الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آية الميثاق التي أخذها الله على جميع الأنبياء بالإيمان بالرسول المصدق ونصرته، مشروطاً بما آتاهم من الكتاب والحكمة. وتؤكد الآية أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم جاءت مصدقة للأصول المشتركة بين الشرائع من التوحيد وعبادة الله وحده.
اتفق الأنبياء في أصول الدين والتوحيد واختلفوا في الشرائع، وقد أخذ الله ميثاقاً عليهم بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته يمتد لأقوامهم. فمن ادعى اتباعهم فدينهم هو الإسلام وحده وهو الدين الوحيد المقبول عند الله ناسخاً لما قبله.
يؤكد المقطع أن دين الأنبياء واحد هو الإسلام، فمن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بجميع الرسل لأن الإيمان بهم يستلزم الإيمان بخاتمهم. وينفي وجود أديان سماوية متعددة مبيناً أن اليهودية والنصرانية نُسخا بالقرآن ومن لم يؤمن بالنبي فهو من أهل النار.
يُشير المتحدث إلى أن ما ذُكر يبطل آراء من يدعون إلى تحاور الأديان أو الجمع بينها معتبراً هذه الدعوات باطلة. ثم يختم الحديث بالاكتفاء بما ذُكر والتوكل على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۖ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾. قال رحمه الله: هذا إخبار منه تعالى أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم بسبب ما أعطاهم ومن به عليهم من الكتاب والحكمة، المقتضى للقيام التام بحق الله وتوفيته. أن هذا كالأمر من الله عز وجل النبيين، وربنا جل وعلا قد اصطفاهم من بين خلقه فجعلهم أنبياء، وجعل أيضا فيهم الخيرية العظيمة، وعطاهم الكتاب والحكمة والنبوة، كما تقدم في الآية الأولى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ ﴾. ثم أخذ الميثاق على هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واشترط عليهم: ﴿ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾، أي بما أني مننت عليكم بمنتي ونعمة الكتاب، وكذلك الحكمة وهي ما يفسر الكتاب ويبينه. فقال: ﴿ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾، هذا الشرط الذي اشترطه عليهم أنه إذا جاء رسول تؤمنون به. فقال: إنه إن جاءهم رسول مصدق لما معهم، أن يصدق بما معهم من التوراة والإنجيل وغيرها، فجاء الله عز وجل بهذا القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب. قال: إنه إن جاءهم رسول مصدق لما معهم، بعث بما بعثوا به من التوحيد والحق والقصد والأصول التي اتفقت عليها الشرائع: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. قال النبي عليه الصلاة والسلام: « الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد »، فهم متفقون في الأصول، ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، مختلفون في الشرائع والمناهج، أما في الحلال والحرام فقد يحرم الله عز وجل على أمة ويحله على أخرى. ثم حرم على بني إسرائيل شرائع: لحم الإبل، وحرم أيضا اللحم الذي يكون فيه الشحم إلا ما حمل الظهور أو الحوايا أو ما اختلط ببعضه، وحرم عليهم الشحم كذلك، وأحله لهذه الأمة. فشرائع مختلفة، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، لكن التوحيد واحد. قال: التي اتفقت عليها الشرائع أنهم يؤمنون به وينصرونه، فأقروا على ذلك واعترفوا والتزموا، وأشهدهم وشهد عليهم، وتوعد من خالف هذا الميثاق. وهذا الميثاق كتبه الله عز وجل على الأنبياء، ومعنى ذلك أنه يكون أيضا على أقوامهم، مادام أن الله عز وجل كتب هذا الميثاق على الأنبياء فهو أيضا على أقوامهم، فأقوامهم أيضا يجب أن يلتزم أن يلتزموا هذا الميثاق، وأنهم يؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم وينصرونه. قالوا: هذا عمر عام بين الأنبياء أن جميعهم طريقهم واحد، وأن دعوة كل واحد منهم قد اتفقوا وتعاقدوا عليها، وعموم ذلك أنه أخذ على جميعهم الميثاق بالإيمان والنصرة لمحمد صلى الله عليه وسلم. فمن ادعى أنه من أتباعهم فهذا دينهم الذي أخذه الله عليهم وأقروا به واعترفوا، فمن ادعى أنه من أتباعهم فهذا دينهم، ليس هناك لهم دين آخر، دينهم دين الإسلام، ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فليس هناك دين إلا دين الإسلام، وهو متمثل في اليهودية في وقت موسى، وأيضا النصرانية، ولما جاء الإسلام نسخت اليهودية والنصرانية، وصار الإسلام هو ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فمن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو لم يؤمن بالرسل الآخرين، حتى برسوله، فالذي لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يؤمن بموسى، والذي لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يؤمن بعيسى، لأن دين الأنبياء واحد، فإذا كفر بهذا الدين وكفر بهذا التوحيد فهو كافر أيضا بما كان عليه أنبياؤهم. وهذا الواقع: اليهود كفروا بما كان عليه موسى، وكذلك النصارى كفروا بما كان عليه عيسى، ومن ذلك أنهم قالوا: إن عيسى بن الله، وقالت اليهود: عزير بن الله، وهذا ليس في دينهم أبدا، بل هذا مما خالفوا فيه دينهم وأشركوا بالله. قال: والبرهان على كل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتب والأديان، وأنه لا يمكنهم الإيمان برسلهم الذين يزعمون أنهم أتباعهم حتى يؤمنوا بإمامهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم وسيدهم، أيضا سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام. وأيضا كذلك الله عز وجل أمر الأنبياء بالإقرار بما هو عليه والإيمان بما هو عليه، فهذا إلزام أيضا لأقوامهم. فمن لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام سواء كان من اليهود أو النصارى أو غيرهم فهو من أهل النار، فهو من أهل النار وليس من أهل الأديان كما يقولون الآن: يقولون الأديان السماوية، الأديان السماوية، وهذا كلمة خطأ، فليس هناك أديان سماوية، إنما هو دين واحد وهو الإسلام، ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فليس هناك أديان سماوية، اليهودية إسلام، والنصرانية إسلام، لكن متى؟ لما كانت غير محرفة فيما أنزل الله عز وجل من التوراة والإنجيل غير المحرفين، وكذلك هذه الكتب أيضا قد حواه القرآن ونسخها القرآن، فلهذا فليس هناك أديان وإنما دين واحد. وهذا يبطل ما يقوله من يرى تحاور الأديان أو الجمع بين الأديان أو غيره، فإن هذا من الدعوات الباطلة. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.