الدروس المستفادة من رمضان  3

الدروس المستفادة من رمضان 3

الدرس في الدروس المستفادة من رمضان 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية الصبر وعلاقته بالصيام

يتناول أهمية الصبر وعلاقته بالصيام في رمضان، حيث يعتبر الصبر من العبادات الهامة التي يتخلق بها الخلق. ورد ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعًا.

تحقيق مراتب الصبر الثلاثة من خلال الصيام

يشرح أهمية الصبر في رمضان وكيف يحقق المسلم من خلال الصيام مراتب الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، الصبر عن المعاصي، والصبر على القضاء والقدر.

تربية الصبر من خلال الصيام وآثاره الإيجابية

الصيام يربي الصبر في النفس، ويعين على ترك المعاصي والعادة السيئة، ويختبر قدرة الإنسان على التحكم في نفسه. الصبر على الصيام يدل على استعداد الإنسان لطاعة الله.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر المقطع الختامي للخطبة أو الدرس الديني.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا المقام إخواني في الله، والتي فيها نتواصل إياكم في استخراج العبر والعظات والمسائل والفوائد التي يستفيدها المسلم من رمضان. وكان قد مر معنا في مثل هذه المقامات أن المسلم في رمضان يتعلم ويتربى على شعيرة الصيام، وهكذا من فوائد الصيام أن المسلم يتربى على عبادة الإخلاص. وأيضًا إخواني في الله، في هذا المقام نتكلم عن شعيرة وعن عبادة يستفيدها كل مسلم ومسلمة من خلال رمضان، ألا وهي عبادة الصبر. الصبر، إخواني في الله، تعتبر من العبادات القليلة التي يتخلق بها الخلق، فأصبحت نادرة الوجود لقلة من يتخلق بها. والصبر، إخواني في الله، وصفه ربنا جل وعلا بالجمال، فقال سبحانه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. وهو خلق من أخلاق المتقين، ومنزل من منازل السائرين والسالكين، وخلق اعتصم به من أراد مرضاة رب العالمين. قال إمام أحمد رحمه الله تعالى: ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضع. ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضع، وما هذا التكرار لآيات الصبر في القرآن إلا لعلم ربنا جل وعلا أن من تسلح بالصبر حاز على المقام الأسمى. ومما يدل على أهمية الصبر في دين الله جل وعلا أن الله جل وعلا أمر به. أمر به، ولا يأمر ربنا جل وعلا إلا بالأمر العظيم. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فهذه الآيات، وآيات كثيرة، يأمر فيها ربنا بالصبر. والقاعدة عند العلماء أن الله إذا أمر بشيء دل على عظمته وعلى أهميته. بل إن الله سبحانه وتعالى جعل من صفات أهل الإيمان الذي استحقوا بذلك النجاة وسلموا من الخسارة أنهم كانوا من الصابرين. قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. لما كانوا من الصابرين كانوا من الفائزين، فسلموا من الخسارة. إخواني في الله، لست في هذا المقام بصدد ذكر فضائل ومناقب الصبر، وإنما همنا في مثل هذه الدروس أن نربط بين رمضان وبين هذه المسالك التربوية. فإن من نظر إلى خلق الصبر خاصة يرى أن من أعظم أهداف رمضان تربية المسلم على موضوع الصبر. وهناك علاقة وطيدة، علاقة وثيقة جدًا، لا تنفصل بين الصيام وبين الصبر. وهذا من عدة أمور. الأمر الأول أن تعلم يا عبد الله أن الشرع سمى رمضان بشهر الصبر. فهذا من أسماء رمضان، سمي بشهر الصبر. جاء ذلك في السنن، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر هو صوم الدهر». من الذي عناه نبينا بقوله صوم شهر الصبر؟ من هو شهر الصبر؟ شهر الصبر هو رمضان. وجاء كذلك من حديث كهمس، ويحسن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، أن النبي أوصى هذا الصحابي بقوله: «صم شهر الصبر ويومًا من كل شهر». فما الذي أراده نبينا بقول: صم شهر الصبر؟ أي شهر هذا الذي يسمى بشهر الصبر؟ وشهر رمضان فهذا من أعظم العلاقة بين الصبر وبين الصيام، أن الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله سم هذا الشهر الذي نحن الآن نعيش فيه ونخوض في غمار شهر الصبر. دل ذلك على أن من أعظم ما يستفيده الصائم أن يتحلى ويتخلق بخلق الصبر. تأتي مسألة إخواني في الله، وما علاقة الصبر بالصيام؟ لماذا سمي رمضان بشهر الصبر؟ وإلا هناك أخلاق كثيرة ستأتي معنا، وقد مضى معنا منها بعضها. لماذا اختص رمضان من بين هذه الأخلاق بخلق الصبر خاصة؟ توضيح ذلك إخواني في الله، الصبر ينقسم إلى أقسام ثلاثة: صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على القضاء والقدر. صبر على الطاعة، كونك تلزم نفسك بالعبادة والتعبد لله جل وعلا دائمًا أبدًا، إلزام، وإن كانت النفس مستثقلة لذلك، فإنك تكرهها على العبادة. هذا صبر على الطاعة. والصبر عن المعصية هو أن تكف النفس، تكفها، تبعدها، تجنبها أن تدخل وتتجاوز حدود ما أنزل الله سبحانه وتعالى. فلربما كانت النفس مشتاقة لذلك، هواها ومشتهاها في فعل الذنوب والمعاصي، إلا أنك ماسك بخضامها، بزمامها، تحبسها، تمنعها من أن تقع فيما حرم الله. هذا صبر عن المعاصي. والصبر على القضاء والقدر، وهو الصبر على ما يقدره الله عليك من آلام، من أوجاع، من مصائب، من نكبات، إلى غير ذلك. هذا الذي يبتل به بعض الناس، فلربما مؤدى أنك تضيق ذرعًا، ومع ذلك تكف، ترضى بقدر الله عليك. أصبت بمرض، بفقر، بشدة، بضيق، بحرج، بآلام، بأوجاع، وأنت صابر. هذا صبر على القضاء والقدر. فالصبر أنواع ثلاثة: صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على القضاء والقدر. وهذه الأنواع الثلاثة جمعت في آية واحدة، وهي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. هؤلاء هم الذين أتوا بقمة الصبر، تحلوا بأنواع الصبر الثلاثة. تذكر يا عبد الله القسم الثلاثية، وطبقها على هذه الآية. قال سبحانه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾. البأساء هو الفقر. ﴿وَالضَّرَاءِ﴾ هو المرض. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ شدة القتال، وهو الجهاد. هذه منازل الصابرين. ننظر بين القسم الثلاثية: الصبر على الطاعة، عن المعصية، على القضاء والقدر، ونزل على هذه الأمور الثلاثة: على الأمراض، على الفقر، على الجهاد. قوله سبحانه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾. البأساء هو الفقر. ولهذا يسمى الفقر بؤسًا، حالة بئيسة. وناس يعيشون في بؤس، بمعنى في فقر، شدة الفقر. الفقير إخواني في الله، إذا بلغ به الفقر مبلغًا عظيمًا، ما الذي يكون من حاله؟ يكون من حاله أنه يبحث عن طرق يرفع عنه هذه الحالة المضنية. فما الذي قد يفعله؟ لربما ينزاق وتزل قدمه فيفعل المحرمات. يفعل المعاصي في سبيل التخلص من الفقر. فيقع في الرشوة، يقع في السرقة، يقع في النهب، يقع في السلب، يقع أنه يختلس، أنه يبيع ويشتري في المحرمات، بغية المال الذي سيدر عليه بعد ذلك. فالإنسان إذا بلغ إلى الفقر مبلغًا عظيمًا، فإنه سيضطر إلى فعل المحرمات. وهذا الذي نراه كهذا في مجتمعاتنا مثلًا، عندما ضاقت الأحوال بعباد الله، تجد أن بعضهم جنح إلى هذه المسألة، فدخل في معاملات محرمة، أو تعامل بأشياء محرمة. نسمع عن الرشاوى، عن الاختلاسات، عن السرقة، عن النهب، كل ذلك في سبيل رفع حالة الفقر. فالصابرين في البأساء هم في الحقيقة صبروا عن معاصي الله. فهذا فقير، مع من الذي انتابه من شدة الفقر، إلا أنه كفى نفسه. النفس تأمره بالسرقة. قال: لا، أعوذ بالله. حبس نفسه عن الحرام. النفس تسول له أن يتعامل مع هذا، يشتغل في المحل الفلاني، ولو كان حرامًا، يرفع الفقر. فلا زالت نفسه تأمره بالمعاصي، وهو يمنع، يمنع. فهذا صبر عن المعاصي. والصبر في الضراء، وهي الأمراض، وهذا صبر على القضاء والقدر. يبتليه ربنا جل وعلا بالأمراض، مرض بعد مرض، في نفسه، في ماله، في أهله، في عياله، في زوجه، في قرابته. ومع توالي الأمراض الذي تستجلب عليه الآهات والضعف، وربما كانت من مؤداها التصبر من ربه. هذا قد يقع لبعض من قل صبره، إذا ابتلي بالأمراض، أو جعل ربما إن استطاع صرح بملء الفم، وإلا كتم هذا في نفسه. لما يا رب؟ لما يا رب؟ ها أنا طريح الفراش، لست مع الناس، وليس الناس معي. لما أنا؟ فربما يتصبر، ومنهم من يشتم، ومنهم من يلعن. لكن الصابر على أمر الله جل وعلا يحبس نفسه عن هذا. فتأتي أيته الأمراض والضنك، ومع ذلك يصبر، فلا يعترض على قضاء الله وقدره. وأما الصبر الأخير، وحين البأس، أي حين القتال، وهذا الطاعة، هو الصبر على الطاعة. فهو في شدة القتال، ويرى القتل أمامه. لأن شدة البأس، شدة القتل، شدة القتل. يذهب إلى ساحات الوغى، وساحات الجهاد، ويرى الرؤوس تتطاير، ويعلم أنه لو ربما ما بين هنا إلى موضع شبر سيقطع رأسه. وبإمكانه الرجوع، بإمكانه الاستسلام، بإمكانه الفرار، بإمكانه الإنسحاب، بإمكانه يتخلص من هذا كله. لكن ماذا؟ مضى قدما لربه سبحانه وتعالى، فصبر. وهذا من الصبر على الطاعة. فهذه الأنواع الثلاثة جمعها ربنا في آية واحدة: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. الصبر على الفقر من الصبر عن المعصية. والصبر في الضراء صبر على القضاء والقدر. وحين البأس، وصبر على الطاعة. إذا علمنا ذلك، نأتي الآن، من نظر في رمضان يجد أن أنواع الصبر الثلاثة موجودة فيه. صرح بهذا العلماء. أنواع الصبر الثلاثة إذا أردت يا عبد الله أن تتصف بها جميعًا، عليك بالصيام، عليك برمضان. تجد أنها أنواع الصبر الثلاثة موجودة. ففيها صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على القضاء والقدر. أما الصبر على الطاعة، فهذا ظاهر جليل. من دخل في رمضان يصبر على الطاعة، يصبر على احتساب الأجر، يصبر على الأخلاق والآداب، يصبر على النية الصالحة، يصبر على القيام والتهجد، يصبر على قراءة القرآن، يصبر على الأعمال الصالحة، يصبر على السحور، أكلة السحر، في جنح الظلام، قبيل الفجر. هذه كلها طاعات. ما تقام، ما يقومها الصائم، إلا إذا تحلى بالصبر فيها. صبر على الطاعة. والأمر الثاني، الصبر عن المعاصي، هذا ظاهر. فإن من خاض في مرحلة الصيام، فإنه لابد أن يصبر عن شهوات النفس. فيمتنع عن الطعام، وعن الشراب، وعن إتيان الأهل. زد على ذلك، يمتنع عن سائر المعاصي. من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة، فأن يدع طعامه وشرابه. ليس الصيام كما قال نبينا: «ليس الصيام عن الطعام والشراب، وإنما الصيام عن اللغو والرفث». هذه تربية، دلالة عن أن من دخل في رمضان لابد أن يكف النفس عن المحرمات. فهو صبر عن المعاصي. الثالث، صبر على القضاء والقدر، وهذا كذلك واضح جليء. يتخوض في الصيام، تجد التعب، تجد الضمأ، تجد الجوع، تجد الإلهاك، تجد الإرهاق. وما أنت مع ذلك صابر؟ تصبر على هذه الأقدار، وهي أمور موجعة للنفس، تخضعها، تسيسها، حتى تمضي هذه الأيام. فهذا يا عبد الله، تعلم أن المسلم إن خاض في رمضان، هو في الحقيقة سيخوض في أعلى مقامات الصبر. فأنت خلال صومك ستصبر على الطاعة، ستصبر عن المعاصي، ستصبر على القضاء والقدر. وبهذا نعلم لماذا سمى الشرع رمضان بشهر الصبر. رمضان هو شهر الصبر، كما قال بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله، فعلى هذا مما نستفيده، إذا علمنا هذه الرابطة العظيمة والوثيقة بين الصيام وبين الصبر، نستفيد عدة أمور. الفائدة الأولى منها أن تعلم أيها الصائم أنك في رمضان لست فقط أخذت شيء من مقامات الصبر، بل أنت قد تلبست بأكمل مراتب الصبر. ولهذا يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: وأفضل مراتب الصبر الصوم. وهذه نعمة من الله أن جعلك ربنا جل وعلا من خلال عبادة تحوز على عبادة أخرى. فتعطى أجر الصيام، وتعطى أجر الصبر. فضل من الله سبحانه وتعالى. فأجر الصيام من أعظم ما تتحصل به على أعلى مراتب الصبر. هذه الفائدة. الفائدة الثانية، وهي فائدة تربوية دعوية، وهي أن الإنسان إذا صبر في رمضان، وهي هذه الأيام الطوال، ثلاثين يومًا، فحبس نفسه عن الطعام وعن الشراب، وهي من المسائل الضرورية، أمر الإنسان لا يعيش بدون طعام وشرب. فأنت بصيامك استطعت أنك تبتعد عن هذه الأمور، وهي أمور النفس تحتاجها، فضلًا عن أمور كمالية زائدة. فهذا من باب أولى أنك ستتركها. قال العلماء: وفيه بيان على أن الإنسان إذا استطاع لذلك، فإنه يستطيع أن يقضي على المعاصي، وعلى العادات السيئة التي كان يقترفها. أين المدخنون؟ أين المخزنون الآن؟ ما أحد يخزن، ما أحد يدخن. هل هناك أصائم يخزن، يدخن؟ يعلم ذلك يكون طريح الفراش، إن كان مدمنًا، أو على زاوية من زوايا المسجد، ينشغل بنفسه، يتناسى أمر التدخين. فلا زال في جهاد. تأتي هنا المسألة: أين قول هؤلاء قديمًا، عندما ينصحون بترك التدخين، بترك السيجارة، بترك القات؟ لربما كان شعارهم: ما نستطيع، صعب، أنا ما أستطيع، أعيش بدون القات، أنا ما أستطيع بدون مداخل، أنا كل ساعة أدخن. ها هو الصيام قد أتى، وأثبت أنك كاذب في دعواتك، بدليل أنك من الفجر إلى غروب الشمس ما تناولت شيئًا من ذلك. وبهذا تعلم يا عبد الله أن رمضان هي فرصة للتغيير. يعودك على أنك تصبر، وأنك تتغافل عن هذه الأمور التي تضرك. فأنت إذا استطعت أن تحبس النفس عن أمور أساسية كالطعام والشرب، والذي لا قوام للحياة إلا بها، فمن باب أولى وأجدر وأحرى أنك بإمكانك أن تكف، وأن تمسك عما يضرك في دينك ودنياك. فهذه دعوة إخواني في الله، نستفيدها جميعًا من خلال فرضية الصيام في رمضان. كذلك ثالثًا، مما له تعلق بمرحلة الصيام، وعلاقة ذلك بالصبر، قال العلماء: فيه أن من عود نفسه على الصيام، وعلى الصبر عليه، فإن ذلك دلالة على أن هذا المسلم سيكون لغيرها من شرع الله أطوع. الصبر على الصيام هو نوع من أنواع الابتلاء، يبتليك الله جل وعلا به. يتعرف الناس على إيمان بعضهم بعضًا. فمن بلغ من الإيمان مبلغًا عظيمًا، صبر على الصوم، لأنه ما بعد ذلك أسهل عليه. انظر يا عبد الله إلى قصة جالوت، عندما خرج بجيشه، فماذا ابتلاهم الله؟ ابتلاهم الله بنهر هناك. أمرهم الله على لسان جالوت أنهم عليهم بالصوم. صوموا. لا أحد يشرب من هذا النهر. صوموا عن الماء. لا تشربوا. فانقسم الناس إلى فرق. فمنهم من صبر، ومن كف. ومن رأى هذا الماء، مع شدة الظمأ، لم ينظر إلى ما عند الله جل وعلا. فكان هؤلاء هم الناس الذين فازوا، فمروا، وقاتلوا، وقتلوا الكفار، حتى نصرهم الله. فكانوا من أعظم عباد الله الصالحين. وأما الذين زلت أقدامهم، فضعفت نفوسهم، فتناولوا من هذا الماء، وشربوا منه. دل ذلك على ضعف إيمانهم. فردهم، ما أخذهم معه. هؤلاء هم الدون. فاعلم يا عبد الله أن الصيام اختبار الصبر، على أنك تحبس نفسك عما منعك الله عليه. هذا يا عبد الله اختبار لك. فمن رأى من نفسه أنه قد مضى قدما لله في شهر الصيام، فصبر على الصيام، صبر على الطاعات، صبر عن المعاصي، صبر على القضاء والقدر. فليعلم أن الله جل وعلا أراد به خيرًا. ومن رأى من نفسه أن نفسه قد ضلت في هذا الباب، فما صبر على الطاعة في رمضان، ولا صبر عن المعاصي، ولا صبر على القضاء، وإنما دائمًا التشكي. فليعلم أن ما بعد ذلك فإنه أحط، فإنه لن يقوم بشرع الله. فهذا فائدة عظيمة نستفيدها من الصبر، إخواني في الله. كذلك مما يدل على العظيمة الرابطة بين الصيام وبين الصبر، مسألة الأجر. هما عبادتان تكفل الله جل وعلا بأن يجازي أهلها الجزاء الذي لا عد فيه ولا حساب. هما الصبر والصيام. أما الصبر، قال ربنا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. هذا الصبر. وأما الصائم، جاء في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به». فاجتمع الصوم مع الصبر، أن كلاهما يعطي الله الأجر لأصحابهما، لا عد فيه ولا حساب. ولهذا يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: الصابرون، الصائمون، هنا هم الصابرون. أو الصابرون هنا هم الصائمون. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ بمعنى: إنما يوفى الصائمون. قال ابن حجر: وهذا قول أكثر المفسرين. فسروا الصبر هنا بالصوم. فاعلم يا عبد الله أنت في هذه الشعيرة العظيمة ستحوز على الأجر العظيم. بل قال البغوي رحمه الله تعالى، في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. قال: أي واستعينوا بالصوم والصلاة. استعينوا بالصبر والصلاة. قال البغوي: والصوم، والصبر هنا بمعنى الصوم. واستعينوا بالصوم والصلاة. فالصوم يا عبد الله من أعظم العبادات التي تستعين بها على تعلم الصبر. فيا من حباك الله بحضور رمضان، تمعن يا عبد الله في هذه الأنواع الثلاثة من أنواع الصبر. كن متخلقًا بها. فاصبر على الطاعة. اصبر يا عبد الله. اصبر على التراويح، على التهجد، على ذكر الله، على قراءة القرآن. اصبر على النوافل. اصبر على صلة الأرحام، على إطعام الطعام. اصبر على الأخلاق العالية والآداب السديدة. اصبر يا عبد الله، فإن ذلك مما يتربى عليه المستنفع في رمضان. ثانيًا: الصبر عن المعاصي، وهو أنك تكف النفس عن ما حرم الله. من الغيبة، والنميمة، والاعتداء، والظلم، ومن ترك الصلاة، ومن أكل الحرام، ومن فعل ما لا يجوز، من أكل ما لا يحل، أو من نظر إلى ما لا يجوز، أو الاستماع إلى محرمات. هذا هو المضمار، وهذا هو الميدان يا عبد الله، أن تربي نفسك على الكف عن ما حرم الله. ثالثًا: الصبر على القضاء والقدر. فاصبر في رمضان على ما يقدره الله لك. من جوع، من ضمأ، من تعب، من شدة، من إرهاق. هذا مما يقدره الله على العباد. فأنت يا عبد الله ستخوض في هذه الأمور الثلاثة، ويجمعها كلها الصبر. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.