الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 66، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آية «واتقوا النار» بأن التقوى هي جعل وقاية بين العبد والنار بترك المعاصي، ويرد على من يزعمون العبادة محبة فقط دون خوف أو رجاء. يستدل بآيات تجمع بين الخوف والرجاء ويبين بطلان قول رابعة العدوية المنسوب إليها.
يشرح أن الأمر بتقوى النار يعني اجتناب ما يوجب دخولها من كفر ومعاص، وأن المعاصي الكبيرة تجر إلى الكفر كما قال السلف. يؤكد أن المؤمن يستعيذ بالله من الضلال بعد الهدى كما في دعاء النبي ﷺ وسورة الفاتحة.
يوضح أن الله يغفر الصغائر لمن يجتنب الكبائر، وأن الطاعات تحجز عن النار وتوجب الرحمة. يستدل بآيات وأحاديث على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، مخالفاً المعتزلة وبعض الأشاعرة، ويؤكد أن طاعة الله ورسوله سبيل التقوى ونيل الرحمة.
توضح الآية أن واجب المسلم هو تقوى الله بطاعته والابتعاد عن مساخطه، وأن هذه التقوى هي السبيل للنجاة من النار المعدة للكافرين. تؤكد أن الطاعة العملية هي الطريق الوحيد للسلامة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، قال: بترك ما يوجب دخولها من الكفر والمعاصي، والمعاصي على اختلاف درجاتها. أن المراد بالتقوى هو أن يجعل العبد بينه وبين النار وقاية، والتقوى جاءت مضافة إلى النار هنا: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، وأيضا التقوى تكون إلى الله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. وهذا يدل ويرد أيضا على بعض الطوائف من أهل التصوف الذين يقولون: إننا لا نخاف من عذابك، أو نحن نعبدك ليس خوفا من عذابك ولا رجاء في جنتك، وإنما حبا وطمعا في ذاته، في ذات الله. هذا كلام باطل، هذا الكلام باطل مخالف الأدلة. بل الله عز وجل لما ذكر أصفياء خلقه فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، فالرجاء والخوف. وأيضا كذلك هنا قال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، إن من التقوى أن العبد يتقي النار. ولهذا قد ذكر المؤلف رحمه الله أن الله عز وجل ذكر لفظ التقوى في هذه الآيات ثلاث مرات: مرة مطلقة، ومرتين مقيدتين، فقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، وقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فلهذا كما قلنا قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ فيه رد على هؤلاء الذين يقولون هذا. وقد جاء هذا عن رابعة العدوية وغيرها، لهذا بعض العلماء يحكم على رابعة بالزندقة، كما قال أبو داود: «رابعتهم في الزندقة». وبعض العلماء يرى أنها على طريقة صحيحة، أو على قصد تعبد، لكن حصلت منها بعض الشطحات وبعض الأشياء التي ليست صحيحة أو لا توافق الأدلة، لكن ليست من الزنادقة. والظاهر هذا، لأنها ذكرت بالخير، وكان بعض السلف يثني عليها كسفيان الثوري وغيره، فلهذا فهي عابدة، امرأة عابدة، لكن لها أخطاء التي لا يسلم منها غالبا هؤلاء العباد. ومما جاء عنها أيضا بعض العلماء يقول أنه ثابت عنها أنها كانت تقول: «ما عبدناك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك». وهذا كلام باطل ليس له أصل في الإسلام، وإنما ربنا جل وعلا تعبدنا بأن نعبده جل وعلا وأن نخافه ونرجوه. ومن خوفه خوف عذابه، من خوف الله عز وجل أن يخاف العبد عذاب الله جل وعلا، وكذلك أيضا من رجائه أنه يرجو جنة الله سبحانه وتعالى. فلهذا قال هنا: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، أن الأصل أنه تقوى الله ومخافة الله عز وجل، لكن نسبه إلى النار هنا لأجل أن الخوف الذي يتحقق أيضا، أو أن الخوف يتحقق في الخوف من النار، معنى وهذا تتحقق به التقوى. لأن الخوف إما أن يكون خوفا من الله لعظمة وجلالته وعظيم قدره جل وعلا، وأيضا كذلك الخوف يكون من عذابه سبحانه وتعالى، فالخوف من هذا وهذا. فلهذا الله عز وجلحيانا يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، وحيانا يقول: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، أي اتقوا عذاب الله جل وعلا. فالمؤمن مطالب باتقاء عذاب الله وبالخوف من عذاب الله. قال رحمه الله: بترك ما يوجب دخولها من الكفر والمعاصي على اختلاف درجاتها. أن ﴿اتَّقُوا النَّارَ﴾ أي بما يوجب دخولها، اتقوا ما يوجب دخولها. هذا الذي يتقى محذوف، ما هو الذي يتقى؟ يتقى ما يوجب دخول النار من الكفر والمعاصي. قال: فإن المعاصي كلها، وخصوصا المعاصي الكبار، تجر إلى الكفر، كما قال السلف: «المعاصي بريد الكفر»، المعاصي بريد الكفر، أي تجر إلى الكفر. فإن العبد إذا انهمك في المعاصي ممكن أن المعاصي تجره إلى الردة والعياذ بالله. فلهذا من كبائر الذنوب أن العبد يأمن مكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. فلا يأمن مكر الله المؤمن، لا يأمن مكر الله، والمراد أنه لا يأمن أنه يضل. ولهذا لا بد أن يستعيذ من الضلال، يستعيذ بالله عز وجل من أن يضل. في حديث أم سلمة، وأعله بعض العلماء لأن شعبة لم يسمع من أم سلمة، وبعضهم صحح في دعاء الخروج من المنزل: «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» إلى آخر الحديث. فهنا النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من الضلالة، وهذه الضلالة بعد الهدى. كذلك في الفاتحة الله عز وجل يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، أي أنك يا رب اهدنا الصراط المستقيم ولا تضلنا بأن نكون من أتباع اليهود أو النصارى أو أتباع طريقتهم. فلهذا المؤمن يستعيذ بالله ويلجأ إلى الله من الضلالة، وخاصة إذا كانت بعد الهدى. وجاء أيضا من الاستعاذة بالحوار بعد الكينونة، أي بالضلالة بعد الهدى. قال رحمه الله: فترك المعاصي ينجي من النار ويقي من صخة الجبار. وترك المعاصي خاصة الكبائر، خاصة الكبائر. والله عز وجل قد وعد عباده أنه من جاءه ولم يأتِ بكبائر فإن الله عز وجل يغفر هذه الصغائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. الذي يأتي بالصغائر فقط الله عز وجل يعفو عنها، وأما إذا أتى بالكبائر فهو تحت مشيئة الله جل وعلا. قال: وأفعال الخير والطاعة توجب رضا الرحمن ودخول الجنان وحصول الرحمة. أنا كما أن المعاصي تؤدي إلى النار كذلك أيضا الطاعات تحجز عن النار، تحجز عن النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. هنا ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، كما هو معلوم المسألة المعروفة عند العلماء، وهي مسألة أن الله عز وجل هل خلق الجنة والنار أو لم يخلقهما؟ فأهل السنة يقولون: إن الله عز وجل قد خلق الجنة والنار، وقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ هذا الإعداد هو التهيئة، أنها موجودة، خلقها الله عز وجل للكافرين. وأيضا حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام الترمذي بإسناد صحيح، فيه أيضا أن الله عز وجل قد خلق الجنة وخلق النار. لما قال: لما خلق الله عز وجل الجنة قال لجبريل: «يا جبريل اذهب وانظر إلى الجنة» الحديث، فتبين أن الجنة والنار مخلوقتان، قد خلقهما الله عز وجل وهيئهما. في الحديث أيضا في الصحيحين: اشتكت النار إلى ربها جل وعلا، واشتكت الجنة إلى ربها. النار اشتكت، قالت: «ما لي لا يدخلني إلا الضعفاء»، والجنة اشتكت: «ما لي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون». في الحديث الآخر أن النار اشتكت إلى ربها جل وعلا وقالت: «أكل بعضي بعضا بشدة حرها»، قالت: «أكل بعضي بعضا»، فجعل لها نفسين: نفس في الشتاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهو أشد ما تجدون من الزمهرير من البرد»، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر. فهذه كل الأدلة تدل على أن النار مخلوقة، وخالف في ذلك المعتزلة وبعض الأشاعرة. قال ولهذا قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، بفعل ما أمر وامتثاله واجتناب النواهي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فعن إذا أردتم التقوى فالتقوى هي الطاعة: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، هذا تقوى، وهذا هو اتقاء النار. قال: فطاعة الله وطاعة رسوله من أسباب حصول الرحمة، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال الآيات. فهذا فخلاصة هذه الآية أن الواجب، أن الواجب على المسلم أن يتقي الله سبحانه وتعالى ويتقي عذابه، وتقوى الله عز وجل بطاعته سبحانه وتعالى ومرضاته، والبعد عن مساخطه، البعد عن ما يسخطه سبحانه وتعالى. فهذا هو اتقاء النار، هذه النار التي أعدت للكافرين. طيب، نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.