تفسير سورة الشمس من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة الشمس من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة الشمس من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية كذب الثمود وسبب ذكرهم في سورة الشمس

يتناول المقطع تفسير آية كذب الثمود بطغواها من سورة الشمس، حيث يشرح سبب ذكر ثمود في السورة ويفسر معنى الطغيان. يُبين كيف أدى طغيان ثمود إلى تكذيبهم لنبيهم صالح عليه السلام.

قصة قتل الناقة وصفات قدار بن سالف وتفاصيل الجريمة

يروي المقطع قصة قتل الناقة التي كانت معجزة لنبي الله صالح عليه السلام، حيث احتج قومه بأن الناقة آذتهم في مائهم. تم تحديد قدار بن سالف كقاتل للناقة، وقد وصفه النبي بأنه رجل عارم عزيز منيع في رهطه.

تفاصيل قتل ناقة صالح ونتائج الطغيان

قتل قدار الناقة بطعنها في خاصرتها ثم في لبتها حتى نزفت وماتت، وكان ذلك بتحريض من قومه. يذكر أن الله تعالى أرسل ناقة لقوم صالح كفتنة وابتلاء لهم، وقد فشلوا في هذا الاختبار.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كما ذكرت في درس أمس بأننا في هذه الأوقات، من بعد صلاة الظهر، سنستمر في قراءة تفسير الجلالين، ومضى معنا ما يتعلق بسورة الشمس في تلكم الأقسام التي مضت في أول السورة الكريمة: ﴿والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. كذب الثمود بطغواها. ذكرنا هنا فائدة: لماذا ذكر الثمود فقط في هذه السورة الكريمة؟ ذكرنا المحامل الثلاث التي ذكرها العلماء في هذه المواطن. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: «كذب الثمود رسولها صالحًا». أرسل الله عز وجل صالحًا عليه السلام رسولًا نبيًا إلى ثمود، قال: «بطغواها»، بسبب طغيانها، أي أنهم قد وصلوا من الطغيان -والطغيان هو مجاوزة الحد- الطغيان هو مجاوزة الحد، منه يقال: طغى المرء، أي تجاوز حده. فهؤلاء القوم الأشقياء بلغ بهم الطغيان إلى أنهم كذبوا رسولهم، تمردوا عليه، أعرضوا عن رسالته، وهذا من لوازمه العراض عن الله سبحانه وتعالى. قال: «كذب الثمود بطغواها»، قال: بسبب طغيانها، قال: «إذ انبعث أشقاها»، قال: إذ انبعث أسرع أشقاها، واسمه قدار، إلى عقر الناقة. برضاهم، هنا إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى من هذا الذي عقر الناقة؟ عقر بمعنى قتلها. هنا قال المؤلف: «واسمه قدار»، وهذا قد اشتهر في كتب التاريخ والسير أنه قدار بن سالف. وجاءت الروايات المبينة في سبب إقدامهم أو إقدامه على قتل الناقة على عدة روايات، من أشهرها أن امرأة كبيرة اسمها عنيزة طلبت من قدار أن يقتل ناقة صالح، أن يقتل ناقة صالح بمقابل أنها ستزوجه إحدى بناتها، كانت لها أربع بنات: اختر أيهن شئت تكون زوجة لك، لكن بالمقابل أنك تقتل الناقة. تأتي مسألة وهي: لماذا القتل؟ ما الذي فعلته الناقة لهم حتى يقدموا على قتلها؟ ذكر العلماء أن قوم ثمود تبرموا من الناقة. الناقة ينبغي أن نعلم أن من شريعة صالح عليه السلام التي سنها لقومه: على أن هذه الناقة ستتفرغ للورد يومًا بأسره، أي ترد الماء لوحدها، لوحدها فتشرب وتشرب ولا ينازعها أحد من الدواب والمواشي، وفي اليوم الثاني المجال متاح لكم ولمواشيكم ولدوابكم، يوم بيوم. وهذا الأمر هو الذي جعلوه ذريعة -ذريعة- على قتلها، قالوا: أنها آذتنا في مائنا وفي وردنا، وآذت، قللت واستنزفت الكثير من الماء، فرأوا أن هذه حجة في أنهم يتخلصوا منها حتى يستأثروا بالماء كله، بدل أن يقسم بينهم يكون لهم. هذا وجه، وقيل: الوجه الثاني: أنه احتجوا على أن الناقة -طبعًا من خلقتها- أنها كانت عظيمة، ليست كباقي النوق، لا كانت عظيمة من حيث الجسامة والضخامة، فاحتجوا على أن هذه الناقة بهذه الصورة كانت سببًا إلى ذعر وخوف بقية المواشي، إذا جاءت إلى محل هربت المواشي، فقالوا: أثارت الرعب والذعر. فالمبتلى والماكر والكائد يتعلق بأي شيء ذريعة، وهم جاءوا بمثل هذه الأعذار التي بها يتوصل إلى القضاء على الناقة. فحينها جاء ذاك مطلب، فقام قدار الدني الخبيث الكافر وتحمل هذه المسألة. فقال سبحانه وتعالى: «إذ انبعث أشقاها»، أي أشقى القوم هو الذي تولى القتل بيده. وفي هذه الآية: «إذ انبعث أشقاها»، جاءت في السنة التوضيح لمعالم هذا الشقي، جاءت المعالم الواضحة من نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد قال عليه الصلاة والسلام مخبرًا عن صفة هذا الرجل، قال: بعدما قرأ نبينا «إن بعث أشقاها»، قال: «إن بعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه»، «إن بعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه»، وجاء بلفظة: «انتدب لها رجل ذو عزة ومنعة». هذه صفات هذا الرجل الذي أكثر الروايات -بل كل الروايات- تشير إليه: قدار، قدار بن سالف. هذا الرجل وصفه نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله: «إن بعث لها رجل عارم»، والعارم هو الرجل الشرس الشرير، شرس شرير مقدام جريء، هذا يوجد في كل مجتمع، تجد أن بعض الناس من أهل الخبث عنده قدرة وجرأة ويدخل ولا يبالي، فهذا عارم، هذا عارم. فوصفه نبينا قال: «فانبعث لها رجل عارم عزيز»، عزيز، أي له عزة، له وجاهًا، كما في الرواية الأخرى: «فانتدب لها رجل ذو عزة»، أي أنه في نفسه عزيز، له مكانة، له أصل ونسب، وله جاه وسيادة. قال: «إن بعث لها رجل عزيز منيع في رهطه»، منيع في رهطه، وجاء كذلك: «ذو منع»، منع، أي عنده حماية من قومه، فليس فقط العزة في نفسه، لا بل العزة كذلك في غيره، هو عزيز في نفسه، وأيضًا له عزة عند قومه، فقومه يعزونه، يعني مثل رجل له منصب في مجتمعه، ما أحد يستطيع يتجرأ عليه، من أراد أن يقدم عليه بضرر قام قومه دون ذلك، فهو رجل عزيز ذو منعة. هذه صفاته قدار، هذا الذي أقدم على ذلك. ما الذي صار؟ الذي صار: أنه انتظر وارتقب يوم الورد الذي تأتي فيه الناقة، فلما جاءت هذه الناقة لكي تشرب على عادتها سليم مسلم، نهض إليها قدار فطعنها، فطعنها فسقطت، فلما سقطت أتى إلى لبتها، وهي الفتحة في آخر العنق، وهنا الذي بها يكون النحر للإبل والجمال، فنحرها وطعنها في لبتها حتى نزفت، فماتت. هذه خلاصة ما يذكر العلماء في أمر قتل ناقة صالح عليه السلام. الفصيل طبعًا أكثر الروايات تتحدث عن وجود فصيل، لكن القرآن ما أشار إلى هذا، لكن على الشهرة: الفصيل كيف كان مصيره؟ وقيل: إما أنه هرب، وقيل: أنه قتل مع أمه، قتل مع أمه. فجاء كذلك في موطن آخر في بيان هذه المقتلة في قوله سبحانه وتعالى: «فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر»، فنادوا صاحبهم، أي كلهم ما أرادوا أنهم يقدموا، لكن تعال أنت، معروف بالجرأة وبالحمق، تعال، فنادوا صاحبهم، تعال أنت الذي تتولى القتل بيدك، فجاء «فتعاطى فعقر»، فقوله سبحانه وتعالى: «فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر»، تعاطى، قيل: أنه أخذ السيف مشهرًا ومشهرًا به، ما يبالي بما سيقدم عليه من هذا الكفر والتكذيب لآية من آيات الله، ما يبالي. وقيل: تعاطى، أي أنه تعاطى أمرًا عظيمًا، أي أوبق نفسه في أمر عظيم، ما كان ينبغي أن يدخل فيه. فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر. فقال سبحانه وتعالى: «فكذبوه فعقروها»، وذا سيأتي معنا في درس غد بإذن الله. لكن كانت الناقة التي أرسلها الله عز وجل إلى قوم صالح نعم هي آية، وهي كذلك اختبار، هي آية وكذلك هي اختبار للقوم، هل يثبتوا بالتصديق والإيمان أم يكفروا ويجحدوا؟ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم﴾، فأخبر ربنا عز وجل على أن من مكام إخراج هذه الناقة الافتتان، اختبرهم الله عز وجل، وقد فشلوا في هذا الاختبار. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.