تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 35

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 35

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير من الحلف الكاذب لاقتطاع أموال المسلمين

يفسر المقطع آية آل عمران ٧٧ محذراً من الذين يبيعون عهد الله وأيمانهم بثمن بخس، مبيناً أنهم لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. ويستدل بحديث ابن مسعود أن من حلف يميناً غموساً ليقتطع مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، ويروي قصة الأشعث بن قيس التي نزلت فيها الآية.

تحريم بيع الدين بالدنيا وأكل أموال الناس بالباطل

يحذر المقطع من بيع العهد مع الله بثمن بخس، مستشهداً بآيات تصف علماء السوء الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويفتون بالهوى لأجل المال. ويؤكد أن الواجب التمسك بالدين وإن فاتت الدنيا، لأن الدين هو رأس المال الباقي، بينما لا تنفع الدنيا ولا تفدي من عذاب يوم القيامة.

أحاديث الفتن وبيع الدين بعرض الدنيا

يستعرض المقطع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الفتن التي يبيع فيها المرء دينه بعرض قليل من الدنيا، ويبين أن من يفعل ذلك يحرم من تزكية الله وينال عذاباً أليماً يوم القيامة. كما يحذر من اليمين الغموس ويجعلها من أكبر الكبائر لأنها تغمس صاحبها في النار.

عواقب الحلف الكاذب لأجل المال وتأثيره على القلب والعمل

يوضح المقطع أن من يحلف كذباً للحصول على المال يستحق سخط الله وعقابه، ويُحرم الثواب والتزكية، فيأتي يوم القيامة ملوثاً بالذنوب. كما أن حب المال قد يذهب بتقوى العبد ويؤثر سلباً في قلبه وأعماله ومصيره الأخروي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، رحمة الله رب العالمين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: إن قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، قال رحمه الله: إن الذين يشترون الدنيا بالدين، فيختارون الحطام القليل من الدنيا، ويتوسلون إليها بالأيمان الكاذبة والعهود المنكوثة، فهؤلاء لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. وهذا في الأيمان التي يكون فيها اقتطاع الحقوق وأخذ الحقوق، فإن هذا الذي يفعل هذا فهو اشترى الدنيا بالدين، اشترى أو باع دينه بثمن بخس، بثمن قليل. وليس معنى ذلك أنه لو باعه بثمن كثيرًا أنه صحيح، وإنما هذا من باب التغليب، وأنه المراد أنه يخسر دينه بشيء لا يعوض بدين الله. فلو أن له ما في الدنيا فإنه لا يعوض بدين الله. فلذلك الذي يحلف أيمانًا لأجل المال فإنه يوقع نفسه في هذا الأمر العظيم. ولهذا جاء في الصحيحين أن عبد الله بن مسعود كان يحدث في هذه الآية، فذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف على يمين في اقتطاع مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان». فدخل الأشعث، ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ إلى آخر الآية. فسمعه الأشعث، فقال: والله نزلت هذه الآية فيَّ وفي ابن عم لي، فخاصمنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث. فدل على أن المراد بهذه الآية، أو يدخل في هذه الآية، من يحلف زورًا وكذبًا، وهي اليمين الغموس، ويقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان. ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. وأيضًا يدخل في هذا كل من جعل أيمانه كذلك، وجعل مكانها لأجل أخذ المال، كما قال الله عز وجل في أحبار يهود ورهبان النصارى، أو في كثير منهم. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]. يأكلون أموال الناس بالباطل، أي أنهم يعطونهم ما أرادوا لأجل الدنيا. إذا جاءه إنسان يستفتيه، يعطيه الفتوى التي يريدها، ويتحصل من عنده مالًا، ولو كانت هذه الفتوى على خلاف ما أمر الله عز وجل به. فلذلك كانوا يتأكلون من أموال الناس بمثل هذه الأشياء. فلذلك نهى الله عز وجل أن يكون العبد المسلم يشتري هذه الدنيا بالدين. والواجب أن الإنسان يلتزم بدينه، ولو ذهبت دنياه، ولو ذهبت دنياه، فإنه يتمسك بدينه؛ لأن الدين هو رأس المال، وهو الحق الذي يبقى إلى يوم القيامة. أما هذه الدنيا فهي ذاهبة. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ [يونس: ٥٤]. فعن لو كانت لها من هذه الدنيا لافتدت به من عذاب يوم القيامة. وقال الله عز وجل: ﴿فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا فِدْيَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٤٧]. فعن ما سيتقبل الله عز وجل ولو افتدوا بهذه الدنيا؟ فماذا يفعل بها ما دام أنها لا تنفعه يوم القيامة؟ فإذا اشترى الدنيا بالدين فإنه باع دينه. وكما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الفتن، في حديث أبي هريرة، في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر الفتن فقال: «ستكون فتن»، أو قال: «أبادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا أو يصبح مؤمنًا، أو قال: ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». وجاءت رواية صحيحة بإسناد آخر من طريق أبي حازم عن أبي هريرة عند أحمد أنه قال: «يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل». فلذلك فإنه كأنه قد أخرج دينه من قلبه حتى صار زهيدًا، فيبيعه بشيء يسير. وهذه الأشياء تتحقق في هذه الأيَّام، حتى أن الرجل يترك دينه لأجل أموال قليلة، أو يلحد في آيات الله وفي دين الله لأجل أنه سيعطى مالًا مشاهرة. وكذا فيما تفعل بعض المنظمات وغيرها في استدراج بعض الشباب. وكذلك أيضًا ما يدعو إليه الليبراليون والعلمانيون، فإنهم يدعون الناس إلى الإلحاد، يدعون الشباب خاصة إلى الإلحاد، ويغرونهم بالأموال، فيبيع دينه لأجل الدنيا. فقال: ﴿فَأُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي قد حق عليهم سخط الله، ووجب عليهم عقابه، وحرموا ثوابه، ومنعوا من التزكية، وهي التطهير. ولأن المسلم يحتاج إلى التزكية، لكن هؤلاء لا يزكيهم الله. وهذا فيه أن الإنسان إذا شهد بالزور وحلف بذلك، فإنه لا يوفق في دينه، لا يوفق في دينه، ولا يزكيه الله عز وجل؛ لأنه اختار هذه الطريقة التي استهان بها بيمين الله عز وجل، استهان بعظمة الله سبحانه وتعالى، حتى أنه يحلف يمينًا وهو يعلم أنه كاذب، وهو يعلم أنه كاذب فيها. وهذه اليمين الغموس، كما جاء في حديث بكرة في أكبر الكبائر، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس». اليمين الغموس، وقيل أنها سميت غموسًا لأنها تغمس صاحبها في النار. قال: قد حق عليهم سخط الله، ووجب عليهم عقابه، وحرموا ثوابه، ومنعوا من التزكية، وهي التطهير. بل يردون القيامة متلوثين بالجرائم، متدنسين بالذنوب والعظائم. وهذا أمره عظيم. قد تذهب تقوى العبد من قلبه لأجل المال، فيحلف ويأتي بيمين لأجل أنه سيعطى كذا وكذا من المال. لكن ما يدري المسكين أن هذا يؤثر في أعماله، ويؤثر في قلبه، ويؤثر كذلك عليه يوم القيامة. فهذا معنى هذه الآية، والله تعالى أعلم.