تفسير سورة الشمس من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الشمس من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الشمس من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير سورة الشمس وجواب القسم

المقطع يتناول تفسير الآية ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ من سورة الشمس، ويشرح جواب القسم في الآية ﴿قد أفلح من زكاها﴾. يبين معنيين للتفسير الأول أن الله بيّن للإنسان طريق الخير والشر، والثاني أن الله وفق الإنسان إما للخير أو للشر.

معنى تزكية النفس وعلاقتها بالفلاح

يشرح معنى تزكية النفس وعلاقتها بالفلاح، حيث أقسم الله تعالى على أن سعادة النفس تكمن في تزكيتها وتطهيرها من الذنوب والأخلاق الرديئة. يبين أن النفس هي مكمن الشرور وأن تزكيتها تحتاج إلى مجاهدة.

تفسير آية وقد خاب من دساها وتوضيح قصة ثمود

يفسر معنى دس النفس وإخفائها بالمعصية وترك تزكيتها، ويشرح كيف أن ترك النفس على هواها يؤدي إلى الفساد والهلاك. يتطرق إلى قصة ثمود وكيف ذكرت في سورة الشمس كعبرة للأمم، مع توضيح أسباب ذكر ثمود تحديدا في هذه السورة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، نواصل إخواني في الله في درس أمس، كان حديثنا عن سورة الشمس، وذكرنا الأقسام المتتابعة التي ذكرها الله عز وجل في أوائل هذه السورة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفسٍ وما سواها﴾، ثم قال جل في علاه: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾. قال رحمه الله تعالى: بيّن لها طريق الخير والشر، وأخر التقوى رعايةً لرؤوس الآي، فألهمها فجورها وتقواها، أي أخر كلمة تقوى أخرها، وإلا هي فألهمها تقواها وفجورها، لكن ناسبت الآيات أن كلمة تقوى تتأخر لما مضى من سياق الآيات، فعندنا يغشا، وعندنا بنا، والأرض وما طحا، ونفسٍ وما سوا، وهنا تقوى، فناسب سياق الآيات أن تنتهي هذه الآية بالتقوى. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾، أي بيّن لها طريق الخير والشر، نعم هذا هو التعريف والتفسير الشهير لهذه الآية، ألهم بمعنى وضح وبيّن، فربنا عز وجل وضح طريق الخير من الشر، وقد مضى هذا المعنى في مواضع من كتاب الله جل وعلا، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾. وأشرنا إلى نفس هذه المعاني على أن الله عز وجل قد وضح طريق الخير من طريق الشر للإنسان، فالخير واضح لا لبس فيه، وأيضا مواضع الشر واضحة لا لبس فيها، هذا المعنى، وهناك معنى آخر في تفسيري ﴿فألهمها كجورها وتقواها﴾، ألهمها بمعنى وفقها، بمعنى التوفيق، وهذا المعنى يدل عليه ما جاء في السنة النبوية. أن رجلا من مزينة أو جهينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون مما آتاهم به نبيهم عليه الصلاة والسلام وأكدت به عليهم المحجة؟» قال عليه الصلاة والسلام: «في شيء قد قضي عليهم»، قال: «ففيما العمل إذا؟» قال عليه الصلاة والسلام: «من خلقه الله لإحدى المنزلتين يهيئه لها»، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾. فاستدل نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على هذه المسألة، على أن الأعمال قد قدرت وقضيت في الأزل، فاستدل نبينا بقوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها فألهمها﴾، أي وفقها لكي تعمل خيرا أو تعمل شرا، وهذا الحديث جاء بهذا الطريق وبهذا اللفظ عند ابن جرير، لكن أصله في صحيح مسلم. إذن في قوله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾، قلنا على القول الشهير ألهمها أي بيّن لها طريق الخير وطريق الشر، وهذا أثر عن ابن عباس، وهكذا عن جمع من السلف، عن مجاهد وقتادة والضحاك، والمعنى الثاني ألهمها أي وفقها، ماذا وفقها للفجور أو وفقها للتقوى، وهذا يتعلق بالقضاء والقدر. ثم قال رحمه الله تعالى: وجواب القسم قد أفلح من زكاها، وجواب القسم قد أفلح من زكاها، قال: قد أفلح، حذفت منه اللام لطول الكلام، حذفت منه اللام لطول الكلام، ما معنى أن هذه الآية قد أفلح من حيث الصياغة العربية تكون لقد أفلح بوجود اللام، لقد أفلح من زكاها، لكن هنا قال المؤلف حذفت منه اللام لماذا حذفت اللام من كلمة لقد وأصبحت قد. قال لطول الكلام، ما المقصود بطول الكلام، هذه الجملة قد أفلح من زكاها يسميها العلماء بجواب القسم، أين القسم؟ ما مضى كله قسم، ما مضى كله قسم، الأول والثاني إلى أن وصلنا إلى هذا الجواب وهو المقسم عليه قد أفلح من زكاها، فلما كان الكلام طال بين القسم وبين جواب القسم طال الكلام هنا، عملت هذه الجملة على أنها جملة مستأنفة على أنها جملة جديدة فحذفت اللام. فقال سبحانه: ﴿قد أفلح من زكاها﴾، لهذا هذا الذي عناه المؤلف بقوله قد أفلح حذفت منه اللام لطول الكلام، قال: من زكاها، طهرها من الذنوب، قد أفلح من زكاها، أي طهر النفس من الذنوب، هذا هو جواب القسم، وأي قسم؟ القسم الذي مضى، من باب الفائدة أطول قسم في القرآن هذا الموقف أطول أطول قسم في القرآن كله. هذا احسب كم الأشياء التي أقسم بها الربع عز وجل، والشمس وضحاها هذا قسم، وقسم ثاني أقسم ربنا بالشمس وأقسم بالضحا، فعندي قسمين، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، قسم وقسم، يعني عندي من عشرة أقسام في هذه الآية تتابعت الأقسام، قسم تلو القسم، قسم تلو القسم. هذا أمر على ماذا على هذه العقيدة، على هذه الآية، ما هي الآية؟ ﴿قد أفلح من زكاها﴾، إذن هذه المقدمات العظيمة دلالة وإشارة إلى عظيم ما أقسم عليه الرب سبحانه وتعالى، ما الذي أقسم عليه الرب؟ أقسم على هذه النفس، نفسي ونفسك ونفس البشرية، أقسم ربنا على هذه النفس بأنها بأن سعادتها إنما تكمن في إصلاحها بتزكيتها. تزكيتها التزكية في اللغة بمعنى التطهير، التزكية بمعنى التطهير، فقال هنا المؤلف: زكاها طهرها من الذنوب، ومن غير ذلك من الذنوب، من الأخلاق الردية، من الأعمال الدنية، من أعمال من الأقوال السيئة، من كل شيء طهر الذي يحرص على تطهير نفسه هذا قد بلغ المنزل العالية عند ربه سبحانه وتعالى. لأن النفس هي مكمن الشرور، مكمن الشر، مكمن الشر في الدنيا تنبعث منك أي من نفسي من نفسنا التي بين جنبينا، ولهذا قال سبحانه وتعالى مبينا ذلكم في آيات كثيرة، كما في قول سبحانه وتعالى: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾، وأيضا قال عليه الصلاة والسلام: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا»، هذه النفس لها شرور أنت قد تشعر بها أو لا تشعر بها. وما أنت فيه من انجراف حول البلذات والشهوات، وإلى التمرق على دين الله، بغض النظر عن حجم هذا التمرق، هو في الحقيقة نتيجة دفع النفس لك تدفعك، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، فنستعيذ بالله من شر هذا النفس، فالإنسان إذا استطاع إذا علم موطن الشر وهو النفس واستطاع أن يكبحها، فإن الله عز وجل قد وعده بالجائزة العظمى ألا وهي الجنة. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾، هذه المعادلة بأبسط العبارات تطيع الله عز وجل وتنهى النفس عن الهوى حينها لك الجنة ولك دار المأوى يا عبد الله، فالشاهد أن هذه الآية في قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾، كما سيأتي معنا هو جواب القسم وهو المقسم عليه. ويدل على عظيم النفس التي بين جنبين، وأن الإنسان لا يستسهل بشأنها ولا بأمرها، وهنا اختلف العلماء في مسألة في قوله سبحانه: ﴿زكاها﴾، قد أفلح من زكاها، الضمير يعود لمن؟ من الذي يزكي النفس فنال الفلاح؟ من العلماء على قولين اثنين، أن الضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى، أي قد أفلح من زك الله نفسه. قد أفلح من زك الله نفسه، هذا هو قمة الفلاح أن يعينك الله على إصلاح نفسك وتزكية نفسك، ويستدل من ذهب إلى هذا القول إلى سياق الآيات السابقات: ﴿فألهمها فجورها﴾، أي الله، ﴿وتقواها﴾، أي الله، هنا قد زكاها، أي الله، جعل الضمير كله يعود إلى الله جل في علاه، هذا قول، والقول الثاني أن ويؤيد هذا المعنى كذلك ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم آتي نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها». فالله عز وجل هو الذي يزكي النفوس، فأفلح وأنجح من زك الله نفسه، والقول الثاني وهو الشهير وهو الأكثر عند المفسرين أن زكاها يعود إليك أنت، أي أفلح من زك نفسه، أنت تقوم بالتزكية، وهذا يجرنا إلى ما ماضى ذكره في درس الظهر حين تحدثنا عن جهاد النفس، فالنفس تحتاج إلى مجاهدة، وأعظم ما تجاهد به النفس على أن تزكيها على أن تطهرها. فالعلماء على قولين اثنين، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وقد خاب من دساها﴾، قال: خاب، خسر، أي عكس الفلاح وهو الخسران، من الذي خاب؟ قال: من دساها، قال: أخفاها بالمعصية، وأصله دسسها، أبدلت السين الثانية ألفا تخفيفا، أصلها دسسها، فحذفت السين الثانية وجعلت ألفا دساها، وذلك من باب التخفيف، وما معنى الدسة؟ الدسة بمعنى الإخفاء. أم يدسه في التراب؟ الدس الدس هو الإخفاء، فمعنى هذه الآية: ﴿وقد خاب من دساها﴾، قال: أخفاها بالمعصية، أي تركها، أخفاها تركها، أهملها، سيّبها، لم يزكها، وإنما تركها على مشتهاها، وما ظنك بإنسان يترك لنفسه تفعل ما تشاء، حينها يا عبد الله ستجرّك إلى أمور تشيب لها الولدان، وما ترى من الموبقات ومن العظائم والجرائم التي لا تخطر على بال. مثلا كالذي لربما يزني بمحارمه، يزني ببنته وأخته، نعم يحصل هذا من أين جاء هذا؟ من من ترك لنفسه المشتهى، أو ذاك الذي قتل كما جاء في الحديث قتل تسعة وتسعين نفسا، ليس بالآحد ولا بالعشرات، بل هو قهاها وهوى قد قارب المئات تسعة وتسعين نفسا، ما الذي ألجأه حين أن سلم نفسه لنفسه؟ فإن النفس فإن النفس إذا تركت على هواها ومشتهاها توصلك يا عبد الله إلى الدرك الأسفل من البشرية. إلى الدرك الأسفل من البشرية، ولهذا قال ربنا: ﴿وقد خاب من دساها﴾، ثم قال سبحانه: ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾، كذبت ثمود، أكتفي هنا بفائدة، ونواصل إن شاء الله إلى غد، كذبت ثمود في سورة الشمس، لم يضرب لنا مثلا جل في علاه كأنموذج على قرية شقية سوى هذه البلدة، بلدة ثمود، ما السبب؟ طبعا الأمم كثيرة كثيرة جدا الهالكة، عاد ونوح وأقوام فرعون. طب لماذا ذكر ربنا عز وجل ثمود في هذه السورة الكريمة؟ للعلماء في ذلكم عدة أقوال، منهم مثلا من قال: إنما ذكرت ثمود لقربها من أهل مكة، فأراد الله عز وجل أن يعتبروا بأنكم إن لم تسرعوا وتسارعوا إلى تزكية أنفسكم بالتوحيد والإيمان والإسلام، حينها سيصيبكم ما أصاب قوم ثمود، وانظروا أين هم ثمود؟ أقرب القرى الهالكة لأهل مكة، فقد كانوا من قرب الحجاز، بل هم من أهل الحجاز، من أهل الحجاز، اعتبروا بقوم ثمود. فجئ بثمود لأنه مثال قريب، هذا قول، قول في آخر ذكر هذا، وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أن الله ذكر ثمود من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، ثمود هم قوم أدنى تعتبر بهم يا أيها الأنام، بماذا؟ أن ثمود لم يعرف عنهم في حياتهم من الآثام والمبيقات كما عرف من الأمم التي خلت، الأمم التي خلت كانت معها مع كفرها وتكذيبها كانت مع فواحش من الفواحش. الرذائل من خداع الناس، من البحث في البيع والشراء وتطفيف المكيال، ومنه من كان يفعل اللغاق، ومنه ومنهم، لكن ثمود ما عرف عنهم هذا، ثمود ما عرف عنهم هذا، ثمود نعم عرف عنهم التكذيب لله ولرسول، التكذيب، ومع ذلك انظر ما الذي فعل الله بهم؟ أهلكهم، فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في ذكر ثمود فقط إشارة إلى التنبيه للأدنى، أي تأمل يا من يقرأ كلام الله ويعتبر بأيام الناس. انظر كيف فعل الله بهؤلاء، مع أنهم ما عرف عنهم سوى التكذيب لله ولرسوله، خسف الله بهم الأرض، فما ظنكم بالذي يزيد على هذا التكذيب، لمن يأتي بالفواحش والرذائل والمعاصي والموبيقات؟ فإنها لا كو أذا عنده، القول الثالث في بياني لماذا ذكرت هذه البلدة ثمود فقط في سورة الشمس، قال: هذا قول لابن القيم رحمه الله، وممن يراعي المناسبات والدقائق. قالوا: هنا علاقة بين أول السورة وبين قصة ثمود، وبين سورة ثمود، وما العلاقة؟ قال: سورة الشمس بمعنى كلامه فيها أن الله أقسم بالشمس والبحى، الشمس، ورمز الإضاءة والإضاح والبيان والتجلية، النهار، وما جلاها، تجلي كل شيء، وثمود أعطاهم الله عز وجل آية من نفس آية الشمس، إذ أن ثمود أعطاهم الله عز وجل آية لا تخفى على أحد. بأن هذا أمر خارق للعادة، خارق للعادة، يعني نبيه لما أتى بالقرآن، حاول أهل الكفر أن يشغبوا على أنه من تأليف بشر، أنه من لسان أعجمي، أو أنه ابتكره أحد من الجان، لكن في آية ثمود ما استطاع أحد تخيل آية ثمود، ويقوم صالح أن الله عز وجل أخرج لهم ناقة عظيمة، أخرجها من أين؟ من صخرة، من صخرة، شيء يعني مهما كان يتصور العقل هذا فوق قدرة البشر. لا ساحر ولا كاهن ولا جان ولا يمكن لأحد من البشر أبدا ولا غير البشر يستطيع أن يفعل هذا الشيء أو ينسب هذا الأمر إليه، فكانت قصة ثمود أن آية ثمود هي تناسب هذه السورة، الشمس والضحاء والوضوح، بل هذا بنص القرآن، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾، آية واضحة وضوح الشمس، الشمس، وكانت بداية السورة: ﴿والشمس وضحاء﴾، هذا تبعا تقريب ابن القيم رحمه الله تعالى. لماذا ذكر الله ثمود فقط من بين الأمم؟ لأن آيتهم كآية الشمس، واضحة نيرة جلية، أكتب بهذا الحد، وإن شاء الله في الغد سنواصل الحديث عن باقي الآيات، لكن في درس الظهر، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.