ: هذا باطل، يعني: ما قلتموه، ما ذكرتموه من أننا بايعنا محمدًا هذا باطل، لأنه ما كان يعلم، ورأس المنافقين، ما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا عليه بمثل هذا، لأنه كان ذا شرف عندهم، فيقول: ما كان لأحد من قومي يخفي عليَّ هذا الأمر لو فعلوا، وأنا سيدهم، وما كان قومي ليفتاتوا عليَّ بمثل هذا، يعني: يفعل ذلك من ورائي وبغير علمي. قال: لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يُؤَامِرُونِي، يعني: يستشيروني ويأخذوا أمري. قال: فقام القوم، وفيهم الحارث بن هشام، وعليه نعلان جديدان. فقال كعب بن مالك: والحارث بن هشام من مشركي مكة، وعليه نعلان جديدان، لأنه كان ذا مال وذا... يعني: بذخ. قال: فقال كعب بن مالك كلمة كأنه يريد أن يُشْرِكَ بها القوم فيما قالوا، فقال: يا أبا جابر، ما تستطيع أن تتقذ، وأنت سيد من ساداتنا، نعلنا على هذا الفتى. يقول كعب بن مالك الأنصاري لأبي جابر، وهو كما تقدم من العرفاء والنجباء لقومه: أنت ما تستطيع أن تمتلك نعالًا مثل نعال هذا القرشي الحارث بن هشام. فسمعها الحارث، سمع قول كعب بن مالك، فخلعهما من رجليه، أي: الحارث بن هشام خلع النعلين من رجليه، فخلعهما من رجليه والله، يعني: أنه يؤكد هذا الخلع، ثم رمى بهما إليه، يعني: إلى أبي جابر، وقال: والله لتنتعلنهما. فقال أبو جابر: مه، أحفظت الفتى؟ يعني: أغضبته، فاحتفظ، فاردد إليهما عليه. قال: لا أردهما إليه، فألله صالح، يعني: هذا... يعني: هذا من الفأل أن يعطيك هذا الفتى، عليه بأن صدق الفأل لأسلبنه. فلما انفصلت الأنصار عن مكة، خرجوا من مكة راجعين إلى المدينة، صح الخبر عند قريش، يعني: تأكدت قريش أن المبايعة تمت، تمت المبايعة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فخرجوا في طلبهم، خرجوا يبحثون عن المبايعين من الأنصار، فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأعجزهم المنذر ومضى، يعني: هرب عليهم فلم يستطيعوا اللحاق به. وأما سعد، يعني: سعد بن عبادة، فقالوا له: أنت على دين محمد؟ قال: نعم. فربطوا يديه إلى عنقه بنسعة رحله، والنسعة كما قال المعلق: النسع سير ينسج عريضًا عريضًا، يعني: ليس بالنحيف، على هيئة أعنة النعال، يعني: على هيئة ما يكون في النعال، قالوا: تشد به الرحال، يجعل زمامًا للبعير وغيره، والقطع منه نسعة، ثمي: نَسْعًا لطوله، أنه يكون طويلًا. فربطوا يديه إلى عنقه بنسعة رحله، وجعلوا يسحبونه بشعره ويضربونه، وكان ذا جُمَّة، والجمَّة: مجمع الرأس، يعني: كان له رأس شعر طويل في الخلف، حتى أدخلوه مكة. فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية، فخلَّصَهُ من أيديهم، يعني: فكَّ أسره، فذهبوا. قال: وتشاورت الأنصار أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فرحلوا إلى المدينة، يعني: رجعوا ويأخذونه، لكنه لما خلص من أهل مكة رجع إليهم. قال: وكان الذي أسره ضرار بن الخطاب الفهري، وقال: تداركت سعدًا عنوة فأسرته، وكان شفائي لو تداركت منذرًا، يعني: سيكون ذلك أشفى لغيظي وأشفى لمبتغاي أن أدرك كذلك المنذر، لأنه هرب عليهم، ولو نِلْتُهُ لَطَلَّتْ هُنَاكَ جِرَاحُهُ، أَحَقُّ دِمَاءٍ أَنْ تُهَانَ وَتُهْدَرَ، يعني: يريد قتله. فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه: فَخِرْتَ بِسَعْدِ الْخَيْرِ حِينَ أَسَرْتَهُ وَقُلْتَ شِفَائِي لَوْ تَدَارَكْتَ مُنْذِرًا وَإِنَّ امْرَأً يَهْدِي الْقَصَائِدَ نَحْوَنَا كَمُسْتَضْعِفٍ تَمْرًا إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَا يَعْنِي: كَالَّذِي يَوْرِدُ التَّمْرَ إِلَى خَيْبَرَ، وَخَيْبَرُ هِيَ أَرْضُ التَّمْرِ، كَالَّذِي يُرْسِلُ التَّمْرَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ، يَعْنِي: أَنْتَ الآنَ تَأْتِي لَنَا بِقَصِيدَةٍ، نَحْنُ أَهْلُ الْقَصَائِدِ، نَحْنُ أَهْلُ الْقَصَائِدِ لَسْتَ أَنْتَ، وَعِنْدَنَا الْقَصَائِدُ، فَإِهْدَاؤُكَ لِهَذَا الْقَصِيدِ إِلَيْنَا كَمَنْ يَذْهَبُ بِالتَّمْرِ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ، وَخَيْبَرُ مَشْهُورَةٌ بِالتَّمْرِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهَا بِالتَّمْرِ. فَلَا تَكُ كَشَاةٍ كَانَتْ تَحْفِرُ قَبْرَهَا بِذِرَاعَيْهَا فَلَمْ تَرْضَ مَحْفِرًا يَعْنِي: الَّتِي تَقْتُلُ نَفْسَهَا وَتَحْفِرُ قَبْرَهَا بِذِرَاعَيْهَا. وَلَا تَكُ كَالْوَسْنَانِ يَحْلُمُ أَنَّهُ يَعْنِي: النَّائِمُ بِقَرْيَةِ كِسْرَى أَوْ بِقَرْيَةِ قَيْصَرَ، يَعْنِي: عِنْدَكَ أَحْلَامُ الْيَقَظَةِ، يَعْنِي: مِثْلُ النَّائِمِ يَحْلُمُ أَنَّهُ قَدْ فَتَحَ قَيْصَرَ وَكِسْرَى، نَعَمْ. وَلَا تَكُ كَالثَّكْلَى وَكَانَتْ بِمُعْزِلٍ الثَّكْلَى الَّتِي فَقَدَتِ ابْنَهَا فَهِيَ تَبْكِي عَلَيْهِ، وَلَا تَكُ كَالثَّكْلَى وَكَانَتْ بِمُعْزِلٍ عَنِ الثَّكْلِ لَوْ أَنَّ الْفُؤَاذَ تَفَكَّرَ. وَلَا تَكُ كَالْعَاوِي وَأَقْبَلَ نَحْرُهُ وَلَمْ يَخْشَهُ سَهْمًا مِنَ النَّبْلِ مُضْمَرًا يَعْنِي: كَالَّذِي يُقْدِمُ إِلَى الْحَرِّ وَهُوَ عَارٍ مِنَ السِّلَاحِ وَمِنَ الْحِمَايَةِ، فَلَمْ يَخْشَ سَهْمًا مِنَ النَّبْلِ مُضْمَرًا، فَأَنْتَ عَارٍ مَا عِنْدَكَ مَا تُقَاوِمُ بِهِ مِنَ الشِّعْرِ. أَتَفْتَخِرُ بِالْكَتَّانِ لَمَّا لَبِسْتَهُ وَقَدْ يَلْبَسُ الْأَنْبَاطُ رِيطًا مُخَصَّرًا فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِاللِّبَاسِ، فَاللِّبَاسُ رُبَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ هُوَ دُونَ فِي الرَّفْعِ وَالنَّسَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَلَوْلَا أَبُو وَهْبٍ لَمَرَّتْ قَصَائِدُ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ تَهْوِي حَسْرًا. قال: وسمعت قريش قائل يقول بالليل على أبي قبيس، وهو اسم جبل بمكة، سُمِّيَ بِرَجُلٍ مِنْ مُذْحِجٍ حَدَّادٍ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَنَى فِيهِ، وَقَالَ لَهُ: هُوَ مَشْهُورٌ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. قال: وسمعت قريش قائل يقول بالليل على أبي قبيس: فَإِنْ يُسْلِمْ سَعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ وَيُرِيدُ مَا مَضَى مِنْ خَبَرِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. نَعَمْ، قَالُوا: مَنْ هُمَا؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَسْعَدُ بْنُ بَكْرٍ أَمْ سَعْدُ بْنُ هَزِيمٍ؟ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الْقَابِلَةُ سَمِعُوهُ يَقُولُ: فِيَا سَعْدَ سَعْدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا وَيَا سَعْدَ سَعْدَ الْخَزْرَجِينَ الْغَطَارِ فِيهِ يَعْنِي: مَا يُرِيدُ لَا سَعْدَ، لَا أَسْعَدَ بْنَ بَكْرٍ وَلَا سَعْدَ بْنَ هَزِيمٍ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَكَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: سَعْدَ الْأَوْسِ وَسَعْدَ الْخَزْرَجِينَ، كَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا سَيَأْتِي سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ، فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ يُسْلِمْ السَّعْدَانِ: سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. قَالُوا: مَنْ هُمَا؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: سَعْدُ بْنُ بَكْرٍ أَمْ سَعْدُ بْنُ مُزَيْمٍ؟ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الْقَابِلَةُ سَمِعُوهُ يَقُولُ: فِيَا سَعْدَ سَعْدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا وَيَا سَعْدَ سَعْدَ الْخَزْرَجِينَ الْغَطَارِ فِيهِ أَجِيبَا إِلَى دَاعِي الْهُدَى وَتَمَنَّيَا عَلَى اللَّهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مِنْ تَعَارُفِي فَإِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ لِلطَّالِبِ الْهُدَى جَنَانٌ مِنَ الْفِرْدَوْسِ ذَاتُ رَفَارِفِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هَذَا وَاللَّهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ. وَتَذْكُرُ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي كُتُبِ السِّيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا إِسْنَادًا صَحِيحًا، فَمِثْلُ هَذَا يَذْكُرُونَهُ أَهْلُ السِّيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. قال: الهجرة إلى المدينة. قال: وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة، فبادروا إليها، وذلك بعدما تمت البيعة الثانية، لِأَنَّهُ بَدَأَ يُهَيِّئُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِبِنَاءِ ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ فِي الْمَدِينَةِ، فَحَثَّ الصَّحَابَةَ عَلَى الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَا كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا الْمُبَادَرَةُ، فَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِدِيَارِهِمْ وَلَا بِأَمْوَالِهِمْ، بَلْ ضَحُّوا بِكُلِّ غَالٍ وَنَفِيسٍ مِنْ أَجْلِ نَصْرَةِ هَذَا الدِّينِ، وَكَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8]، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، تَرَكُوا دِيَارَهُمْ وَتَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ وَخَرَجُوا بِأَنْفُسِهِمْ نَصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَجَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ لَا يَمْلِكُونَ إِلَّا الثِّيَابَ الَّتِي يَلْبَسُونَهَا، فَلَمْ يُقْتَادُوا مَعَهُمْ شَيْءٌ، لِأَنَّهُمْ يُهَاجِرُونَ خِفْيَةً، يُهَاجِرُونَ خِفْيَةً لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ عَلِمُوا وَسَمِعُوا بِهِمْ لَمَنَعُوهُمْ مِنَ الْهِجْرَةِ وَلَآذَوْهُمْ، فَكَانُوا يُهَاجِرُونَ سِرًّا، فَأَذِنَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْهِجْرَةِ فَبَادَرُوا إِلَيْهَا. قَالُوا: أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَزَوْجَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ، وَلَكِنَّهَا حُبِسَتْ عَنْهُ سَنَةً وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدُ هِيَ وَوَلَدُهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، يَعْنِي: عَلِمَ الْمُشْرِكُونَ بِهَا فَمَنَعُوهَا، وَزَوْجُهَا نَفَذَ وَهَاجَرَ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجُوا أَرْسَالًا، يَعْنِي: الصَّحَابَةَ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَعْنِي: سِرًّا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ أَحَدٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ أَحَدٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ، فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَذَكَرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَكُونَ رَفِيقًا لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَهَذَا الَّذِي مَنَعَهُ، وَعَلِيٌّ كَذَلِكَ كَانَ يُؤَازِرُ وَيَنْصُرُ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ وَيُعِينُهُ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ بِمَكَّةَ. قَالَ: أَقَامَا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمَا أَنْ يَبْقَيَا، يَعْنِي: لَا يُهَاجِرَ، إِلَّا مَنْ احْتَبَسَهُمُ الْمُشْرِكُونَ كَرْهًا، يَعْنِي: لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُمُ الْمُشْرِكُونَ كَرْهًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ الْهِجْرَةَ، وَهَذَا قَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ، قَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ. قَالَ: وَأَعَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَازَهُ، يَعْنِي: بَدَأَ يُجَهِّزُ لِلْهِجْرَةِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ، وَأَعَدَّ أَبُو بَكْرٍ جِهَازَهُ، وَسَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّهُ أَعَدَّ رَاحِلَتَيْنِ وَجَهَّزَ رَاحِلَتَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، حَتَّى جَاءَ مَوْعِدُ الْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَمْرُ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ سَيَأْتِي مَعَنَا فِي الدُّرُوسِ الْقَادِمَةِ، نَكْتَفِي الْيَوْمَ بِهَذَا، وَإِلَى هُنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. تَرْجَمَةُ نَانْسِي قِنْقَر