تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 42

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 42

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رد السعدي على شبهة اليهود في النسخ وتحليل الطعام لبني إسرائيل

يفسر العلامة السعدي آية ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مبيناً أن اليهود أنكروا النسخ وزعموا ثبات الشرائع، فاحتج الله عليهم بأن الطعام كله كان حلالاً منذ إبراهيم إلا ما حرم يعقوب على نفسه، ثم نسخت التوراة ذلك. واستدل السعدي بآية النسخ لإثبات جواز النسخ بين الشرائع وبطلان دعوى اليهود.

تحريم يعقوب على نفسه وبيان حنيفية إبراهيم

يوضح المقطع أن تحريم يعقوب عليه السلام لبعض الأطعمة على نفسه كان قبل نزول التوراة، وأن الآية ترد على ادعاء اليهود بعدم النسخ في دينهم. وتبين أن التوراة حرمت أشياء كانت حلالاً في ملة إبراهيم، مما يثبت أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً لا يهودياً ولا نصرانياً.

حجة القرآن على اليهود في إنكار النسخ والتحدي بالتوراة

يبيّن المقطع أن اليهود يزعمون عدم النسخ ليبطلوا أديان الأنبياء، فيحتج عليهم القرآن بإحضار التوراة وقراءتها، فمن كذب بعد البيان فهو ظالم. كما يوضح الفرق بين الشريعة التي تختلف والدين الواحد وهو التوحيد، مستدلاً بحديث: «الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وشرائعهم شتى».

خاتمة الدرس ودعوة للاشتراك في القناة

يذكر المقطع عبارة تشير إلى ذكر الله تعالى بوصفه العليم، ويتبعها دعوة مباشرة للمشاهدين بالاشتراك في القناة لدعم المحتوى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال رحمه الله: إن من جملة الأمور التي قدح فيها اليهود بنبوة عيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهما وسلم أنهم زعموا أن النسخ باطل، وأنه لا يمكن أن يأتي نبي يخالف النبي الذي قبله. فكذبهم الله بأمر يعرفونه؛ فإنهم يعترفون بأن جميع الطعام قبل نزول التوراة كان حلالاً لبني إسرائيل إلا أشياء يسيرة حرم إسرائيل - وهو يعقوب عليه السلام - على نفسه، ومنعها إياه لمرض أصابه. ثم إن التوراة فيها من التحريمات التي نسخت ما كان حلالاً قبل ذلك شيء كثير. وأنهم كانوا يستدلون ببطلان نبوة عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم بأنهما نسخا أشياء كانت محرمة عليهم، فقالوا: هذا النسخ باطل، لا يكون بين الأنبياء نسخ، وإنما دينهم واحد وشرائعهم واحدة، هكذا يقولون. ولهذا أنزل الله عز وجل: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فربنا جل وعلا بيّن أن النسخ موجود في كتاب الله، وكذلك بين الكتب. وجعل الله عز وجل هذه الآية دليلاً في الرد على اليهود. أولاً: أنهم ليسوا من ملة إبراهيم، أنهم ليسوا على ملة إبراهيم بذلك الاعتقاد الذي يعتقدون. لأن الطعام كان حلالاً لبني إسرائيل من زمن إبراهيم عليه السلام، كل الطعام كان حلالاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه. أي: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، هو الذي حرم على نفسه بعض الأشياء. والذي ثبت في صحيح البخاري أنه حرم لحم الإبل وألبانها. وذكر بعض المفسرين عن بني إسرائيل أنه فعل ذلك لمرض ألم به، فمنعه الأطباء من لحم الإبل. لكن هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، والله أعلم لماذا حرم على نفسه لحم الإبل وألبانها. فالله عز وجل ذكر أن هذا التحريم هو الذي حرمه على نفسه، فحرمه الله عز وجل على بني إسرائيل: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. وهذا يدل على أن قبل التوراة كان بنو إسرائيل على دين إبراهيم. ولهذا الله عز وجل نفى أن يكون إبراهيم يهودياً أو نصرانياً، وإنما ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾. فدل على أن اليهودية ليست حنيفية إلا إذا اتبعوا الأنبياء، إذا اتبعوا الأنبياء. وكذلك النصارى ليسوا من أهل الحنيفية إلا إذا اتبعوا عيسى، وأما إذا خالفوه فهم ليسوا على دين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. فهذه الآية رد على هؤلاء اليهود الذين وضعوا قاعدة من عند أنفسهم وأبطلوا بها أديان الأنبياء من بعد موسى. فقال الله عز وجل: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةَ﴾. يعني: لما جاءت التوراة حرمت أشياء كثيرة على بني إسرائيل، منها شحوم الغنم، أيضاً حرمها الله عز وجل على بني إسرائيل ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، هذا يجوز لهم كما ذكر الله عز وجل في سورة الأنعام. وأشياء كثيرة حرمها الله عز وجل على بني إسرائيل في التوراة. فهذه التحريمات التي جاءت في التوراة لم تكن موجودة في دين إبراهيم، لم تكن موجودة في دين إبراهيم، فدل ذلك على أنه نسخ، وأتوا بأشياء غير التي كانت في دين إبراهيم. فالقاعدة التي هم يمشون عليها قاعدة باطلة في دينهم، قاعدة باطلة في دينهم: أن الله عز وجل حرم عليهم أشياء لم تكن محرمة على من كان قبلهم. وهذا يعتبر نسخاً، وهذا يعتبر أيضاً نسخاً. فلذلك فقاعدتهم قاعدة باطلة. قال رحمه الله: حرم إسرائيل - وهو يعقوب عليه السلام - على نفسه، ومنعها إياه لمرض أصابه. ثم إن التوراة فيها من التحريمات التي نسخت ما كان حلالاً قبل ذلك شيء كثير. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: بزعمكم أنه لا نسخ ولا تحليل ولا تحريم. وهذا من أبلغ الحجج أن يحتج على الإنسان بأمر يقوله ويعترف به ولا ينكره. أن هذه حجة على اليهود، هذه أشياء موجودة في كتابهم، وهم يريدون أن يبطلوا أديان الأنبياء بهذه القاعدة التي هي مخالفة أيضاً حتى في دينهم، وهم يعرفون ذلك. وهذا من قلة عقولهم. وأيضاً كما وصفهم عبد الله بن السلام: أنهم قوم بهت، والقوم البهت هو الذي ينكر ما يعرف. هؤلاء ينكرون ما يعرفون أنه صحيح، لكنهم ينكرونه لأجل أن يحاجوا غيرهم. قال: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فإن انقاد للحق فهو الواجب، وإن أبى ولم ينقد بعد هذا البيان تبين كذبه وافتراؤه وظلمه، وبطلان ما هو عليه، وهو الواقع من اليهود. فهم ينكرون الحقائق. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. أي: بعدما تبين لكم أن هذا الكلام الذي تقولونه باطل، وأنه مخالف لما عندكم في التوراة. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وهذه طريقة اليهود، أو من طرق اليهود الباطلة التي يمشون عليها: يريدون أن ينكروا الأديان التي بعدهم بحجج واهية، وبحجج باطلة، وحجج هي معروفة البطلان عندهم. فلذلك أنكر الله عز وجل عليهم، فقال: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ولأنهم ينسبون ذلك إلى الله، على أن الله لا ينسخ شريعة نبي بنبي آخر. فإن كانوا أرادوا العموم فذلك صحيح، لكنهم أرادوا التحليل والتحريم. وهذا كما قال الله عز وجل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. فالشريعة في الحلال والحرام تختلف من نبي إلى نبي. وأما ما يدعون إليه من التوحيد فهو طريقة واحدة، يدعون بها إلى توحيد الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وشرائعهم شتى». هذا ما يذكر الله تعالى، عالم اشتركوا في القناة