الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 197، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف النشرة بأنها حل السحر عن المسحور، ويبيّن حكمها: إن كانت بسحر مثله فهي من عمل الشيطان ومحرمة بدليل قول النبي ﷺ «هي من عمل الشيطان» وأحاديث النهي عن السحر، أما إن كانت بالرقى والتعاويذ المشروعة فلا بأس بها.
يرد على من أجاز النشرة بالسحر مستدلين بأثر سعيد بن المسيب، موضحاً أن المراد بالرقى في الحديث الرقى الشركية، وأن الأثر محتمل للرقية الشرعية ولا يعارض النص الصريح، كما يبطل قياسهم على أكل الميتة للاضطرار لأن السحر محرم بذاته.
يبيّن فساد قياس حال المضطر لأكل الميتة على المريض بالسحر الذي يذهب للسحرة، لأن الله جعل بديلاً مشروعاً هو الرقية الشرعية، ويستشهد بكلام ابن القيم في تشبيه الرقية بالسيف الذي يحتاج لضارب بارع ومحل قابل، مؤكداً أن تخلف الشفاء راجع لنقص الإيمان لا لضعف القرآن.
يُشير إلى أن الدروس القادمة ستتناول بيان الرقى والتعاويذ المشروعة المستمدة من القرآن والسنة والفرق بينها وبين الممنوعة، ويختتم الجلسة الحالية على أن يُستكمل الموضوع لاحقاً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله في كتابه «أعلام السنة المنشورة»: السؤال السادس والسبعون بعد المئة: ما هي النشرة وما حكمها؟ قال: الجواب: النشرة هي حل السحر عن المسحور، هذا هو معنى النشرة. إنسان مصاب بالسحر، فكيف تنشر عنه هذا السحر؟ بمعنى: تحل عنه هذا السحر وتعالجه من هذا السحر. هذا هو معنى النشرة، فهذا هو الجزء الأول من هذا السؤال: ما هي النشرة؟ قال: فإن كان ذلك بسحر مثله فهي من عمل الشيطان، وإن كانت بالرقى والتعاويذ المشروعة فلا بأس بذلك. فبيّن المؤلف رحمه الله حكم هذه النشرة، وفصل في الجواب فقال: إن كان ذلك بسحر مثله، إنسان مريض عنده السحر، سحره ساحر من السحرة، فهل يجوز له أن يذهب عند نفس الساحر أو عند غيره من السحرة، ساحر مثلاً آخر أكبر وأعلم من الساحر الأول، فهل يجوز أن أذهب إليه من أجل أن يحل عني هذا السحر؟ فأجاب المؤلف: قال: فإن كان ذلك بسحر مثله فهي من عمل الشيطان، وما كان من عمل الشيطان فهو محرم، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فكل ما كان من عمل الشيطان فالواجب على المسلم أن يدعه وأن يبتعد عنه وأن يجتنبه. ودلت كذلك الأدلة من السنة على تحريم ذلك، أي حل السحر بالسحر، ومن ذلك ما جاء عند الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة، وعرفنا ما معنى النشرة: يعني حل السحر عن المسحور. لكن السؤال هنا: سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن النشرة، أي النشرة التي كان عليها أهل الجاهلية، والنشرة التي كان عليها أهل الجاهلية المشركون هي النشرة السحرية، بمعنى حل السحر بالسحر. فماذا أجاب النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن هذه النشرة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «هي من عمل الشيطان، هي من عمل الشيطان». فاقتبس المؤلف هذا الجواب من هذا الحديث، اقتبس المؤلف هذا الجواب في قوله: «فهي من عمل الشيطان» من هذا الحديث، والحديث يصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وكذلك مما يدل على تحريم ذلك ما جاء من حديث عمران بن حسين، وجاء أيضاً من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، فليس منا، فليس منا». من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له. فالشاهد: «أو سحر أو سحر له». سحر: هذا يتعلق بالساحر، وسحر له: هذا يتعلق بالمسحور، فمن ذهب عند الساحر فهذا سحر له، فهو طلب ذلك السحر. والأدلة عامة لم تستثنِ حالة دون أخرى، لم تستثنِ حالة دون أخرى. وهذا الحديث رواه الطبراني والبزار، ويصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنب السبع الموبقات»، وذكر منها السحر، فلم يفصل هنا السحر الذي ليس فيه نشرة أو السحر الذي فيه نشرة، فهذا الحديث أيضاً عام. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى والتمائم والتيولة شرك». أي: المراد بالرقى هنا الرقى المحرمة. «إن الرقى والتمائم والتيولة شرك»، المراد بالرقى هنا الرقى المحرمة. وهل فعل الساحر من الرقى المحرمة أو من الرقى الشرعية؟ لا شك ولا ريب أن فعل الساحر من الرقى الشركية المحرمة، فهذا أيضاً الحديث يدل على ذلك. وما ذهب إليه بعض من ضعف علمه وقل كذلك تأصيله في العلم بجواز النشرة بالسحر، فهذا قوله مردود، وقول ضعيف جداً. واستدلوا ببعض الأشياء على جواز ذلك، من ذهب إلى هذا القول، ومما استدلوا به أثر جاء معلقاً وليس موصولاً، معلقاً عند البخاري عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه سئل عن رجل به طِب، ومعنى طِب: يعني مرض وداء أو سحر، وفي لفظ أنه يؤخذ عن امرأته، يعني سحر التفريق، ما يستطيع أن يأتي امرأته، فسئل أن يحل عنه أو ينشر، فقال رحمه الله تعالى: «لا بأس به، فأما ما ينفع فلم ينهى عنه». فحمل هؤلاء قول سعيد بن المسيب على جواز النشر بالسحر، لأنهم قالوا: في آخر الحديث قال: «لا بأس به، فأما ما ينفع فلم ينهى عنه»، وهذا مما ينفع، وهذا مما ينفع لا مما يضر، لأن هذا المسحور سيذهب ما به من سحر، فهو مما ينفع لا مما يضر. فاستدلوا بهذا الأثر على ذلك. فالجواب على هذا من عدة أوجه: الوجه الأول: أن هذا الأثر ليس بصريح، بل هو محتمل للنشرة الشرعية، ومحتمل للرقية الشركية التي هي بمعنى السحر. كيف عرفنا ذلك؟ لأن هنا سئل أن يحل عنه أو ينشر، ما قيل أنه بالسحر. وأما ما يفهم من آخر كلامه بقوله: «لا بأس به، فأما ما ينفع فلم ينهى عنه»، أي: في الرقية الشرعية الذي ينفع بالرقية الشرعية لا ينهى عنه، وإنما ينهى عن الذي لم يكن بالرقية الشرعية. أجل، ما نعلمه نحمل هذا الأثر، وهذا الذي يليق بهذا التابعي الجليل. هذا جواب طيب، لو قالوا: جوابكم هذا محتمل، والاحتمال يسقط الاستدلال. فإذا لماذا ما نحمل قول سعيد بن المسيب على أنه النشرة بالسحر؟ فيقال: فيقال: إذا ورد النص بطل القياس. سعيد بن المسيب تابعي جليل من أهل العلم والفضل، ولكن لا يعارض قول الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله، فيكون هذا مما اجتهد فيه رحمه الله وأخطأ في ذلك. إذا كان نقول: أخطأ عمر، وأخطأ أبو بكر، أيهما أجل: سعيد بن المسيب أو أبو بكر أو عمر؟ أبو بكر وعمر أجل، ومع هذا كان الصحابة إذا رأوا قولاً يخالف قول الرسول ممن قاله أبو بكر أو عمر ردوه، كما جاء عن ابن عباس وعن غيرهم. وهم سيهلكون، أقول لهم: قال الله، قال رسول الله، وهم يقولون: قال أبو بكر، وقال عمر. فإذا، ولو قال هذا سعيد بن المسيب، فهذا قول لا يعارض به قول الرسول. ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم: «هي من عمل الشيطان، هي من عمل الشيطان»؟ فهذا حديث صريح واضح بين. فإذا يقال: هذا اجتهاد من سعيد بن المسيب، وقوله لا يرد به قول الرسول عليه الصلاة والسلام. وأيضاً استدلوا بالقياس، قالوا: هذا من باب الاضطرار، إنسان عنده سحر يتعبه، فهذا الساحر سيحل عنه في لحظة، إذن هذا مثل أكل الميتة وأكل الخنزير، فهو مضطر. ويقال لهم: هذا قياس مع الفارق لعدة أمور: الأمر الأول: أن صاحب الميتة هذا هو بين أمرين لا ثالثة لهما، إما أن يأكل من هذه الميتة أو يهلك ويموت، ولا بديل عن ذلك، ما عنده إلا هذين الخيارين، ما عنده إلا هذان الخياران. أما المريض بالسحر فقد جعل الله عز وجل له باباً آخر من أبواب الشفاء، وهي الرقية الشرعية، وهي الرقية الشرعية. فلماذا يترك ما أحله الله له ويذهب إلى ما حرمه الله عليه؟ أرأيت هذا الذي مضطر، يعني يأكل الميتة أو يهلك، ثم وجد أكلاً حلالاً أو شك أن يأكل من هذه الميتة، فجاء شخص وأتى له بأكل طيب ليس بحرام كحليب أو تمر أو نحو ذلك يدفع به ضرره وهلاكه، فهل يجوز له أن يأكل الميتة مع وجود هذا الطعام طيب؟ لا يجوز. وهكذا الله عز وجل جعل لك علاجاً طيباً، علاجاً ناجعاً نافعاً: الرقية الشرعية، كما بيّن المؤلف أنه مما يجوز في أن ينشره بالرقية الشرعية، بالرقية الشرعية. طيب، قد يقول قائل: يا أخي، فلان عالج وعالج بالرقية الشرعية، ما شي فائدة، ما شي فائدة. هذا ابتلاء من الله، وهذا سببه إما من الراقي وإما من المرقي. نعم، إما من الراقي لأنه ما عنده احتساب وإيمان، وإما من من يرقى عليه، وكذلك ما عنده يقين وإيمان بهذا القرآن، أو من كليهما، الخلل من كليهما. ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا، يعني في من يعالج بالرقية الشرعية ولم يشفى من مرضه: يقول: الرقية مثل السيف، الرقية مثل أي: مثل السيف، والسيف يضاربه، والسيف بضاربه، السيف بضاربه. يعني إذا كان صاحب السيف ممن يجيد الضرب به أفاد هذا السيف، أما إذا أعطيته إنساناً ما يعرف يضرب بالسيف، ما عنده خبرة وما عنده معرفة، هل يستطيع أن يقتل عدوه؟ لا يستطيع، لأنه جاهل ما يعرف يضرب بالسيف. فالرقية مثل السيف، والسيف بضاربه. قال: ولا بد من قابلية المحل. لو أتى بالسيف وضرب جداراً، هل يؤثر السيف في الجدار؟ لا يؤثر، لأن الجدار ما هو قابل لأن يضرب بالسيف. وهكذا من يرقى، لعله كذلك غير قابل لهذا السيف، سيف الرقية، لأنه ما عنده يقين، ما عنده إيمان بشفاء القرآن. وإلا فقد جاء في كتاب الله أن القرآن شفاء، ومن أصدق من الله قيلاً؟ ومن أصدق من الله حديثاً؟ ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؟ ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾؟ فالقرآن شفاء لأمراض القلوب ولأمراض الأجساد والأبدان. فإذا تخلف الشفاء فليس العيب في الرقية وفي القرآن نفسه، حاشى وكلا، وإنما العيب إما في الراقي وإما في من يرقى عليه. هذا معنى كلام العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: مثل السيف، السيف بضاربه، وكذلك بالمكان والمحل الذي يضرب به هذا السيف، فإن كان قابلاً للضرب أنجع وكذلك أفاد، وإلا فلا، وإلا فلا. فإذا هذا القياس، قياس الذهاب عند السحرة لرفع السحر وحله، هذا قياس فاسد، ولا يجوز أن يستخدم هذا القياس في هذا الموضع لما سمعت، ولأهل العلم كلام كثير في هذا. ثم قال: وإن كانت بالرقى والتعاويذ المشروعة فلا بأس بذلك. وسيأتي معنا ما هي الرقى والتعاويذ المشروعة، تكون بالقرآن بآيات من كتاب الله، وتكون بحديث النبي عليه الصلاة والسلام. وفي الأسئلة الآتية سيبين المؤلف ما هي الرقى المشروعة وما هي الرقى الممنوعة. نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر