الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع آيات سورة آل عمران مبيناً عظمة البيت الحرام وأنه أول بيت وضع للعبادة متميزاً بالبركة والهداية والأمن. ويرد على مزاعم تفضيل بيت المقدس بأدلة فضل الكعبة وتقدميتها مع توضيح معنى تسمية بكة لغة وتاريخاً.
يناقش المقطع معنى بكة كالتزاحم حول الكعبة وفضل كونها أول بيت وضع للناس مستعرضاً أقوال العلماء فيمن بناها أول مرة. ويبين أن الأصح ثبوت بناء إبراهيم لها مع تناول بناء المسجد الأقصى وحديث الأربعين سنة بين المسجدين وإشكاله الزمني.
يوضح المقطع أن الكعبة المشرفة أول بيت وضع للناس للعبادة ومصدر للبركة الحسية والمعنوية ومكان آمن حرمه الله بدعوة إبراهيم. ويبين أن البيت الحرام مثابة للناس تهوي إليه القلوب وتزداد فيه الهداية بذكر مقامات الأنبياء ومناسك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يبيّن المقطع أن الله يجازي الحاج المنيب الذي يؤدي الحج كما أمره الله بمغفرة ذنوبه فيرجع كيوم ولدته أمه بلا خطية. ويختتم الدرس بالوعد بمواصلة الشرح في درس قادم مبيناً فضل الله العظيم على عباده.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾. قال: يخبر تعالى بعظمة بيته الحرام، وأنه أول البيوت التي وضعها الله عز وجل في الأرض لعبادته وإقامة ذكره، وأنه فيه من البركات وأنواع الهدايات، وتنوع المصالح والمنافع للعالمين شيء كثير وفضل غزير، وأن فيه آيات بينات تذكر أو تذكر بمقامات إبراهيم الخليل وتنقلاته في الحج، ومن بعده تذكر بمقامات سيد الرسل وإمامه، أي نبي عليه الصلاة والسلام، وفيه الأمن الذي من دخله كان آمناً قدراً وشرعاً وديناً. فهذا البيت، وهو مكة أو بيت الله الحرام، هو من أفضل البيوت عند الله عز وجل، وهو أول بيت وضع للناس، فهي فضيلة لهذا البيت. وذكر مجاهد بن جبر، كما ذكر ذلك الإمام الطبري وغيره عنه، أنه قال: تفاخر المسلمون واليهود، فقال المسلمون: الكعبة هي أفضل البيوت، وقال اليهود: بيت المقدس هو بيت أو مسجد الأنبياء، وغيرها من هذا التفاخر. وذكر بعض المفسرين أيضاً أن هذا حصل بعدما حولت القبلة، لما حول الله عز وجل القبلة إلى مكة، فإن اليهود وجدوا غصة في نفوسهم، وكذلك كانت خزياً لهم، وأيضاً كذلك أرادوا أن يثبتوا أن قبلتهم هي القبلة الصحيحة، ولهذا أنكروا على النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾، فأنكر الله عز وجل عليهم، فلهذا أرادوا أن يفاضلوا بيت المقدس وأنه أفضل البيوت، وأنه مسجد الأنبياء جميعاً من لدن إبراهيم ومن كان بعده. فبيّن ربنا جل وعلا أن هذا الذي يذكره اليهود ليس صحيحاً، وليس أن بيت المقدس هو أفضل البيوت، بل أن الكعبة هي أفضل بيوت الله عز وجل، ومن ذلك أنه أول بيت وضع للناس، وتقدمته تدل على فضله، تقدمت هذا البيت تدل على فضله. بيوت الله عز وجل كلها سواء يعبد الله عز وجل فيها، فكما أنه يعبد الله عز وجل في الحرم المكي، كذلك أيضاً يعبد في بيت المقدس، لكن الذي أراد الله عز وجل هو تفضيله من ناحية عظمته، ومن ناحية أيضاً وقوعه عند الله جل وعلا، فلهذا ذكر ربنا جل وعلا في هذه الآيات أشياء كثيرة تدل على فضل هذا البيت وعلى تميزه على غيره. فقال: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾، وببكة هنا أي مكة، يقال أنها على لغة قديمة يبدلون الميم باء، مثل: لازب، طين لازب، ولازم، وغيرها من الكلمات التي تبدل فيها الميم باء. وقيل أن بكة كان اسمها قديماً في عهد الكنعانيين وغيرهم، كانوا يسمونها بكة في عهد إبراهيم، فلهذا سماها الله عز وجل في هذا الموضع ببكة لأنها كانت تسمى كذلك. فقال: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾. وذكر بعضهم أيضاً معنى ثالثاً: أن البكة هو التزاحم، معنى لزحمة البيت والطواف به، فسمي بكة، معنى البك هو البك بالبيت أي التزاحم بالطواف في البيت، فقيل لها بكة، واستبعد بعضهم هذا المعنى. قال: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾، هذا ميزة عظيمة في هذا البيت، أنه أول بيت وضع للناس. وهل هو أول بيت وضع للناس؟ المراد أنه ليس هناك قبله بيوت، فهذا أيضاً في خلاف بين أهل التاريخ وأهل العلم، هل أن هذا البيت وضع قبل آدم، أو في وقت آدم، أو أنه بناء بناه إبراهيم؟ فتجد أن العلماء يختلفون في ذلك، فمنهم من قال: أن هذا البيت هو قبل آدم، وأن الملائكة وضعته، لكن هذا لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما أخذ من الإسرائيليات التي ليست صحيحة، أو من القصص القديمة، فليس هناك ما يدل على أن الملائكة اختطت هذا البيت قبل أن يخلق الله عز وجل آدم. وأيضاً كذلك لم يثبت شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا البيت كان في زمن آدم، أو أنه أخذه الطوفان، كما يذكر أهل التاريخ أن البيت كان مبنياً على ربوة على مكان مرتفع، لكن لما جاء الطوفان في عهد نوح، فإنه أخذه ما أرسله الله عز وجل من ذلك الطوفان العظيم، فأخذ البيت، ثم بناه بعد ذلك إبراهيم. ويقال أن قبل إبراهيم بناه أناس من الكنعانيين وغيرهم ممن كانوا قديماً، لكن هذا كله لا يثبت بشيء يدل عليه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في كلام الله، وإنما دل القرآن على أن إبراهيم هو الذي بناه، دل القرآن على أن إبراهيم هو الذي بناه، هذا الذي عندنا. وكذلك أيضاً ما جاء في صحيح مسلم في حديث أبي ذر، أن أبا ذر لما سأله، سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما هو أول بيت وضع للناس؟ قال: مكة. قال: ومن بناه؟ قال: إبراهيم. فإبراهيم هو الذي بنى بيت المقدس، أو فهو الذي بنى مكة. وأما بيت المقدس، فهل كان قبل سليمان؟ فمنهم من قال: أن إبراهيم مر على هذه الأرض، وهي أرض المقدس، فبنى مسجداً صغيراً أو بيتاً صغيراً في مكان الصخرة، لكن هذا لم يثبت، ثم بعد ذلك بنى سليمان مكان البيت أو مكان بيت المقدس. وثابت أن سليمان، أو المشهور أن سليمان هو الذي بنى بيت المقدس. وهل بني قبله؟ الله أعلم. والنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة. وهذا أيضاً كما ذكرنا قبل أنه من الإشكال، كيف يبنيه إبراهيم وسليمان وبينهما أكثر من تسعة قرون، هذا ليس أربعين سنة، ولهذا بعض العلماء قال: لعل إبراهيم هو الذي اختط هذا المسجد أو بيت المقدس، اختط لأبنائه لما أعلمه الله عز وجل أن أبناءه سيكونون في هذه الأرض ويملكونها. فذكر الله عز وجل أن أول بيت وضع للناس، أي أول بيت وضع للعبادة وللطاعة، لهذا قال: ﴿ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾. فليس هناك بيت قبل بيت الله عز وجل الحرام هو هدى للعالمين، وحتى لو قيل معنى وهو الصحيح كما قلنا أن إبراهيم هو الذي بناه، فما كان من البيوت قبله في زمن نوح وزمن هود وصالح وغيرهم، إنما كانت بيوتاً تبنى لهم، ولم يكن لهم هذه المساجد والبيوت التي يجتمع فيها أهل الإسلام، حتى وضع أول بيت للناس، أي يشترك فيه الناس بالعبادة والطاعة، هو بيت الله الحرام. ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ﴾، فالبركة فيه عظيمة في هذا البيت، وكذلك في ذلك المكان، فجعله الله عز وجل مكاناً مباركاً، بارك الله عز وجل فيه كذلك بدعوة إبراهيم، كما حرم الله عز وجل ذلك المكان أيضاً بدعوة إبراهيم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة»، أي بدعائي لله جل وعلا حرم الله عز وجل إبراهيم مكة، فصارت حرماً إلى يوم القيامة، لا يقتل خلاؤها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها، وكذلك لا يقتل، وكذلك هي بلد آمن، كما سيأتي في الآيات. ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾، ففيه أشياء مباركة عظيمة، كذلك من الخير، البركة فيه بركة معنوية وحسية، فمن ذلك الأجر العظيم الذي جعله الله عز وجل للطائفين والعاكفين، وأيضاً كذلك المصلين في ذلك البيت العظيم، جعل الله عز وجل لهم أجوراً عظيمة. ومن بركته أيضاً أنه بيت معظم، لا ينبغي لمسلم أن يهم فيه بشر، أن يهم فيه بشر أو بمعصية بغيره، ولهذا ربنا جل وعلا حرم معناه، فقال: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. فقال مجاهد رحمه الله: لو أن رجلاً هم وهو بعدن أبين أن يحدث حدثاً، لقصمه الله، أو كما قال رحمه الله، أي أنه يدخل في هذه الآية: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. فالذي يذهب إلى مكة لأجل الفساد، ولأجل أيضاً أمور أخرى من المعاصي، فإنه قد باء بشر عظيم، فلهذا فهو مكان مبارك ينبغي أن يقصد بالخير، ويقصد بالنية الصالحة، وكذلك بما يتحصل به العبد من الأجور العظيمة، فيحرص المؤمن على أنه يأتي ذلك المكان، وأيضاً كذلك يحن لذلك المكان. وسبحان الله هذه البركة صارت في هذا البيت، فكل رجل صادق يذهب إلى ذلك البيت ويصلي عنده ويمكث، تجد أنه إن رجع إلى بلده، تجد رغبة إلى ذلك المكان، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾، مثابة أي أن الناس يرجعون إليه كلما ذهبوا منه أرادوا الرجوع إليه. فقال رحمه الله: ومعهم بعد تذكر بمقامات سيد الرسل وإمامه، أيضاً كذلك من الأمور المباركة العظيمة في هذا البيت، ومن أمور الهدى التي جعلها الله عز وجل في ذلك البيت، آثار رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وصلاته وحجه صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك أيضاً ما علمه للناس من مناسك عظيمة، فكل ذلك أيضاً مما يذكر بالله، وأيضاً مما يجعل قلب العبد يأوي إلى الله ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى، ويهتدي هذا القلب أكثر هداية من ذي قبل. ولهذا ربنا جل وعلا جزاء وفاقاً للعبد، وأيضاً من كرمه سبحانه وتعالى أن جعل العبد المنيب، والذي يحج كما أمره الله عز وجل، أن يرجع إلى بيته كيوم ولدته أمه، ليس عليه خطية، ليس عليه خطية، وهذا فضل من الله عز وجل على عباده. فنكتفي بهذا، وإن شاء الله تعالى نكمل في درس قادم، شكراً للمشاهدة.