الدرس في تفسير سورة الشمس من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع الأول بتفسير سورة الشمس، حيث يذكر أهمية الشمس والقسم بها في القرآن ويشرح معاني الآيات الأولى منها. يلقي الضوء على عظيم منافع الشمس وآيات الله في الكون.
يشرح المقطع الثاني الآيات التي أقسم الله فيها بالسماء وبنائها، ويبين معنى "ما بناها" على أنها إما بمعنى "من بناها" أو مصدرية بمعنى "بنائها". يوضح دلالة ذلك على عظمة خلق الله.
المقطع الثالث يتناول تفسير الآيات الثلاث الأولى من سورة الشمس، حيث يقسم الله تعالى بالسماء وبانيها أو بنائها، وبالأرض وما طحاها، وبنفس الإنسان وما سواها. يشرح معاني هذه الآيات وتفسيرات العلماء لها.
المقطع الرابع يتناول تفسير قوله تعالى: ﴿وما سواها﴾ حيث يوضح أن لها معنيين إما سواها أي الخلقة أو ما سواها بمعنى الفطرة، ويشير إلى ورود ذلك في الأحاديث.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة الشمس مكية، وآياتها خمس عشرة آية. هذا الشروع أو هذا الوقت نبدأ به في شروع هذه السورة من سور القرآن، والتي جاءت تسميتها بهذا الاسم بسورة الشمس، وهذا اسمها هو الذي جاء في أكثر المصاحف وفي كتب التفاسير، وجاء كذلك باسم آخر باسم «والشمس وضحاها»، جاء ذلك في السنة، في البخاري وغيره، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، فقال له: «هل لا صليت بسبح اسم ربك الأعلى وبالشمس وضحاها؟» فالشاهد أن هذه من تسمية سورة الشمس. قال رحمه الله تعالى: مكية، وهذا بالاتفاق، تكرارًا ومرارًا نذكر أن المكي هو كل ما نزل قبل الهجرة. قال: وآياتها خمس عشرة آية. قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿والشمس وضحاها﴾، ضوئها. ابتدأت هذه الآية لأسلوب القسم، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿والشمس﴾ أي أقسم بالشمس، وقسم آخر ﴿وضحاها﴾ أي أقسم بضحاها، فعندي قسمين في هذه الآية. فالقسم الأول الشمس، وهو هذا الجرم السماوي الضخم العملاق، وكثيرًا ما يقسم به ربنا. وقد ذكرنا في دروس خلت أن القسم بالشيء يدل على عظمته وعلى عظيم منفعته. والشمس لا يخفى على أحد من ما يتعلق بأهميتها وعظيم فوائدها، فمنها الضوء، ومنها الحرارة، تجد في أيام البرد الناس يبحثون عن الشمس، وكذلك فيها زيادة عن الحرارة، فيها مسألة التطهير، فهي منظفة مطهرة، تجد أن الناس إذا أرادوا أن ينظفوا بيوتهم تعمدوا في إدخال الشمس إليها بفتح النوافذ أو بإخراج الأمتعة، وذلك اغتنامًا للشمس. حتى أن من فوائدها أنها تعطي طاقة، وطاقتها تكون للإنسان، لا يخفى على أهل الاختصاص ما يسمى بفيتامين «دال»، فيتامين «دال» من أعظم الفيتامينات التي تعطي بنية الجسد، هذه من أين مصدرها؟ من الشمس. فتجد من كان عنده نقص يطلب منه الأطباء أنه يعرض نفسه على الشمس أو في أوقات معينة. وليست فقط الشمس طاقة للإنسان، بل حتى أصبحت الآن أنظر للعصر الحديث ما يسمى بالطاقة الشمسية، وأصبحت عندنا هذه الألواح التي تغذي من قبل الشمس. فانظر يا عبد الله إلى عظيم منافع الشمس، فمنافعها عظيمة جدًا جدًا، ولهذا أقسم بها ربنا، فقال: ﴿والشمس﴾، ثم قال: ﴿وضحاها﴾ أي وقت الضحى، ضوء الضحى. أشار العلماء إلى أن وقت الضحى هو حين ترتفع الشمس عن الأفق، هذا الارتفاع الذي أقسم به ربنا سبحانه وتعالى. قال إمام الآلوسي رحمه الله تعالى: حين تحدث عن القسم بالضحى ﴿والشمس وضحاها﴾ قال: وحقيقته تباعد الشمس عن الأفق وبروزها للناظرين، وهي من أعظم آيات الله، فهي سبب الحياة. قال: ﴿والقمر إذا تلاها﴾، قال: تبعها، التل المتابعة، فلان يتلو خطى فلان، وفلان يتلو من بعده أو يليه من بعده. هنا الإتباع والتلية بمعنى التبعية. قال: ﴿والقمر إذا تلاها﴾ أي تبعها، تبع الشمس طالعًا عند غروبها، طالعًا عند غروبها. وهنا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إذا تلاها﴾ العلماء على قولين: تلاها نعم تبعها، لكن تبعها في ماذا؟ إما أن القمر تبع الشمس في سيرها، تبعها في سيرها، أو أنه تبعها في إضاءتها، يحتمل هذا ويحتمل هذا. الشمس كانت في ريع النهار تضيء، ثم إذا غربت جاء القمر وأضاء، وخاصة في الليالي البيض. فتلاها هنا تبعها إما في سيرها وإما في إضاءتها. قال: ﴿والنهار إذا جلاها﴾، قال: بارتفاعه، أي ارتفاع النهار، وهذا قسم آخر، أقسم ربنا عز وجل بوقت النهار، ومن عظيم آية النهار التجلية. وما معنى التجلية؟ التجلية في لغة العرب بمعنى الإظهار والإبراز، فإن النهار إذا ظهر تجلى كل شيء، هذه آية والله آية عظيمة جدًا. أحيانًا الناس يحتاجون إلى إضاءة، مثلًا في بعض المقامات الليلية مثل الملاعب أو التجمعات، يحتاجون إلى كشافات وإلى شيء مذهل من الإضاءة. وأذكر فيما أذكر قريبًا عن قرية في بعض الدول التي هي تعيش في أغمار الوديان، بحيث أن الشمس والنهار ما يظهر عليها، فاضطروا إلى إتيان بألواح ضخمة جدًا، بحسابات دقيقة، حتى وزنوها على أن الشمس تضرب على هذه الألواح، ثم ينعكس النهار على القرية، خسروا في هذا المشروع المليارات، وفرحوا أيما فرح على هذه الشمس الصناعية على حد زعمهم. لكن انظر ما هي المنفعة؟ قرية صغيرة. وتأمل في هذا النهار الذي يملأ أرجاء المعمورة، وأنت في غرفتك تجد الضوء ساطعًا. وانظر كيف نعيش الآن بهذا النهار الجميل البديع، آية من آيات الله سبحانه وتعالى. فأقسم ربنا بالنهار، قال: ﴿والنهار إذا جلاها﴾ أي جلى الأرض. قال: ﴿والليل إذا يغشاها﴾، قال: يغطيها بظلمته. وهكذا الليل إذا دلا، دخل الظلام وأتى بجنح الليل، تجد السواد الذي يكسح الأرض، سواد عظيم جدًا، فرق ما بين النهار وما بين الليل، وفي ذلك منافع، وفي ذلك منافع للناس ولمصالح العباد، بما يكون به الراحة والنوم وهدوء الجسم وهدوء الأمم وغير ذلك من المنافع. فقال: ﴿والليل إذا يغشاها﴾ أي أغشى، ربنا سبحانه وتعالى أقسم بالليل، قال: يغطيها بظلمته. قال: ﴿وإذا﴾، أي كلمة «إذا»، قال: وإذا في الثلاثة لمجرد الظرفية. ما الذي يعنيه «إذا» في الثلاثة؟ أي في الأقسام الثلاثة: ﴿والقمر إذا تلاها﴾، ﴿والنهار إذا جلاها﴾، ﴿والليل إذا يغشاها﴾. قال: وإذا في الثلاثة لمجرد الظرفية، أي لم تأت هنا للشرطية، لم تأت هنا للشرطية، أي فلا تحتاج إلى جواب، لا تحتاج إلى جواب، لأن أسلوب الشرط يحتاج إلى فعل الشرط وإلى جواب الشرط، فهذا ليس عندي هنا أسلوب شرطي، وإنما هنا «إذا» للظرف. ثم قال رحمه الله تعالى: وإذا في الثلاثة لمجرد الظرفية، والعامل فيها فعل القسم، العامل فيها أي في «إذا» فعل القسم. أين القسم؟ القسم محذوف، القسم محذوف. إذن تقدير هذه الآيات: ﴿والقمر إذا تلاها﴾ بمعنى أقسم بالقمر حين أتبعه، وبقوله تعالى: ﴿والنهار إذا جلاها﴾ أي أقسم بالنهار حين التجلية، وفي ﴿الليل إذا يغشاها﴾ أي أقسم بالليل حين التغشية. هذا يكون معنى القسم بحذف ماذا؟ بحذف فعل القسم. فربنا عز وجل أقسم بهذه الأشياء على هذا الوصف المذكور. ثم قال سبحانه: ﴿والسماء وما بناها﴾، لا زال هذا القسم، أسلوب القسم في هذه الآيات، أقسم ربنا عز وجل بالسماء، وكثيرًا ما يقسم ربنا عز وجل بالسماء، أي آية من آيات الله. والسماء هذا قسم، ﴿وما بناها﴾ قسم ثاني، وما بناها قسم ثاني. وما معنى ﴿وما بناها﴾؟ المعنى يتضح في معنى «ما». ما المقصود بـ«ما» هاهنا؟ العلماء قالوا: أن «ما» في هذا القسم تحمل على أحد معنيين. إما في قوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها﴾ أن «ما» هنا بمعنى «من»، أي موصولة، أي موصولة، «ما» بمعنى «من» في كل آية: ﴿والسماء وما بناها﴾ أي ﴿والسماء ومن بناها﴾، ﴿والسماء ومن بناها﴾، وهذا يأتي كثيرًا يعبر عن «من» بـ«ما»، كما قال تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، «ما» طاب بمعنى «من» طاب لكم، ومر معنى قريبًا في قوله تعالى: ﴿ووالد وما ولد﴾، «ما» بمعنى «من» ولد، وهكذا الآية تسير على هذا النسق. فقول سبحانه وتعالى: ﴿والسماء وما بناها﴾، «ما» هنا موصولة بمعنى: ﴿والسماء ومن بناها﴾، من بناها الله سبحانه وتعالى، فيكون المعنى: ﴿والسماء وبانيها﴾، أقسم ربنا عز وجل بالسماء، وأقسم ربنا عز وجل بنفسه العلية سبحانه وتعالى، هذا المعنى الأول. المعنى الثاني في قوله سبحانه وتعالى: «ما» هنا مصدرية، «ما» هنا مصدرية، أي تنسبك بما بعدها على تأويل مصدر، فيكون المعنى: ﴿والسماء وبنائها﴾، أي أن الله عز وجل أقسم بالسماء كونها سماء، وأيضًا أقسم على ما كان من وصفها من متانتها وسعتها وعظيم ارتفاعها، هذا كله يدخل على هذا النوع الثاني، وبنائها. إذن خلاصة الكلام في هذه الآية: ﴿والسماء وما بناها﴾ على أحد معنيين، إما ﴿والسماء وبانيها﴾ أو ﴿والسماء وبنائها﴾، إما السماء وبانيها وهو الله، وإما ﴿والسماء وبنائها﴾، هذا وذاك كله صحيح. قال رحمه الله تعالى: ﴿والأرض وما طحاها﴾، وهذا قسم آخر، أقسم ربنا عز وجل بالأرض، وهذه البسيطة التي نحن -وإياكم- نعيش فيها، أقسم بها ربنا عز وجل، وما أقسم بها ربنا إلا لعظيم أمرها وعظيم شأنها، وأقسم ربنا بالأرض كثيرًا، فهي من أعجب خلق الله سبحانه وتعالى، جعل فيها من الأنهار والوديان والجبال، وفجر فيها من العيون، وجعل فيها ما جعل من الأسرار التي إلى الآن لا زال الناس يتكشفون من أسرارها ما تذهل له العقول. قال سبحانه: ﴿والأرض وما طحاها﴾، طحاها، قال: بسطها، الطحي بمعنى البسط. نعم، للعلماء في كلمة الطحي هنا عدة أقوال، لكن ما ذكره المؤلف هو الأصح، طحاها أي بسطها. وقد علق ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، عندما ذكر أن معنى طحاها بسط الأرض، قال: وهذا هو أشهر الأقوال، وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف في لغة العربية، هكذا تعليقه رحمه الله تعالى على معنى طحاها أي بسطها. فالأرض مبسوطة، وقد ذكرنا في دروس خلت في هذه السلسلة من تفسير جزء «عمّ» أن الذي يعتقده أهل السنة في هذه المسألة التي تنازع فيها علماء المادة، ما حقيقة الأرض؟ الصحيح أن الأرض كروية الكل، مسطحة الجزء، كروية الكل، مسطحة الجزء، وذلك بما دلت عليها الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. فهذه آية من آيات الله أن الله عز وجل بسط لنا أجزاء من الأرض، عليها نحيا، عليها نمشي، عليها نعيش، عليها نسكن، عليها نستقر، وإلا لولا ذلك لو كانت الأرض عبارة عن جبال ووديان وهضاب وسهول، لما استطاع منا أحد أن ينعم بعيش، فلله الحمد بعد حمد. قال: ﴿والأرض وما طحاها﴾، «ما» طحاها كما مضى، إما «ما» موصولة أو «ما» مصدرية، وكلاهما لا يخرجه عن القسم. قال: ﴿ونفس وما سواها﴾، قال: نفس بمعنى نفوس، من أين جاء الجمع؟ قال: هنا من التنوين، ونفس، من فوائد التنوين أنه يأتي للتكثير، يأتي للتكثير. ونفس أي نفوس. قال: ﴿ونفس وما سواها﴾، قال: في الخلقة، وما سواها في الخلقة. واختلفت أقوال علماء في تعيين النفس هاهنا، من أهل العلم من ذهب إلى أن الله عز وجل أراد بهذه الآية جميع الكائنات، من البشر ومن غيرهم، من الدواب والكائنات والحيوانات، إذ أن الله خلق هذه الخلائق وسواها، سواها في هيئتها، سواها قومها في أجسادها وأجسامها. فجعل لكل كائن حي من الجسد والجسم والهيئة ما يتلاءم مع طبيعته، ما يتلاءم مع طبيعته. فانظر إلى الزواحف التي تزحف على بطنها، جعل لها ربنا عز وجل من الجسد ما يلائم الطبيعة التي بها تعيش، وهكذا الحيوانات التي تعيش على أربع، جعل الله لها من الهيئة التي بها تعيش، ومن الصفة التي تتكيف مع بيئتها. وهكذا الأسماك، الأسماك والتي في البحار هي كذلك، أعطاها الله من الهيئة ما تعيش فيها في أغمار البحار والمحيطات، سبحانه من خلق فسوى، من خلق فسوى. فهنا النفس تحمل على عموم الخلائق، هذا قول. وقول آخر من أهل العلم يرى أن الكلام يتحدث عن النفس البشرية، وقد مضى معنا قريبًا في أن الله عز وجل أبدع سبحانه وتعالى خلق الإنسان، ولقد كرمنا بني آدم، وأيضًا قال سبحانه: ﴿ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾، فحمل العلماء إما أن النفس التي سواها أي هيأها الله، خلقتها، إما على عموم الكائنات أو بخصوص البشر. ومن أهل العلم من قال في كلمة سواها: ليس ما ذهب إليه المؤلف، المؤلف جعل التسوية في الخلقة، منه من قال: لا، المقصود بالتسوية هنا الفطرة الفطرية، أي أن الله عز وجل لما خلق وأوجد هذه النفوس سواها على الفطرة السليمة، سواها على الفطرة السليمة، وهي التي قال عنها ربنا: «فطرة الله التي فطر الناس عليها»، بهذه السواء التسوية، والسوية النفس السوية. وجاء ذلك كثيرًا في الأحاديث، فشاهد في قوله تعالى: ﴿وما سواها﴾ إما سواها أي الخلقة، أو ما سواها بمعنى الفطرة. نقف إلى هذا الحد إلى هاهنا، وغدًا بإذن الله نواصل الحديث.