تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 68

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 68

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات المتقين: الإنفاق في السراء والضراء وضوابطه

يفسر المقطع قوله تعالى ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء﴾ مبيناً أن الإنفاق يشمل الواجب والمستحب، وأن أفضل الصدقة ما يخرجها الصحيح الشحيح خائف الفقر، مع ضرب الأمثلة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم كعمر وأبي بكر وكعب بن مالك، مؤكداً عدم تقديم المستحب على الواجب نحو الأهل.

فضل كظم الغيظ والعفو على الإنفاق المالي

يبيّن المقطع أن كظم الغيظ والعفو عن الناس درجة أرفع من الإنفاق المالي؛ لأنها تخالف طبع النفس البشرية التي تميل للانتقام، ويستدل بالآيات والأحاديث التي تُثني على الكاظمين الغيظ والعافين، وتؤكد أن النبي ﷺ لم ينتقم لنفسه قط بل كان يغضب فقط لانتهاك حرمات الله.

كظم الغيظ وترك الانتقام للنفس عند الفتنة والأذى

يبيّن المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتقم لنفسه بل كظم غيظه وأدّب أزواجه، وأن الله دافع عنه في القرآن، وأن المؤمن الحق لا يغضب لنفسه بل لله، مستشهداً بأمر النبي لأبي ذر بكسر سيفه والجلوس في بيته عند الفتنة، وبموقف أبي بكر رضي الله عنه الذي رفض الدفاع عن نفسه عند محاصرة جارية بن قدامة امتثالاً لحديث «القاتل والمقتول في النار».

حكم القاتل والمقتول في الحديث وختام الدرس

يوضح المقطع أن المقتول كان حريصاً على قتل صاحبه، فيستحق الإثم بذلك، ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكماله في وقت لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ إلى قوله: ﴿ونعم أجر العاملين﴾. قال رحمه الله: ثم وصف المتقين وأعمالهم فقال: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء﴾، أي في حال عسرهم ويسرهم، إن أيسروا أكثر من النفقة، وإن عسروا لم يحتقروا من المعروف شيئاً. فهؤلاء أهل الإيمان من صفاتهم، والمسارعون إلى جنات الله جل وعلا وإلى مغفرته من صفاتهم أنهم ينفقون في السراء والضراء. والنفقة هنا المراد بها ما هو عام من الصدقة، فيدخل فيها النفقة الواجبة على الأولاد والزوجة وغيره، ويدخل فيها أيضاً الصدقات. فأفضل الصدقة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى». فهذا أفضل الصدقة، يخرجها الرجل من فضل قوته ومن فضل ماله، وهو أيضاً يخشى الفقر ويعمل الغنى، عنده مجال الغنى، لكنه يخشى إن صرف هذا المال لا يتحصل على غيره. فمثل هذا لو تصدق فهي أفضل الصدقة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يتصدقون بأفضل أموالهم، كما جاء في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. وقال عمر: يا رسول الله، ليس لي مال أحب إلي من أرض خيبر، فأريدها صدقة لله ورسوله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حبس أصلها وسبل الثمرة» أو «سيل الثمرة»، حبس أصلها يجعلها وقفاً، واجعل ثمرتها زكاة أو صدقة. الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. فقال له: «حبس أصلها»، فجعلها عمر رضي الله عنه في الفقراء والمساكين. فهذا يدل على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من فداء لله عز وجل بأموالهم وأنفسهم. قال: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء﴾، أنه سواء كان في العسر أو في اليسر. وليس المراد أن الإنسان يأخذ ماله الذي هو لأهله ويتصدق به ويترك أهله بدون طعام ولا شراب، فهذا ليس صحيحاً. فالنفق على الأولاد والأهل نفقة واجبة، والصدقة مستحبة، فليس له أن يقدم المستحب على الواجب. وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم إنما ليس أنهم كانوا يتركون أهليهم بدون طعام، لكن يجعلون الذي معهم من الطعام ويتوكلون على الله، ويتوكلون على الله عز وجل. ولهذا قال أبو بكر: قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: «ما تركت لأهلك يا أبا بكر؟» قال: تركت لهم الله ورسوله، تركت لهم الله ورسوله. والنبي عليه الصلاة والسلام يعرف إيمان أبي بكر وتوكله على الله، فلهذا وكله إلى إيمانه، وكله إلى توكله. وهذا قل أن تجد إنساناً بمثل هذا الإيمان العظيم، لكن الصديق رضي الله عنه عرف النبي صلى الله عليه وسلم ما بلغ، فلهذا لم ينصحه بشيء، ولم يقل له: خذ بعض مالك. مع أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك لما قال: «إن من توبتي أن أخلي اسم مالي كله صدقة لله ولرسوله»، أنا كله مالي أريده صدقة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك بعض مالك، فإنه خير لك». هذه لم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر. وجاء عمر بنصف ماله توكلاً على الله عز وجل. فهم كانوا ينفقون في السراء والضراء، لأنهم علموا أن نفوسهم لله، وأن أمرهم على الله، فلهذا لم يكترثوا ولم يبالوا بهذه الدنيا. قال: ﴿والكاظمين الغيظ﴾، أي إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم، وهم تلا قلوبهم من الحنق الموجب للانتقام بالقول والفعل. هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباعة البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم. وهذه قد تكون أشد من الأولى. قد يكون الرجل - وهذه بطباع الناس - قد يكون الرجل يستطيع أن يلزم نفسه بالنفقة وبالصدقة ولو لم يكن معه إلا القليل، لكن قد لا يستطيع أن يمسك نفسه عند الغضب، لا يستطيع أن يملك نفسه عند الانتقام، بل تغلبه نفسه في هذا. وهذا تجد عامة الناس إلا من رحم الله، تجد أنه قد يكون عنده سعة في الإنفاق بالمال، لكن ليس عنده سعة في كظم غيظه، وليس عنده سعة في عدم الانتقام. فإن النفس البشرية جبلت على هذا، لكن المؤمن يوطئ نفسه على الأخلاق العظيمة من العفو، وكذلك عدم الغضب، ويكظم هذا الغضب وهذا الغيظ في قلبه، ويخرج الإحسان، ويخرج الكلمات الطيبة. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لذاك الرجل لما أوصاه بالوصية: «لا تغضب». وقال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». ليس الشديد بالصرعة الذي يصرع الناس، وإنما الشديد الذي يستطيع أن يملك نفسه. فإذا كان لا يستطيع أن يملك نفسه فليس هو الشديد، يحاول أنه يصارع نفسه ويصرعها، هذا الشديد إذا صرع نفسه وأمسكها عند الغضب وتحمل وصبر، بل وأعظم من ذلك أنه يكون حكيماً حليماً. فهذا من أعظم الأخلاق التي قد كانت في رسول الله صلوات الله وسلام عليه، وهي قليلة في الناس إلا من رحم الله وتخلق بهذه الأخلاق العظيمة. لأن النفس غالباً تحب الانتقام، النفس أيضاً لا ترضى بأن يؤخذ منها سواء كان بالكلام أو بغيره. ولهذا الله عز وجل أجاز أن ينتصر الإنسان لنفسه، فقال: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فمن انتصر من بعد ظلمه﴾. أو قال الله عز وجل: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾. ﴿ولمن صبر﴾. ﴿ولمن انتصر من بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾. ﴿فأولئك ما عليهم من سبيل﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿ولمن انتصر﴾ أو ﴿لمن انتصر﴾. ﴿فمن بغي عليه﴾ أو آخر شيء. قال الله عز وجل في سورة الشورى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾. ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾. معنى له أن يجازي السيئة مثلها، لكن قال: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾، تكفل الله عز وجل بأجره. وسياتي أن بعد كظم الغيظ العفو عن الناس، لأن هذا كمال، كمال هذه النفس أنها تكظم الغيظ وتعفو، وهو الحلم الذي ذكره الله عز وجل. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ما كان ينتقم لنفسه أبداً، وإن غضب يغضب لله، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا إذا انتهكت حرمات الله فيغضب لله». انظروا لما قرأنا حديث في البخاري، معنا حديث عائشة أو حديث ابن عباس في قصة تظاهر عائشة وحفصة، لم يغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أيضاً يبدو غضب منه عليه الصلاة والسلام، مع أن الله عز وجل داف عنه. وأيضاً قال الله عز وجل: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾. انظروا إلى هذا التعبير من رب العالمين سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، وغضب لنبيه. مع أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء في حديث عائشة وابن عباس وغيرهم لم يغضب عليه الصلاة والسلام، وإنما كظم غيظه وابتعد عن أزواجه تأديباً لهن، وليس غضباً، وإنما تأديباً لهن عليه الصلاة والسلام. فلهذا كان عليه الصلاة والسلام لا ينتقم لنفسه، وإنما ينتقم ويغضب إذا انتهكت حرمات الله جل وعلا، فيغضب لله. فلهذا قال هنا: هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، لأن الطباع البشرية جبلت على الانتقام وعلى أخذ حقها، لكن هذا كله ينتهي عند أهل الإيمان، لا يجعلون ذلك لله، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيئين إليهم. بل حتى في القتل، حتى إذا كانت الجزاء النفس. النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي ذر: «يا أبا ذر، كيف لو كنت في فتنة تملأ أمام البيوت مثل حجارة الزيت» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فقال: «ماذا أفعل يا رسول الله؟» قال: «اكفف». قال: «اكسر سيفك واجلس في بيتك». قال: «فإن جاءني إلى بيتي؟» قال: «إن كنت تريد أن يبوء بإثمه وإثمك فاتركه». قال: «فإن سفت شعاع السيف» - معنى لمعة السيف - «فألقي» - «فألقي ثوبك عليك» - معنى لا تقاتل. هذا في زمن الفتنة، لا تقاتل ولا تفعل شيئاً، إذا أراد أن يقتلك وخفت شعاع السيف - ولا معناه - فألقي ثوبك عليك حتى لا ترى هذا الشعاع السيف. انظر إلى قمة كظم الغيظ، ليس هذا ذل، وإنما هذا لله عز وجل، معنى من صارت نفسه لله رضي بكل ما يكون رضا لله. فهذه فتنة، لو أن كل واحد قام وقاتل لاستفحلت هذه الفتنة، لكن لو جلس الإنسان في بيته وجاء أمره وجاء أيضاً قدره إلى البيت رضي بذلك. ولهذا لما حرق - لما حرق جاري بن قدامة - بعض الناس في المدينة، وكان أبو بكرة في قريب منه، فقال له رجل: «إن أبا بكرة قريب منك». فقال أبو بكر: «والله لو جاءوني ما حركت هذا العصا». قال: «والله لو جاءوني ما حركت هذا العصا». وكما قال رضي الله عنه، والحديث في البخاري. فأبو بكر رضي الله عنه - فأبو بكر رضي الله عنه - علم أن هذه فتنة، وهو من أشجع الناس، يستطيع أن يقاتلهم. لهذا خوف جارية بن قدامة بأبي بكر، قيل له أن أبا بكر هنا، معنى أن يخوفوه بذلك، لكن أبا بكر قال: «والله لو جاءوني ما حززت هذا العصا»، معنى ما سأدافع عن نفسي، لأنها فتنة. وهذا اتباع لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم روى أبو بكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «القاتل والمقتول في النار». قالوا: «فما باله؟» - فهذا القاتل - «فما باله المقتول؟» قال: «كان حريصاً على قتل صاحبه». فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر، إن شاء الله تعالى أنكم في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى.