الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  16

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 16

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 16، ألقاها

شرح حديث النبي حول التعزية بعزاء الجاهلية

المقطع يشرح حديثين للنبي صلى الله عليه وسلم يتعلقان بالتعزية بعزاء الجاهلية، حيث يأمر النبي بتعنيف من يتعزى بعزاء الجاهلية. تم ذكر سلسلتين مختلفين من الرواة لهذا الحديث.

نهى النبي عن التعزى بعزاء الجاهلية ودعوى الجاهلية

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعزى بعزاء الجاهلية ودعوى الجاهلية، مثل أن ينسب الإنسان نفسه إلى قبيلة معينة تفاخراً أو تعزية، وأمر بمعاقبة من يفعل ذلك.

تحذير الإسلام من الافتخار بالآباء ودعوات الجاهلية

نهى الإسلام عن الافتخار بالآباء ودعوات الجاهلية التي تفرق المسلمين وتحض على العصبية، وأمر بالتعجب بالإسلام ودعوة أهله. من يفعل ذلك يزجر ويقال له كلام يعيده عن هذا الفعل.

تحريم عزاء الجاهلية وتبرؤ النبي منه

نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عزاء الجاهلية الذي يتضمن لطم الخدود وشق الجيوب، وتبرأ منه في حديث عبد الله بن مسعود. هذا النهي يدل على مخالفة عادات الجاهلية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مطول هذا الوادع رحمه الله: قال الإمام النسائي في عمل اليوم والليلة: قال أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة، وأحمد بن محمد بن المغيرة هو حمصي. قال أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة، وهو أثقة أو صدوق، قال: حدثنا معاوية، وهو ابن حفص، وهو الشعبي أصله طوفي، لكنه نزل حلب. قال: حدثنا سر بن يحيى، والسر بصري ثقة، عن الحسن، وهو الحسن بن أبي الحسن أبو سعيد البصري، إمام أهل البصرة، كان واعظا رحمه الله وزاهدا. قال: عن عتي، وعتيه، وابن ضمرة، وهو ثقة، فقد أدرك جماعة من الصحابة، علي وعثمان، وأبي بن كعب، وغيره، قال: عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من سمعتموه يدعو بدعوة الجاهلية فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوا». قال: هذا حديث حسن. عن الخلافي، وعاوية بن حفص، منهم من يقول ثقة، منهم من ينزله إلى صدوق. وقال شيخنا: حديث حسن. وقال الإمام النسائي رحمه الله في عمل اليوم والليلة، وعمل اليوم والليلة هذا من ضمن السنن الكبرى، قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، وهو الصنعاني، محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا خالد، وخالد هو ابن الحارث البصري، كان من خيرة أهل البصرة. قال: يحيى بن سعيد القطان، وهو زميله، قال: ما رأيت خيرا من سفيان وخالد بن الحارث، سفيان الثوري. وقال الإمام أحمد رحمه الله: إليه المنتهى في التثبت في البصرة، وهذه الكلمة هي من أرفع الكلمات في التثبت، إليه المنتهى في التثبت، هذه من أرفع كلمات في التثبت على نهاية التثبت عنده، عنده تثبت عظيم، وكان من أصحاب شعبة. قال: حدثنا عوف، وهو عوف ابن أبي جميلة العرابي، وعوف ثقة، ومنهم من يقول هو أدنى من ثقة، كما ذكر الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه، كأنه ينزله عن كتبة الثقة إلى الصدوق، فعوف ابن جميلة وهو بصري، قال: عن الحسن، عن عتي ابن ضمرة، قال: شهدته يوما يعني أبي ابن كعب، وإذا رجل يتعزى بعزاء الجاهلية، فأعضه بأجر أبيه ولم يكنه، فكأن القوم استنكروا ذلك منه، فقال: لا تلوموني، فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «ما رأيتم يتعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه ولا تكنوا». قال: هذا حديث الحسن، وهو الحديث الأول، إلا أنه خالفه في اللفظ، خالفه في اللفظ، ذلك «من سمعتموه يدعو بدعوة الجاهلية»، وهذا «من رأيتموه يتعزى بعز الجاهلية»، وكل المعنى واحد أو متقارب. قال: وخرجه الإمام محمد، فقال: حدثنا محمد بن جعفر، وهو الذي قال له غندر محمد بن جعفر البغدادي رحمه الله، كان ربيب شعبة، لازم شعبة عشرون سنة، ولهذا كان يكتب، وكان كتابه حكم بين أصحاب شعبة، كما قال عبد الرحمن ابن مهدي: كتاب محمد بن جعفر حكم بين أصحاب شعبة، يعني إذا اختلفوا جاءوا إلى كتاب محمد بن جعفر. قال: حدثنا عوف عن الحسن عن عتي بن ضمرة عن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن رجلا اعتزى بعزاء الجاهلية، فعضه ولم يكنه، فقال: أنا أيبي عضه ولم يكنه، فنظر القوم إليه، فقال للقوم: إني قد أرى الذي في أنفسكم، إني لم أستطع إلا أن أقول هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا إذا سمعتم من يتعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه ولا تكنوا. قال: وحدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عوف عن الحسن عن عتي عن أبي بن كعب به. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، وهذا كله أسانيد الإمام أحمد، وعيسى بن يونس هو ابن أبي إسحاق، وهو كوفي يوثقه، قال: عوف عن الحسن عن عتي عن أبي به. قال: حدثنا إسماعيل وهو ابن علية عن يونس وهو ابن عبيد، يونس ابن عبيد من ثقات البصرة وإمامهم، عن الحسن عن عتي، قال: قال أبي به: كنا نؤمر، وإذا اعتزى رجل فتكر مثله. وقال الإمام عبد الله بن أحمد كما في زوائد المسند: حدثنا محمد بن عمر بن العباس الباهلي وهو ثقة، قال: حدثنا سفيان وهو ابن عيينة، سفيان ابن عيينة أبو محمد الهلالي، عن عاصم، عاصم ابن أبي النجود، عن أبي عثمان وهو النهدي، عبد الرحمن ابن مل، ويقال ابن مل، وابن مل يعني يصح فيه الثلاثي، عبد الرحمن ابن مل أو ملا أو ملوح، قال: عن نبي عثمان، عن أبي رضي الله عنه: أن رجلا اعتزى، فعضه أبي بهن أبيه، فقالوا: ما كنت فاحشا، قال: إن أمرنا بذلك. قال: هذا حديث صحيح. وهذا عاصم ابن سليمان الأحوال، وهذا أيضا متابعة لعتي ابن ضمرة، وعتي أكثر العلم على أنه ثقة، والظاهر أن بعض الباحثين كالشيخ شعيب الأرناؤوطي أخطأ، فقال: إنه ضعيف، وجعل رواية ابن عثمان متابعة له، وعتي ثقة، ورواية ابن عثمان متابعة له في القوة، أن يزداد الحديث قوة، فحديث ابن عثمان صحيح لذاته، وحديث عتي أيضا صحيح، ويزداد قوة بحديث عثمان. ومعنى هذا الحديث بهذه الأنفاض: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر ونهى عن التعزي بعزاء الجاهلية، وأن يدعي الإنسان دعوى الجاهلية، والمراد أنه يقول مثلا عند المصيبة: يا آل فلان، ينسب نفسه إلى قبيلة من القبائل مشهرة تفاخرا أو تعزيا تعزيا بمصيبته، فتعزى بغير الله، فيقول: يا آل فلان، أو أنه يدعي دعوى جاهلية، يدعي دعوى جاهلية، يقول مثلا عند الاختصام مع إنسان أو كذا: أنا من آل فلان، وسآتي بآل فلان، يا آل فلان، يدعو بدعوى الجاهلية، مثل ما قال ذاك المهاجر والأنصار: يا للمهاجرين، وقال الأنصار: يا للأنصار، مع أن هذه ألفاظ شرعية، إذ سماهم الله عز وجل المهاجرون، وسمى الأنصار، مع هذا إلا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة». فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مثل هذه الأمور، والتفاخر بالآباء، والدعوى بدعوى الجاهلية، من منادات أو ادعاء أنه من آل فلان، والفخر بذلك، وأنه سيأتي بقومه، وأن قومه هم له، وكذا من هذه القبيلة، أو من هذا، أو من هذا النوع من الدعوى بدعوى الجاهلية، وكل ذلك منهي عنه. فإن أيضا نبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم: قال: «ادعى رجلان فيمن بني إسرائيل، فقال أحدهما: أنا ابن فلان ابن فلان ابن فلان - عشرا - تفاخرا، فقال: أنا ابن فلان ابن الإسلام، فأوحى الله عز وجل إلى نبي ذلك الزمان: أن كل هذا المفتخر بآبائه أنه عاشرهم في النار، عاشرهم في النار». فالافتخار بالآباء، والتعجب بهم، فهذا من دعوات الجاهلية التي لا يجوز للمسلم أن يتحامى بها، وإنما يتعجب بالإسلام، يدعو دعوة الإسلام: أنا ابن الإسلام، أنا يا أهل الإسلام، مثلا إذا أراد يدعي، يدعي بدعوة على الكفار، يدعو بأهل الإسلام لأهل الإسلام، لا يدعو بدعوات جاهلية تفرق أهل الإسلام وتحزب أهل الإسلام، فإن هذا منهي عنه. فمن فعل ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوا»، والمراد فاعضوه بهن أبيه، أي يقال له: عض هن أبيك، والهن هو الذكر، لهذا استنكروا هذا اللفظ من أبي، فقالوا له: يا ما كنت فاحشا، يا أبا المنذر، من أين أتيت بهذا الكلام؟ فقال: فجاء لهم بهذا الحديث، فلو قال: لماذا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: يا المهاجرين، وذا قال: يا للأنصار، لم يأت بشيء من هذا الكلام؟ قيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعوا هؤلاء بدعوة لم يدعوا بدعوات جاهلية أي جاهلية محضة، وإنما دعوا بدعوات من دعوات أهل الإسلام، لكنها تشبه دعوة الجاهلية لأنها فيها تفرق، وفيها أيضا العصبية، هذا يا للمهاجرين، وهذا قال: يا للأنصار، ففيها دعوة إلى التفرق، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل مثل هذا. لكن من دعا بدعوة جاهلية وواضحة، فإنه يقال له مثل ما قاله: «عض هن أبيك»، أنا عض ذكر أبيك، وهذه تقال لأجل زجرة، زجرة عن مثل هذا الكلام، من يأتيه. قال: «ولا تكنوا» أي لا تأتوا بكلام موهم، بل صرحوا له بهذا الكلام، صرحوا له بهذا الكلام، حتى يعلم أن هذا التعزي الذي تعزاه إنما هو من هذا الباب، من باب الفحش، ومن باب أيضا ما هو أعظم من الفحش، ما هو أعظم من الفحش، وهو تفرق المسلمين، وكذلك أيضا حصول العصبية بين الناس، فهذا قد نهى عنه الإسلام أشد النهي. وقد قال أيضا أبو بكر رضي الله عنه مثل هذا الكلام لعروة بن مسعود الثقفي، لعروة بن مسعود الثقفي لما جاء في الحديبية، وقال: يا محمد، ما أرى حولك إلا أوباش، حريا أن يفر ويدعوك، يقول عروة بن مسعود على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أرى حولك إلا أوباش حريا أن يفر ويدعوك. فقال له أبو بكر: فنحن أمسس بضر الله، فنحن نفر عنه، قال له: أمسس بضر الله، وهذا أيضا كلمة قالها أبو بكر من باب الغضب على هذا الرجل الذي أراد أن يفرق بين أهل الإسلام، وأيضا كذلك أراد أن يحصل الهوان في أهل الإسلام، فقال: نحن نفر عنه. فقال عروة بن مسعود: من هذا؟ قال: أبو بكر الصديق. فقال: لولا أن له يدا عندنا... فخلاصة هذا الكلام: أن من تعز بعزاء جاهلية، فهو قد جاء بجرم عظيم، فتقال له هذه الكلمة من باب زجره، من باب زجره عن هذا الأمر العظيم الذي يأتي به، وهو التفرق والتعصب، وأيضا التشردم. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن عزاء الجاهلية، وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضا في حديث عبد الله بن مسعود: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، وعزا بعزاء الجاهلية»، تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم منه. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم وأحكم. الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على