الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع آيات سورة آل عمران في كفر من بعد إيمان، مبيناً أن الله يقبل توبة من تاب وأصلح مع تفصيل أقوال الفقهاء في المرتد والزنديق. ويوضح الفرق الجوهري بين قبول التوبة عند الله في الآخرة وإقامة الحد الشرعي في الدنيا، حيث لا يستتاب الزنديق ظاهر الكفر بل يقتل حداً إلا إذا تاب سراً قبل القدرة عليه.
يفسر المقطع آية الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً، مبيناً أنها تشمل من كفر برسل متتابعين كيهود كفروا بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم. ويؤكد أن توبتهم لا تقبل ما داموا مصرين على كفرهم ولم يؤمنوا بجميع الرسل، مع التنبيه أن الآية لا تمنع قبول توبة المرتد المتكرر إذا صدق في رجوعه وآمن بما أنكره.
يقرر المقطع أن إيمان النصارى بعيسى وعبادتهم المكثفة لم تنفعهم لكفرهم بالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، مستدلاً بآيات سورة الغاشية في وصف الوجوه الخاشعة العاملة الناصبة في النار. ويؤكد القاعدة الأصولية أن توبة الكافر وصلاته لا تقبل إلا بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن مات على الكفر فلن يُقبل منه ملء الأرض ذهباً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ذكرنا في الدرس الذي مضى تفسير قول الله عز وجل: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقًّا وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةَ وَالنَّاسَ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾. وهذه الآيات قد تقدمت في سورة البقرة أي نحوها. ثم قال جل وعلا: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. على كل حال مهما حصل منهم فإن الله عز وجل إن رجعوا إليه وتابوا إليه وأصلحوا ما قد أفسدوا فإن الله غفور رحيم. وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾. وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾. قال رحمه الله علامة السعدي: ثم إنه تعالى استثنى من هذا الوعيد حتى يبين من كفرهم وذنوبهم المصلحين لعيوبهم فإن الله يغفر لهم ما قدموه ويعفو عما أسلفوه. واستدل جماعة من الفقهاء بهذه الآية على أن المرتد توبته صحيحة، والزنديق أيضا توبته صحيحة، وهو قول مالك والشافعي في المشهور عنه، وكذلك أحمد في المشهور على أنها تقبل توبة الزنديق وكذلك المرتد. الزنديق هو المنافق الذي يظهر نفاقه، فإذا أظهر نفاقه سموه زنديقا. وهذا الزنديق كلمة فارسية أصلا لكن استخدمها بعد ذلك العرب واستخدمها الفقهاء في من يظهر كفره وإلحاده فيسمى زنديقا. فهل تقبل توبته وهل يستتاب؟ اختلف فيها العلم. والصحيح أنه يستتاب، أو أقصد: تقبل توبته، أن تقبل توبته. لكن هل يستتاب؟ الصحيح أنه لا يستتاب لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من بدل دينه فاقتله». فهو حده القتل كفرا إلا إن تاب، إن تاب ورجع فإنه كما قال الله عز وجل في هذه: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. ثم ذكر ربنا جل وعلا حالة أخرى فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾. قال بعض العلم أن هذا مقصود به اليهود، فاليهود عرفوا الإيمان لكنهم أهل كفر، وازدادوا كفرا بمعنى: أولا كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرا لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم فازدادوا كفرا. فقال هؤلاء لن تقبل توبتهم، أولئك هم الضالون، أي إن بقوا على ما هم عليه، وإن أظهروا توبة وهم لم يؤمنوا برسول الله فإنه لا تقبل توبتهم. قال: فهؤلاء هم الضالون عن طريق. ولكن من كفر وأصر على كفره ولم يزدد إلا كفرا حتى مات على كفره فهؤلاء هم الضالون عن طريق الهدى، السالكون لطريق الشقاء، وقد استحقوا بهذا العذاب الأليم، فليس لهم ناصر من عذاب الله، ولو بدلوا ملء الأرض ذهبا ليفتدوا به لم ينفعهم شيئا. فعياذا بالله من الكفر وفروعه. وهذه الآية ليس فيها متمسك لمن يقول أن من ارتد عدة مرات لا يقبل، لأن هذا الذي كفر مثلا وإن ارتد لكن هنا قال: ﴿ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا ﴾، ولم يقل أنهم آمنوا ثم ازدادوا كفرا. لكن قال في آية النساء: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾. فهؤلاء ازدادوا كفرا، وأما تردد ردتهم فهذا لا يؤثر في توبتهم إن رجعوا، لأن الله عز وجل أيضا عرض عليهم التوبة، فلذا فالمراد من الآية: ﴿ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ أي إن صروا على ما هم عليه، كما قال المؤلف ومفسر هنا الإمام السعدي رحمه الله: إن صروا على هذا الكفر، ولو أنهم أظهروا أنهم رجعوا إلى الله فإن توبتهم هذه لا تقبل حتى يؤمنوا بما كفروا به من الرسل. وكما قلنا أن الآية موجهة لليهود فإنهم كفروا بعيسى ثم أيضا ازدادوا كفرا أنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم. فلو أظهروا الإسلام كما يدعون أنهم يظهرون اليهودية ويدعون الله ويتوبون إليه فهذه توبتهم غير مقبولة لأنهم لم يتوبوا من الكفر الذي هم فيه. فلذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾. أيضا النصارى كذلك، النصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلم ينفعهم إيمانهم، أي معنى تصديقهم بعيسى وغيره، ولم تنفعهم أيضا صلاتهم ولم ينفعهم دعاؤهم. ومعلوم أن النصارى الرهبان يكونون في صوامع، معنى طول يومهم وليلهم صلاة ودعاء. حتى أن عمر رضي الله عنه مر على دير راهب من الرهبان النصارى فاستدعاه، أمر من يستدعي فدعوه فجاء، فرأى رجلا نحيفا جدا قد أنهكته العبادة. فلما رآه عمر بكى رضي الله عنه، فقالوا: أتبكي؟ قالوا له: أتبكي يا أمير المؤمنين على الكفار؟ قال: لا، وإنما أبكي شفقة عليهم. الله عز وجل يقول: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾. انظر إلى هؤلاء يعبدون الله ويدعون الله صباحا ومساء وهم في عبادة، لكن في آخر أمرهم أنهم في نار جهنم. هل أتاك حديث الغاشية؟ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾ تخشع لربها لكن أيضا ﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴾، وناصبة عاملة ليس عمل فقط عادي بل عمل فيه نصب، عن أنها تجد أنهم في ليلهم ونهارهم هم في العبادة. لكن قال الله عز وجل: ﴿ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ بعد ذلك وبعد هذه العبادة كلها والنصب لا ينفعهم ذلك، وإنما يصلون إلى النار. فلذا فتوبتهم ودعاؤهم وصلاتهم كلها لا تقبل، لا يقبلها الله عز وجل أبدا حتى يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾، سماهم أهل ضلال لأنهم لم يتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾. ما يخلصه من عذاب الله شيء، وما أيضا يخفف عنه من عذاب الله شيء، ولو صلى وصام، ولو تاب ورجع لكنه لم يؤمن بما كفر به فإنه لا ينفعه ذلك أبدا. فلو كان شيء نافع لنفعت الصلاة والدعاء للنصارى، لكنه لم تنفعهم، بل أن سماهم الله عز وجل أهل الضلال كما في الفاتحة وهنا. فهذا ما يذكر في هذه الآيات، الله تعالى أعلم. أهل الضلال، أهل الضلال. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر