كيف نستقبل رمضان

الخطبة بعنوان كيف نستقبل رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 شعبان 1439هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

استقبال شهر رمضان وأهمية التهيئة

يجب استقبال شهر رمضان بالعدة المناسبة، حيث يستقبله الناس بطرق مختلفة، فمنهم من يستعد بالطعام والشراب، ومنهم من يلهو، بينما المؤمن يستقبله بالفرح والاستبشار وتهيئة النفس للطاعة.

التعلم والتسلح بالصبر لاستقبال رمضان

ينبغي استقبال رمضان بالفرح والتعلم لأحكامه، والتسلح بالصبر من خلال صيام أيام من شعبان، وإزالة الموانع لتحقيق صوم وعمل صحيحين.

سلامة الصدر والتحلل من المظالم قبل رمضان

يجب استقبال رمضان بسلامة الصدر من الغل والحقد، والتحلل من المظالم، وصدق العزيمة مع الله، والسعي إلى الصلح مع الآخرين.

ختام الدرس والدعاء للمسلمين

يختتم الدرس بالدعاء للمسلمين بأن ينفعهم بما قيل، ويطلب طول العمر لحضور شهر رمضان، ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، ها قد أوشك أن يظلنا شهرٌ عظيمٌ مبارك، شهرٌ ميَّزه الله جل وعلا عن باقي الشهور بالفضائل والمكارم، وكيف لا؟ فربُّك يخلُق ما يشاء ويختار. عباد الله، إنه رمضان، شهر الخيرات وموسم البركات، شهرٌ تزداد فيه الأجور وتضاعف فيه الحسنات. عباد الله، إن الحديث عن رمضان ليطول ويطول، فهو حديثٌ ذو شجون، موضوعه مترامي الأطراف، متعدد الفقرات، متشعب النواحي والاتجاهات. إن شئت يا عبد الله كان حديثنا عن رمضان في ذكر فضائله ومناقبه، وما أعدَّه الله لأهله وأصحابه من الصائمين والقائمين من خير الدنيا والدين، من رفيع الدرجات وعلو الطبقات، ومن تكفيرٍ للسيئات والخطيئات. وإن شئت يا عبد الله كان حديثنا عن رمضان في بيان أسراره ومقاصده، وذكر حكمه وعلله التي تُبهِج العقول وتُدهِج الأفئدة والقلوب، دلالة على كمال شريعة الله وعظيم إتقانه جل وعلا. أو إن أردت يا عبد الله كان الكلام عن رمضان في ذكر أحكامه وتفريعاته، بذكر أركانه وشرائطه وواجباته ومستحباته ومبطلاته ونواقضه ومفطراته، وببيان أهل الوجوب من أهل الأعذار. أو قل يا عبد الله يكون حديثنا عن رمضان بذكر تلكم التشريعات التربوية والتوجيهات السلوكية في بضمار الأخلاق والآداب، والتي تهدف في رمضان إلى إيجاد مسلم يرتقي في سمو لا مثيل له في سائر أيامه ولياليه. عباد الله، إن المواضيع في رمضان مواضيع متعددة وشتى، لكن ذكرها هو سابق لأوانها، وحسبنا في هذا المقام أن نتكلم بما تقتضيه هذه الأيام، وهو كيف استقبالنا لرمضان. ما هي إلا فترة وجيزة وسيحل علينا هذا الشهر العظيم، فيا ترى كيف استقبالنا وعدتنا في استقباله؟ وقد قال الله جل في علاه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾. فيأترى ما هي عدتنا في استقبالنا لشهر الصيام والقيام؟ إنه من تأمل في أحوال الناس ليرى العجب العجاب إذا استقبالهم لرمضان. فمن الناس من حصر العدة في شراء الطعام وتكديس المواد، وبشراء ما لذ وطاب من المطعومات والمأكولات والمشروبات. وإننا عباد الله لا نحرم على الناس فعل ذلك، لكن بقي هذا السؤال: أهكذا أمرنا شرعنا بأن نستقبل شهر رمضان بالاهتمام بالطعام وما لذ وطاب؟ وفرقة من الناس من ربما يعد العد من الآن في استقبال رمضان بشراء الدشوش وباختيار القنوات التي تبث الفوازير والمسابقات، وأخرى لربما يقتني قنوات تعرض المباريات والدوريات، ثم إذ بهم يعكفون على الشاشات إلى بزوغ الفجر. أهكذا عبد الله عدة رمضان بشراء الملهيات؟ وفريق وفريق من الناس ما أتعب نفسه، لا هو مع هؤلاء ولا مع أولئك، فلا هو في العير ولا هو في النفير، حاله في رمضان نوم في الليل ونوم في النهار، وشعاره: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. الناس عباد الله في استقبالهم لرمضان على أشكال وألوان، وكما قال ربنا جل في علاه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ مختلف. لكن عباد الله المؤمن الصادق في محبته لشهر رمضان والمعظم لهذا الشهر المفضل له استقبال خاص، قد أعد العدة في استقبال شهر الصيام والقيام باستقبال لا يخرجه عن مقاصد الشريعة. واعلموا عباد الله أن من أعظم ما يستقبل به رمضان الفرح به والاستبشار بقدومه، وذلك بأن يضع الطرب والفرح في قلبه ووجدانه، فيظهر أثر ذلك على تقاسيم وجهه وعلى عبارات لسانه. عباد الله، إن الفرح بشرع الله جل وعلا يعتبر من المقامات الحميدة ومن العبادات الجليلة التي ينبغي أن يتصف بها المسلمون جميعا، الفرح بكل ما شرعه الله من دين وأحكام. قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. الفرح بفضل الله وبرحمته، قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: هو الفرح بالعلم النافع والعمل الصالح. تفرح يا عبد الله بمثل هذه المواسم الخيرات ومواسم البركات. ومن هنا استحب كثير من العلماء مشروعية التهنئة بقدوم رمضان، إذ هذا من إظهار الفرح والسرور بمجيئه وقدومه. قال إمام ابن رجب رحمه الله تعالى، بعدما أورد عدة أحاديث: وهذا الحديث أصل في تهنئة بعضهم بعضا لقدوم رمضان، لأن التهنئة نوع من أنواع الفرح والاستبشار بقدوم رمضان. واعلموا عباد الله أن هذا الخلق، الفرح بشرع الله وبأحكامه ودينه، لهو الفيصل بين أهل الإيمان وبين مرض القلوب من أهل النفاق والشقاق. قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. أهل النفاق مرض القلوب، هؤلاء يستذقلون العبادات ويتشاءمون منها ويضيقون منها ذرعا. فتجد الواحد منهم إذا ذكر بقدوم رمضان لربما ضاق ذرعا. وأما المؤمن والمسلم، فإنما أنسه وراحة قلبه إنما تكمن في عبوديته لربه. وقد أثر عن كثير من الصالحين أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر في أن يبلغهم رمضان، ستة أشهر يقطعونها دعاءا وتضرعا في أن الله يبلغهم رمضان، كلهم شوق، كلهم حنين إلى بلوغ شهر الله العظيم. فكن على من والهم يا عبد الله، فإن ذلك من أعظم ما يستقبل به رمضان. وأيضا عباد الله، من عظيم ما يستقبل به رمضان وينبغي أن تتداعى الجهود في تحصيله قبل وصوله، التفقه والتعلم لأحكام الصيام. فإن هذه الأيام وهذه الأزمان فرصة سارعة لنا جميعا في أن نقبل على تعلم أحكام الصيام، إذ أن رمضان عبادة من العبادات الشرعية التي لا قوام لها إلا بالعلم. قال ربنا جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. قال العلماء في هذه الآية: إشارة إلى أن العلم مقدم على الطاعات، سواء أكانت قولية أو فعلية. فلا تقدم على عبادة يا عبد الله إلا بعدما تتعلم بما فيها من أحكام. وللأسف كم من رجل وكم من امرأة لربما حباهم الله بصوم عديد والكثير من رمضانات، إلا أنهم يؤدونها وهم في عماية تامة عن أحكامها. ولهذا تجدهم يخبطون فيها خبط عشواء. وكما قيل: من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح. فتجد من بعض الصائمين والصائمات لربما ينبس ببعض المفطرات وهم لا يشعرون، أو بعضهم لربما ترك بعض المباحات تأثم وهم لا يعلمون. عبد الله، إذا أردت ضمان لصحة صيامك فاقبل على العلم النافع، فإنه صمام أمان في أنك تضمن أن عملك على ما يحبه الله ويرضاه. ومن عظيم مسائل الصوم أن نعلم جميعا أن الصيام فرض على كل مسلم ومسلمة إذا بلغا، ولا يجوز لحال لأحد مننا أن يقدم على إفطار يوم من رمضان، فإن ذلك من كبائر الذنوب ومن أشد المحرمات، إلا من تلبس بعذر من مرض أو سفر وغيرها من الأعذار الشرعية. قال إمام الذهبي رحمه الله تعالى: ومن أفطر أياما من رمضان فهو شر من الزاني ومن مدمن الخمر. احذر يا عبد الله التساهل في هذا الباب، واعلم أن الفطر في رمضان من أعظم الذنوب ومن أشد الحرمات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. عباد الله، ومما يستقبل به رمضان أيضا التسلح بالصبر، التسلح يا عبد الله بخلق الصبر، إذ أن رمضان هو شهر الصبر. قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُو، الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. قال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى: قال الصابرون هم الصائمون في أكثر الأقوال. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ﴾ بمعنى إنما يوفى الصائمون أجرهم. فالصا صوم هو صبر. وقال عليه الصلاة والسلام، كما صح ذلك عن نبينا: «صم شهر الصبر رمضان». دل ذلك أننا قادمون على موسم عظيم يحتاج منا إلى الصبر، لمشقته وللجهد الذي يبذل فيه. فتسلح يا عبد الله بالصبر. ومن هنا كان من سنة نبينا عليه الصلاة والسلام أنه في مثل هذه الأيام من شهر شعبان يكثر من الصيام عليه الصلاة والسلام، كما ثبت في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم شعبان إلا قليلا. وجاء في السنن من حديث أسامة بن زيد أنه قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فكان من هديه صلوات ربي وسلامه عليه أنه يكثر من الصيام في مثل هذه الأيام من شعبان. وكان من علة العلماء ومن الحكم التي التمسوها في هذا الباب: أنه أراد نبينا عليه الصلاة والسلام تعويد الناس على الصيام حتى يقبلوا على رمضان. فاحرص يا عبد الله على هذا الأمر، احرص يا عبد الله على صيام شيء من شعبان، قل هذا الشيء أو كثر، أياما أو أسابيعا إن استطعت لذلك سبيلا. فصومك في شعبان هو أولا تطبيقا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ثانيا فيه التمرين على شرعية الصيام، وفيها ثالثا التعويد على الصبر، التعويد على الصبر حتى تدخل إلى رمضان وأنت بكامل قدرتك وبكامل استطاعتك على صومه بكماله وتمامه. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، مما مضى علمنا ما هي أهم الأمور التي ينبغي أن ننشغل بها في مثل هذه الأوقات إعدادا لعدة رمضان. فكان من ذاك الفرح به والاستبشار بقدومه، يظهر ذلك في نفوسنا وقلوبنا، ويظهر ذلك في أفعالنا وأقوالنا. ثانيا، الإقبال على التعلم لأحكامه، التعلم لأحكامه بمعرفة تفاصيله وفروعه. فإن العلم والتفقه لأحكام الصيام يعتبر يا عبد الله صمام أمان في ضمانك لصحة صومك. ثم ثالثا، من عظيم ما يستقبل به رمضان إعداد العدة بضرورة التسلح بالصبر، وذلك أننا قادمون على شهر يحتاج مننا إلى جهد ويحتاج مننا إلى صبر، فضلا عما يعتريه ويلفه من طول النهار ومن شدة الحر. فكان لزاما أن يعود المرء نفسه من الآن، تطبيقا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، من صيام أيام من شعبان حتى يعتاد على الصوم. ثالثا، ومما تعد به العدة في استقبال رمضان هو السعي إلى إزالة كل مانع يمنع من استفاء صومك وعملك. عباد الله، رب عبد ورب رجل يعمل الأعمال الصالحة من صيام وقيام، ومن ذكر وقراءة للقرآن، إلا أنه لا يستفيد شيئا من عمله، بل يجعله الله جل وعلا مردودا على وجهه، لأنه تلبس ببعض الموانع التي تمنعه من استفاء أجره ومن الاغتنام لعمله. ومن هنا كان من الضرورة على كل مسلم أن ينظر ما هي الأعمال التي ترد إلى رد الأعمال الصالحة، حتى يتوخّاها ويبتعد منها ويتبرّى منها إن كان ملتبسا بها. ومن هذه الأعمال يا عبد الله ما يكون من الشحناء والبغضاء. وبهذا نعلم أن من أعظم ما يستقبل به رمضان سلامة الصدر، سلامة الصدر. سئل بعض السلف: كيف كان استقبالكم لرمضان؟ قال: ما كان أحد منا يجرؤ على استقباله، وفي قلبه ذرة حقد على أخيه المسلم. ما كان أحدنا يجرأ، كانوا يتحسبون ويخافون في أن يستقبلوا هلال رمضان، وفي قلوبهم حقد على إخوانهم المسلمين. فهذا من أعظم ما يستقبل به رمضان سلامة الصدر من الغل ومن الحقد والحسد، ومن القطيعة والكراهية والبغضاء، ومن الشحناء والعداوة والبغضاء. لأن هذه الأفعال وهذه الأعمال من شؤمها على أصحابها أنها ترد بها الأعمال، أنها ترد بها الأعمال. فلا تصل إلى الله جل وعلا. روى الإمام مسلم في صحيحه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يغفر لكل مسلم إلا لمشرك أو متشاحن». وفي رواية: «من كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا». أي أمهلوهم، أو لا تعلق أعمالهم بين السماء والأرض، فليؤذن لها بالقبول حتى يصطلح مع إخوانه المسلمين. قال علامة ابن رجب رحمه الله: قال ومن الذنوب المانعة من مغفرة الله الشحناء، وهو أن يكون في قلب المسلم حقدٌ على أخيه المسلم لهوى. فهي من الذنوب التي ترد به الأعمال. حاول يا عبد الله أنت في هذه الأوقات، قبل أن يحل علينا شهر رمضان، بالسعي إلى الصلح مع إخوانك المسلمين، مع أهلك وقرابتك، مع ذويك وأرحامك، مع أولادك وزوجك. إسعى يا عبد الله إلى الصلح بينهم. وأهم من هؤلاء وأعظم الصلح أن تصطلح مع والديك. وقد مر معنا في خطبة سابقة في التحذير من العقوق، وأن من أثر العاق أن عمله لا يقبله الله جل وعلا. «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا»، وذكر عليه الصلاة والسلام العاق، العاق وهو القاطع لوالديه. فإن الله جل وعلا لا يقبل منه عملا. فعلى المتشاحن مع الناس، مع قرابة وارحامه، ومع والديه وجيرانه، عليه أن يمد يد الصلح لإخوانه، فإن ذلك من مكارم الأخلاق، ومن شيء من نبلاء الأخلاق. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. وهكذا يا عبد الله، مما ينبغي أن تتبرى منه وأن تتنزه عنه لكي تضمن صحة أعمالك، وأنها تبقى في صحيفة أعمالك، أنك تتحلل من المظالم، تتحلل من مظالم الناس، وذلك باسترجاعها وإرجاعها إلى أهلها، والتحلل منها. وإلا قل لي بربك، فبأي عقل ودين أن الشرع يرضى بفعلك المشين؟ أنك قمت يا عبد الله بالتطاول على أعراض المسلمين، غيبة ونميمة وكذب وبهتان، أو أنك تتطاول على أموالهم غصبا وسرقة واغتلاسا ونهبا، أو أنك تتعدى على ذمائهم سفكا وقتلا وإجراما، تتعدى على أموالهم ودمائهم وأعراضهم. ثم تبقى في محلك وتطلب من الله مغفرة الذنوب؟ لا والله، هيهات هيهات يا عبد الله. أجمع العلماء: إذا كان ذنبك بينك وبين عباد الله، فإنه لا بد من صحة التوبة بالتحلل من المظالم، وذلك بإرجاعها إلى أهلها، وإلا فاعلم أنك مهما عملت من عمل فإنما يرجع إلى غرمائك. قال عليه الصلاة والسلام: «أتدرون من المفلس؟» قلنا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال عليه الصلاة والسلام: «المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، إلا أنه ضرب هذا وقتل هذا وسفك دم هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ من حسناته إلى صحيفة أعمالهم، تأخذ من حسناته فتعطى لغرمائه، حتى إذا فنيت حسناته أخذت من سيئاتهم فطرحت على ظهره، فألقي في النار». ولا حول ولا قوة إلا بالله. لم ينفع صلاته ولم ينفع صيامه وقيامه، عندما تعدى على محارم الله، على دمائهم وأموالهم وأعراضهم. فإن أردت يا عبد الله أن تنعم بعبادتك، ابتعد وتحلل من مظالم الناس. وأخيرا عباد الله، من عظيم ما يستقبل به رمضان صدق العزيمة مع الله، صدق العزيمة مع الله، وهو أنك من الآن تجعل قلبك ونيتك وإرادتك صادق مع الله، أن الله جل وعلا متى ما أطال في عمرك وجعلك من أهل رمضان، أنك تشتغل به بطاعة الله، من صوم النهار ومن قيام الليل ومن قراءة القرآن. تنوي هذا بإرادتك وبقلبك، فإن ذلك من أعظم ما يعان عليه العبد. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، إنما الأعمال بالنيات». فلربما تنوي عملا لا تبلغه، لكن الله يؤجرك عليه لصحة قلبك وقوة إرادتك ونيتك. قال عليه الصلاة والسلام: «من سأل الله الشهادة بصدق، جعله الله في منازل الشهداء، وإن مات على فراشه». النية أبلغ من العمل. فوطنوا أنفسكم عباد الله بهذه النوايا الصادقة، بأن الله إن أطال بأعمارنا أن ننشغل بطاعة الله وبتعمير رمضان بكل ما أوتين من قوة، من عبادة ومن قربة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله جل وعلا أن يطيل في أعمارنا لكي نحضر هذا الشهر، فنكون من أهله، من صوام نهاره، ومن قوام ليله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله. الله أكبر.