تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 67

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 67

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 67، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الحث على المسارعة إلى الخيرات وفضلها

يفسر الدرس آية «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم» داعياً إلى المبادرة بالطاعات وعدم التباطؤ، مستشهداً بصفات المتقين الذين يسارعون في الخيرات. ويذكر الحديث القدسي الذي يبين أن الله يقابل تقرب العبد بأعظم منه، موضحاً أن صفاء القلب يدفع إلى المسارعة بينما مرضه يورث التثاقل.

أسباب المغفرة وعظمة عرض الجنة

يحث المقطع على المسارعة إلى مغفرة الله تعالى مستعرضاً أسبابها العشرة التي ذكرها ابن تيمية وأعظمها التوحيد. كما يبين عظمة الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض، وظل شجرة فيها يقطعه الراكب في مائة ألف سنة، مما يدل على سعة لم يطلع الله عليها أحد.

قصة آخر داخل الجنة وملكه العظيم

يروي الحديث قصة آخر رجل يخرج من النار ويدخل الجنة، حيث يتقرب بالأيمان فيصرف الله عنه النار ويمنحه ملكاً يعادل أعظم ممالك الدنيا ثم يزيده عشرة أمثاله. وهذا يدل على عظيم فضل الله وثوابه، فكيف بمن هم أعلى منزلة من المقربين وأصحاب اليمين.

نعيم الجنة الذي لا يخطر على قلب بشر

يشير الحديث القدسي إلى أن الله أعد لعباده الصالحين نعيمًا يفوق كل تصور، لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر. ويختتم الدرس بالدعاء إلى الله أن يجعل السامعين من أهل هذا النعيم العظيم المقيم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى، أما بعد. قال العلامة السعادة رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. قال رحمه الله: ثم أمرهم تعالى بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي عرضها السماوات والأرض، فكيف بطولها التي أعدها الله للمتقين؟ فهم أهلها، وأعمال التقوى هي الموصلة إليها. فهذه الآية فيها الحث على المسارعة في الأعمال الصالحة، وأيضا الحث على أن المسلم يسارع في الطاعات، يكون مسارعا فيها لا متباطئا، والتباطؤ يكون منه في معصية الله جل وعلا وفي مخالفة الله سبحانه وتعالى. فالمؤمن الذي تسره حسنته وتسوءه سيئته ويسوءه الذنب، فلهذا يكون متباطئا فيه، وأما الحسنة فيسارع إليها. ولهذا ذكر ربنا جل وعلا المسارع في الخيرات، ويذكر أيضا ربنا جل وعلا أن أخص عباده من الصالحين والأنبياء كانوا يسارعون في الخيرات: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾. فالمسارعة في الخيرات هي من أنبل الأمور وأفضل الأمور للعبد الذي يريد رضوان الله جل وعلا، وربنا سبحانه وتعالى يقابله بما هو أعظم من الثواب، وكذلك من المحبة، وكذلك أيضا من وضع له القبول في الأرض، كل ذلك بمسارعته للخير. قد جاء في الحديث بأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يقول الله تعالى: من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ». فكلما تقرب العبد إلى ربه جل وعلا وسارع في مرضاته، كان الرب جل وعلا أسرع في قبول عبادته وطاعته ورضاه عليه. فلهذا كانت المسارعة في الخيرات لها أثر عظيم في قلب المؤمنين، لأنه ما يسارع إلا لدفع قلبه إلى هذه المسارعة، وكذلك صفى قلبه لله عز وجل فيدفعه إلى المسارعة في الخير، وإلا فإذا مرض القلب أو أصابته العلة وجدت التثاقل في فعل الخير والبطء كذلك في ما يقربه إلى الله جل وعلا، وأيضا العكس تجد مسارعا إلى ما يغضب الله وما يبعده عن الله. فلهذا فالمسارعة إلى مغفرة الله جل وعلا ورحمته هي من أفضل الأعمال الصالحة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها. وأيضا قوله جل وعلا: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، فيه كذلك أن العبد يسعى إلى أسباب المغفرة، يسعى إلى أن يغفر الله عز وجل له، وأسباب المغفرة كثيرة. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة له قرأناها في شهر رمضان المبارك، وهي موجودة في المجلد الرابع: « أسباب مغفرة الله جل وعلا »، رسالة عظيمة ألفها شيخ الإسلام، فذكر عشرة أسباب من أسباب مغفرة الله جل وعلا، ومن أعظمها توحيد الله جل وعلا، كما قد سمع بعضنا في المحاضرة التي حصلت البارحة في المصلى عبد الرحيم. قال: ثم أمرهم تعالى بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي عرضها السماوات والأرض، فكيف بطولها؟ هذا العرض عرضها كعرض السماوات والأرض، وجاء في صحيح الحديث كعرض السماوات والأرض، فهذا العرض فكيف بطول؟ لم يذكر الله عز وجل طولها، فطولها عظيم. فالشجرة أو السدرة، السدرة هي شجرة الدوم أو النبق، الشجرة التي تكون في الجنة ظلها يمشي الراكب فيه مائة ألف سنة ولا يقطعه، هذا الظل عظيم جدا. ما هذا الظل؟ معنى هذا الظل فقط لعله أكبر من الأرض، معنى هذا الظل إذا كان كذلك يقطعه الراكب في هذه المدة فهو لا شك أنه أكبر من الأرض بكثير. فلهذا دل على أن الجنة عرضها هذا، لكن طولها قد يكون أعظم من هذا بكثير، لكن الله عز وجل لم يذكر لنا طول هذه الجنة، لكن ذكر لنا عرضها، لهذا قال الشيخ: فكيف بطولها التي أعدها الله عز وجل للمتقين؟ تجد أن ملك الرجل الواحد يكون ملكا عظيما، في حديث أبي موسى الأشعري في البخاري أن موسى قال لربه جل وعلا: يا رب، أو قال: ما أعطيت من يدخل آخر من يدخل الجنة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله عز وجل ذكر لموسى آخر من يدخل الجنة. وجاء في حديث أيضا بأبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: آخر من يدخل الجنة ويخرج من النار، فذكر قصته أنه يتقرب حتى يدخل، معنى يسأل الله عز وجل بالأيمان أنه يريد أن يصرف وجهه عن النار فقط فيصرفه الله عز وجل عنه، ثم يسأل الله عز وجل ويحلف الأيمان أنه لا يسأله غيره، فيريد أن يبتعد ويقرب إلى الجنة فيقربه الله عز وجل، ويقول الله عز وجل: ما أقدرك يا ابن آدم. ثم أنه يجلس فترة ثم يسأل الله عز وجل أن يدخله الجنة أو يكون عند بابها فيعطيه الله عز وجل حتى يدخله الجنة، ثم يقول له: تمن، فيقول: رضيت ما أعطيتني يا رب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فيعطيه الله عز وجل مثل ما ملك، مثل أكبر ملك، أو يعطيه مثل أكبر ما أعطى ملكا في الدنيا، وما كان عند ملك من الملوك في الدنيا أعطاه الله مثل، مثلا الخلفاء في عهد بني أمية وبني العباس قد ملكوا الدنيا كلها، وكانت الدنيا كلها عنده في شرقها وغربها وكذلك جنوبها وشمالها، ملكا عظيما، فيعطيه الله عز وجل هذا الملك. هذا رجل خرج من النار ودخل الجنة، آخر من يدخل الجنة، فقال أبو سعيد: ثم يقول الله عز وجل له: ولك مثله. وكان أبو هريرة جالسا في المجلس فقال رضي الله عنه: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ولك مثله ومثله ومثله إلى عشر أمثال، عشر أمثال أكبر من ملك أو أعظم ملك في هذه الدنيا يملك هذا الرجل، وهو آخر من يدخل الجنة، يملك عشر أمثال ملك هذا صاحب الذي ملك الدنيا كلها. فكيف بمن هو أولى منه؟ كيف بالمقربين من عباد الله جل وعلا؟ كيف بأصحاب اليمين الذين أعطاهم الله عز وجل الروح والريحان وغيرها مما أعده الله عز وجل للمتقين؟ ولهذا فإن الله عز وجل كما جاء في الحديث القدسي يقول: « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر »، أي لم يفكر هذا الإنسان في هذا الملك العظيم وهذا النعيم المقيم، لم يخطر على باله حتى، وهذا شيء عظيم جدا، فاسأل الله عز وجل أن نكون من أهله. فالحمد لله رب العالمين.