تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 34

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 34

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الأمانة والخيانة في أهل الكتاب

يفسر الشيخ السعدي آية آل عمران 75-76 مبينًا انقسام أهل الكتاب إلى فريقين: أمناء يؤدون الأمانات، وخونة يبررون خيانة الأميين. ويسوق قصة الرجل من بني إسرائيل الذي استدان ألف دينار وجعل الله شهيدًا وكفيلًا، فبلغت الأمانة صاحبها بأمر الله دليلًا على صدق التوكل.

مقارنة الأمانة بين بني إسرائيل وأمة محمد

يسرد المقطع قصتين تظهران أمانة نادرة في بني إسرائيل، ثم يبين أن هذه الخصلة كانت قليلة فيهم بينما جعلها الله جذرًا في قلوب رجال هذه الأمة وزادها القرآن والسنة. وحذر النبي من رفع الأمانة في آخر الزمان.

ضياع الأمانة علامة الساعة وتحريف اليهود

يشرح المقطع أن وضع الأمر في غير أهله من علامات الساعة، وينتقد تحايل بعض اليهود على استباحة أموال المسلمين بالكذب على الله. ويؤكد أن الكرامة عند الله بالتقوى وأداء الأمانات لا بالأنساب.

حب الله للمتقين وبغضه للخائنين

يبين المقطع أن من يدعي محبة الله وهو يخون ويكذب ولا يتقي الله لا يحبه الله بل يبغضه. وهذا هو معنى الآية المذكورة في ختام الحديث عن الأمانة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: قول الله جل وعلا: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. قال: يخبر تعالى عن أهل الكتاب أن منهم طائفة أمناء، بحيث لو أمنته على قناطير من النقود وهي المال الكثير، يؤده إليك، ومنهم طائفة خونة يخونونك في أقل القليل. ومع هذه الخيانة الشنيعة فإنهم يتأولون بالأعذار الباطلة، فيقولون: ليس علينا في الأميين سبيل. وربنا جل وعلا يذكر واقع أهل الكتاب، وهذا لعله في جميع الطوائف؛ تجد منهم من هو أمين، ومنهم من هو خائن، لكن الخيانة في أهل الكتاب -خاصة اليهود- أكثر. ولهذا تجد يا ربنا جل وعلا يقول: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي هؤلاء الخونة هم كثيرون. ووجد من أهل الكتاب من عنده أمانة عظيمة، وقد حكى لنا نبينا عليه الصلاة والسلام عدة قصص حصلت في بني إسرائيل تدل على أمانة أصحابها. فمن ذلك مثلاً ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل من بني إسرائيل أنه استدان من رجل من بني إسرائيل، فلما حل الأجل جاء، وكان قد استدان منه ألف دينار. فلما كتب الكتاب قال: هل معك من شهيد؟ قال: الله شهيد. قال: هل معك كفيل؟ قال: الله عز وجل وكفى بالله كفيلًا. فجعل الله عز وجل شهيدًا على هذا المال وكفيلًا أيضًا. فوافق هذا الرجل الذي أعطاه الدين، ثم لما حل الأجل أخذ الألف دينار وذهب بها إلى البحر لعله يجد سفينة، وكان بينهما بحر، لعله يجد سفينة يرسلها معه، فلم يجد سفينة في ذلك اليوم. فأخذ خشبة فنقرها، ثم وضع ذلك المال فيها، ثم دجج -أي سمر- ذلك المكان، وجعلها كأنها خشبة لم يعمل فيها شيء، ثم أرسلها في البحر، وقال: يا رب، إني قد طُلب مني كفيل، فقلت: وكفى بالله وكيلًا، وطُلب مني شهيد، وقلت: وكفى بالله شهيدًا، فرضي، فردها إليه. فذهبت هذه الخشبة حتى جاءت إلى الجانب الآخر من البحر. فخرج ذلك الرجل -أي الذي له المال- يريد أن يأتي ماله، والظاهر أنه وعده أنه سيأتي له في يوم كذا في البحر، وخرج لعله يجد سفينة أتت من عند صاحبه الذي أخذ منه الدين، فلم يجد شيئًا. فوجد خشبة طافية في الماء، فأخذها وقال: أخذها حطبًا لأهلي. انظر إلى سياقة الأمور التي يسوقها ربنا جل وعلا، وكيف يوفق الله عز وجل من أراد من عباده. فأخذ هذه الخشبة، فلما نشرها -أي دقها- فكت، فرأى الصرة -أي كانوا يضعون المال في صرة في خرقة- وكانت دنانير، أي ذهب أو فضة، والدينار هو الذهب والدرهم هو الفضة. فوجد الألف دينار كما هي، أي أقصد أنها لم تتغير. ثم أن صاحبه قد جاء -أي هذا الذي عليه المال- وقال لهذا الرجل: خذ هذا الألف الذي لك. قال: قد أديت. قال: والله ما أديت، أنا ما توقع ذاك الرجل أن هذه الخشبة ستسري له إلى صاحبه. قال: قد أدى الله عنك، قد أدى الله عنك، وأخذت الخشبة وجدت فيها المال. قال: فخرج ومعه الألف دينار. انظر إلى هذه الأمانة العظيمة التي حكاها النبي عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضًا الحديث الآخر في مسألة الجرة: أن رجلًا من بني إسرائيل اشترى أرضًا من رجل من بني إسرائيل، فوجد فيها جرة ذهب، جرة مملوءة من الذهب، فوجدها في الأرض لما كان يحفر. فقال لذاك الرجل أيضًا الأول الذي اشترى منه الأرض: قد وجدت في أرضك هذا الذهب. قال: والله ليس لي، أنا هذا الذهب ليس لي. وهذا يقول: لا، هو ليس لي، إنما وجدته في أرضه. انظر إلى هذه الأمانة، فهذا يتحجج أنه ليس له، وذاك يتحجج أنه ليس له، كل واحد منهما يريد من صاحبه أن يأخذه مع أنه ذهب. ثم تحاكما عند رجل، فقال لأحدهما: ألك ولد؟ قال: نعم. قال لهذا: لك بنت؟ قال: نعم. قال: فهذه الجرة، زوج الولد بهذه البنت، يجعل مهرها هذه الجرة. فانظر إلى هذه الأمانة التي حكاها النبي عليه الصلاة والسلام عن بعض بني إسرائيل. لكن هذا قليل في بني إسرائيل، بخلاف هذه الأمة. هذه الأمة نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، فزادت هذه الأمانة. جعلها الله عز وجل في جذر قلوب رجال هذه الأمة، لهذا صدر هذه الأمة كانوا أهل أمانة عظيمة، كانوا أهل أمانة عظيمة، حتى في البيع والشراء كانوا أهل أمانة وصدق. لهذا أيضًا لما قرؤوا كتاب الله وسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم زادت أمانتهم. ولهذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في آخر هذه الأمة: تتقلب الأمور، وترفع هذه الأمانة، حتى أنك تجد في القوم رجلًا يقال له: ما أظرفه وما أجلده، ويثنون عليه، قال: وليس في قلبه ذرة من إيمان. معناه: الأمانة ليست فيه، قد يكون فيه شيء قليل من الأمانة، لكن لأن الأمانة ذهبت، لهذا تجد أن الرجل وإن كان فيه قليل من الإيمان والأمانة، تجد أنه يثنى عليه ويمدح. أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر كما جاء في الصحيحين، حديث أبي هريرة، أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: وما إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله». إذا وسد الأمر إلى غير أهله. هذه الأمانة العظيمة: أمانة الأمة وسياسة الأمة. فإذا ضيعت هذه السياسة، طلع أناس لا خير فيهم ولا أمانة فيهم، أي رجل كما يقال: يُؤتمن على أمة وليس مأمونًا على بعرة، لو أمن على بعرة لم يُؤتمن، فكيف يؤتمن على أمة وعلى طائفة كثيرة من الناس؟ لهذا تضيع الأمانة، وفي ذلك وقت الساعة. طيب، قال: فيقول هؤلاء اليهود أيضًا الذين هم خونة، كثيرون منهم ويأخذون أموال الناس، وخاصة أموال العرب وأهل الإسلام، ويقولون ويتحججون بأنهم ليس عليهم في الأميين سبيل. معناه: يحل لهم أن يأخذوا من أموال المسلمين، أي ليس علينا جناح إذا غشهم واستبحنا أموالهم لأنهم لا حرمة لهم. قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. لم يحل الله عز وجل لهم أموال العرب وأموال المسلمين، وإنما هذا جاءوا به من عند أنفسهم، وكذبهم الله عز وجل بهذا. قال: عليهم مشد الحرج، فجمعوا بين الخيانة وبين احتقار العرب وبين الكذب على الله، ثلاث جرائم: أولاً الخيانة، والأمر الثاني احتقار أهل الإسلام والعرب، والأمر الثالث وهو أعظم: الكذب على الله. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ليس كمن فعل جهلا وضلالا. قال: ثم قال تعالى: ﴿بَلَى﴾، أي ليس الأمر كما قالوا. ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾، قام بحقوق الله وحقوق خلقه، فإن هذا هو المتقي، والله يحبه. ومن كان بخلاف ذلك فلم يفي بعهده وعقوده التي بينه وبين الخلق، ولا قام بتقوى الله، فإن الله يمقته ويغضب عليه، وسيجازيه على ذلك أعظم النكال. فليس العبرة بأن الرجل يهودي أو نصراني أو من العرب أو كذا، وإنما العبرة بتقوى الله عز وجل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. الكرامة عند الله عز وجل والرفع عند الله هي تقوى الله سبحانه وتعالى. لهذا قال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾، أن اتقى الله عز وجل وأوفى بعهده عند الناس، فلم يخل، فهو هذا الذي رفعه الله عز وجل، وهذا الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. أما من يدعي أن الله عز وجل يحبه وهو يخون ويكذب على الله وليس عنده تقوى، فهذا لا يحبه الله بل يبغضه. فهذا معنى الآية، والله تعالى أعلم.