تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 65

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 65

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 65، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دلالة خطاب يا أيها الذين آمنوا وعلاقته بالإيمان والعمل

يفسر الإمام السعدي خطاب "يا أيها الذين آمنوا" بأنه دليل على أن الإيمان هو الدافع لامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وينقل عن ابن مسعود الأمر بالإنصات لهذا الخطاب لاشتماله على أمر أو نهي، مؤكداً أن الإيمان عند أهل السنة قول وعمل مستلزم لأعمال الجوارح.

تحريم ربا الجاهلية ومضاعفة الديون في المعاملات القديمة

يشرح المقطع صورة من صور الربا المنتشرة في الجاهلية وهي مضاعفة الدين على المعسر عند حلول الأجل مقابل تأخير السداد، مستدلاً بتحريم القرآن لأكل الربا أضعافاً مضاعفة وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم بوضع ربا الجاهلية، مبيناً أن كل ربا محرم وليس فقط المضاعف.

الربا المضاعف في المعاملات المعاصرة وحكمة تحريمه وفضل إنظار المعسر

يوضح المقطع صورة من صور الربا المعاصرة المتمثلة في زيادة الدين مقابل تأخير السداد، وهو ربا الجاهلية المضاعف الذي تشتد حرمته، ويبين أن حكمة تحريم الربا تكمن في منع الظلم حيث أوجب الله إنظار المعسر دون زيادة، ويذكر فضل من أنظر معسراً أو وضع عنه الدين بظله الله يوم القيامة.

تحريم الربا المتضاعف ووجوب تركه لتقوى الله والفوز بالفلاح

يؤكد المقطع أن إلزام المدين بأكثر من رأس المال في الربا المتضاعف ظلم، ويجب على المؤمن التقي تركه لأن تركه من موجبات التقوى، والفلاح مشروط بتقوى الله كما دلت الآيات القرآنية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقال الإمام السعدي رحمه الله عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وذكرنا المقدمة التي ذكرها المؤلف، وهي مقدمة الجزء الثاني من هذا التفسير، وبدأ بهذه الآية. قال رحمه الله: «فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، كل ما في القرآن من قول: يا أيها الذين آمنوا، افعلوا كذا أو اتركوا كذا، يدل على أن الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر واجتناب ذلك النهي. على أن هذا الخطاب هو للمؤمنين، أهل الإيمان، لهذا يخاطبهم بقوله: يا أيها الذين آمنوا. فكل ما في القرآن من قول: يا أيها الذين آمنوا، أمر أو نهي، لهذا قال -أو جاء- عن ابن مسعود، وإن كان في الإسناد شيء، لكن اشتهر عند العلماء أن ابن مسعود كان يقول: إذا سمعتَ يا أيها الذين آمنوا في القرآن فَأَنْصِتْ لَهَا، فَإِمَّا أَمْرٌ تُؤْمَرْ بِهِ وَإِمَّا نَهْيٌ تُنْهَى عَنْهُ». فقال: لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال جوارحه، أن هذا الإيمان يستلزم أعمال جوارحه ولابد. ولهذا أهل السنة عندهم الإيمان قول وعمل. قال رحمه الله: «المستلزم لأعمال جوارحه، فنهاهم عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة، وذلك هو ما اعتاده أهل الجاهلية، ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية، من أنه إذا حل الدين على المعسر ولم يحصل منه شيء، قالوا له: إما أن تقضي ما عليك من الدين، وإما أن تزيد في المدة ونزيد ما في ذمتك، فيضطر الفقير ويستدفع غريمه، والتزم ذلك اغتناماً لراحته الحاضرة، فيزداد بذلك ما في ذمته أضعافاً مضاعفة من غير نفع وانتفاع؛ لأنه بِجَنّ ما كان عليه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾، فهذه صفة كاشفة على أنه ليس لها مفهوم، ليس أن الربا يجتنب إذا كان أضعافاً مضاعفة، بل كل الربا يجتنب». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي، أولها ربا العباس». كان أهل الجاهلية يتعاملون بالربا، فيأتي الرجل ليسدد ماله أو دينه لغيره، فيقول له: إما أن تسدد المال، وإما أن ترابي. كيف ترابي؟ أي: نضيف لك في المدة، ونضيف عليك في الأجر. مثلاً: إذا كان عليه مائة ألف فلم يستطع أن يسددها، فيقوم هذا الذي له المال يقول لهذا الذي عليه المال: إما أن تسدد مالك، وإما أن ترابي. ترابي: معنى أؤخر لك المدة، تعطيني أكثر. معنى: مثلاً إذا كان عليه مليون، يقول له: خلاص، سأؤخر عليك المدة إلى أن أعطيك ستة أشهر، لكن تكون بمليون ومائتين، أو مليون وخمسمائة، وهكذا. فهذا ربا، وسماه العلماء ربا الجاهلية لأنه كان منتشراً عند أهل الجاهلية، وإلى الآن هو موجود. إلى الآن موجود هذا الربا، مثل ما استعمله بعض الشركات، فيقولون مثلاً: إن جئت بالقصد بعد ثلاث أشهر فهو بكذا، وإن جئته بعد ستة أشهر فهو بكذا، وإن جئته بعد سنة فهو بكذا. معنى: يجعلون تأخر الأشهر بأموال تزاد، وهذا هو ربا الجاهلية. فقال: «أضعافاً مضاعفة، تنبيهاً على شدة شناعته بكثرته». وكما ذكرنا قبل أن الربا محرم سواء كان مضاعفاً أو غير مضاعف، لكن إذا كان مضاعفاً اشتد حرمته. قال: «وأن تحريم الربا حكمته أن الله منعه لما فيه من الظلم، وذلك ظلم المتضاعف فيتعين...» أو قال: «وذلك أن الله أوجب إنظار المعسر، وبقي ما في ذمته من غير زيادة، أنه إن كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة. فمن وضع... أو من تجاوز عن معسر، أو وضع عنه، أو من أخر... من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، رواه مسلم. «من أنظر معسراً أو وضع عنه»، أي: وضع عنه الدين، فله هذا الأجر العظيم. قال رحمه الله: «أضعافاً مضاعفة، تنبيهاً على شدة شناعته بكثرته، أو بكثرة، وتنبيهاً لحكمة تحريمه، وأن تحريم الربا حكمته أن الله منعه لما فيه من الظلم، ولأن الخلق لا يعرفون مصالحهم، فلذلك ترى أنهم يتجاوزون أمر الله جل وعلا». فقال: «وأن تحريم الربا حكمته أن الله منعه لما فيه من الظلم، وذلك أن الله أوجب إنظار المعسر، وإن كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة حتى يأتي اليسر، وبقاء ما في ذمته من غير زيادة. فإلزامه فيما فوق ذلك ظلم، والمتضاعف فيتعين على المؤمن المتقي تركه وعدم قربانه، لأن تركه من موجبات التقوى، والفلاح متوقف على التقوى، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، أو قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فلذلك أمر الله عز وجل أهل الإيمان أن يتركوا هذا ظلم المتضاعف». قال: «فيتعين على المؤمن المتقي تركه وعدم قربانه، لأن تركه من موجبات التقوى، والفلاح متوقف على التقوى، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، لأن الفلاح متوقف بتقوى الله جل وعلا». طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.