تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 37

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 37

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فرضية الجهاد وأنواعه في سورة البقرة

يستعرض المقطع آية فرض القتال في سورة البقرة موضحاً انتقال الحكم من النهي إلى الوجوب بعد الهجرة، ويبين نوعي الجهاد: فرض عين وفرض كفاية مع الاستدلال بحديث من لم يغزُ. كما يحذر من القتال لغير وجه الله كالدنيا أو الاقتتال بين المسلمين.

أحكام الجهاد الشرعي وتحول الفرض من الكفاية إلى العين

يبيّن المقطع ضوابط الجهاد الشرعي ومتى يتحول من فرض كفاية إلى فرض عين كما في حالات النفير العام وجهاد الدفع وتعيين ذوي الكفاءات النادرة. ويؤكد أن الجهاد وإن كرهته النفوس لمشقته فهو خير محض بعاقبته من ثواب ونصر وغفران، وأن اليقين بوعد الله والصبر ينيلان الإمامة في الدين.

فضل الصبر على مشاق الطاعات وعاقبة اتباع الهوى

يوضح المقطع أن ما تكرهه النفوس من مشاق الطاعات كالجهاد هو في حقيقته خير عظيم وعاقبته نصر وتمكين، بينما ما تشتهيه النفوس من الراحة والدعة يجر إلى الذل والخذلان. ويؤكد أن التسليم لأقدار الله وحكمته أصلح للعبد لأن الله أعلم بمصالح خلقه منهم.

استثناء الأشهر الحرم في تشريع القتال وتدرج الأحكام

يشير المقطع إلى أن الأمر بالقتال قيد باستثناء الأشهر الحرم، مستعرضاً خلاف العلماء في بقاء تحريم القتال فيها أو نسخه. ويختم بالتأكيد على أن فرض القتال جاء متدرجاً وفق حكمة التشريع الرباني.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله أحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. قال: هذه الآية فيها فرض القتال في سبيل الله بعدما كان المؤمنون مأمورين بتركه لضعفهم وعدم احتمالهم لذلك. ولما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وكثر المسلمون وقوي أمرهم، أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه مكروه للنفوس لما فيه من التعب والمشقة وحصول أنواع المخاوف والتعرض للموت، ومع هذا فهو خير محض لما فيه من الثواب العظيم. فهذه الآية فيها فرض القتال على أهل الإسلام، والقتال نوعان: منه فرض عين، ومنه فرض كفاية. وذكر الزهر رحمه الله كما ذكر الطبري أن القتال فرض على كل مسلم، وقال: فمنهم من يقاتل في المعركة، ومنهم من يكون في البلاد فيعين على القتال، وإذا طلب منه لبى ذلك. أراد رحمه الله يبين أن من القتال الواجب، أو أن من الأمور الواجبة، أن الإنسان إذا كان مثلاً في بلاده يجب أن يحدث نفسه بالغزو، هذا أولاً يعتبره واجباً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «من لم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية». من لم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو، من يرى أن هذا شيء بعيد عنه ليس هناك عذر له، فهذا في شعبة من شعب النفاق. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن مات مات ميتة جاهلية». وكذلك أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري: ﴿ وَإِذَا اسْتُنفِرْتُمْ فَانفِرُوا ﴾، ﴿ وَإِذَا اسْتُنفِرْتُمْ فَانفِرُوا ﴾. فلهذا قال العلماء: إن الجهاد فرض كفاية أصلاً إلا في بعض المسائل، منهم من جعلها أربعة، منهم من جعلها أخرى، بعض المسائل يكون الجهاد فيها فرض عين. من تلك المسائل: إذا استنفر ولي الأمر الناس للجهاد في سبيل الله، لا بد أن يكون هذا الجهاد جهاداً صحيحاً على الضوابط الشرعية. أما إن كان القتال لدنيا فقد كان الصحابة تركوا بعض الأشياء، بعض القتال الذي يظنون أنه لدنيا، فالقتال الذي يكون لأجل الملك ولأجل الأموال وكذا فهذا غالباً للدنيا، فلهذا ليس المراد هذا. وخاصة إذا كان بين المسلمين، بين طوائف من المسلمين، أو بين بلد مسلم وآخر مسلم، فهذا غالباً فتن لا يجوز أن يدخل فيها الإنسان. لكن إذا كان هذا الجهاد منضبطاً من ضوابط شرعية، قتال الكفار أو قتال من أرادوا أن يخربوا البلاد كالبغاة والخوارج وغيرهم، فهذا يعتبر جهاداً شرعياً. فلهذا، إذا أمر ولي الأمر بالنفير العام، فإنه يجب على كل من استطاع أن يذهب أن يغزو، فيكون واجباً على كل أحد، إلا من كان عنده عذر من أعذار كمرض أو غيره مما عذر الله عز وجل به المتخلفين عن الجهاد. كذلك أيضاً، إذا كان العدو هاجم بلاداً من بلاد المسلمين، فيجب عليهم أن يدفعوا جميعاً، أن يدفع الشخص عن نفسه وعن عرضه وعن أهله وعن أهل بلده، فهذا أيضاً يكون فرضاً واجباً، جهاد الدفع. وكذلك أيضاً إذا تعين على رجل مثلاً، احتاج أهل الإسلام في الجهاد إلى رجل يستعمل دبابة ولم يجدوا أحداً، كذلك لكن وجدوا رجلاً عنده هذا الأمر، فتعين عليه، متعين عليه فرض الوجوب، وغيرها من هذه الأسباب التي يكون فيها القتال واجباً، وإلا في الأصل أنه فرض كفاية. قال: هذه الآية فيها فرض القتال في سبيل الله بعدما كان المؤمنون مأمورين بتركه لضعف شوكتهم. صلى الله عليه وسلم، معنا أن الله عز وجل تدرج في القتال في الأمر بالقتال. قال: فلما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وكثر المسلمون وقوي أمرهم، أمرهم الله تعالى بالقتال، وأمر وأخبر أنه مكروه للنفوس لما فيه من التعب والمشقة وحصول أنواع المخاوف والتعرض للموت. لكن الخير كله في مرضاة الله جل وعلا، ولو كان ذلك مكروهاً للنفس، وغالباً طريق الجنة أيضاً فيه ما تكره النفس، بخلاف طريق النار فيها الشهوات وما تلذه النفس. لكن طريق الجنة فيها المخاوف وفيها المكروه، لكن يزول هذا باليقين والصبر، اليقين بوعد الله والصبر على طاعة الله جل وعلا وعلى أمر الله، فباليقين والصبر تنال الإمامة في الدين، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾. فبهذا، باليقين والصبر، يزول ذلك المكروه، ويعوض الله عز وجل بذلك المكروه ما هو خير وأنفع للعبد. وأمر الله عز وجل كله خير وعاقبته خير وإن كرهته النفس، وإن كرهته النفس، بخلاف ما نهى الله عز وجل عنه فهو شر وعاقبته شر وإن أحبته النفس. قال: لما فيه من التعب والمشقة وحصول أنواع المخاوف والتعرض للموت، ومع هذا فهو خير محض، إذ لا شر فيه لما فيه من الثواب العظيم والسلامة من العقاب الأليم والنصر على الأعداء والغفران والغنيمة، على هذا إذا كان على ما أراده الله، أي أمراً شرعياً، كذلك أخلصت فيه النية. قال: وغير ذلك مما هو مرغوب فيه على ما فيه من الكراهة، وما هو مرغوب أي مما هو مفيد لأهل الإسلام ومثمر له خير. قال: ﴿ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾. قال: وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة، فإنه شر لأنه يعقب الخذلات وتسلط العداء على الإسلام وأهله وحصول الذل والهوان وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب، فهو شر وكذلك عاقبته شر وإن أحبته النفس. إن لا شك أن النفس تحب عدم المشقة، وعدم هذا القتال سيكون شاقاً على النفوس لأنه فيه ذهاب النفس، فلهذا يكون شاقاً على النفس، فالنفس تبتعد عن هذا، تحتاج إلى الابتعاد مثل هذه المواقف، وتحب عدم القتال، لكن الأصل أن هذا الأمر شر له، شر على هذه النفس، وكذلك أيضاً عاقبته شر؛ لأنه إذا ترك الجهاد في سبيل الله فأعقب الخذلات، خذلان أهل الإسلام، تسلط العداء على الإسلام وأهله، وحصول الذل والهوان. انظروا إلى هذه المشاهد التي قد مرت وإلى الآن أهل الإسلام يتذوقون هذا المر بسبب ترك الجهاد في سبيل الله، تركوا جهاد الأعداء وصار الضغط على المسلمين والذل على المسلمين والخذلان عليهم، فأعقب ذلك تسلط العداء على الإسلام وأهله وحصول الذل والهوان من أهل الإسلام، من أهل الإسلام، وإن أهل الإسلام، لكن بحمد الله في العصور المتأخرة ظهر التوحيد وظهرت السنة، وإن شاء الله تعالى أيضاً يظهر الإسلام كله ويذل الله عز وجل أعداء الإسلام. قال: وهذه قاعدة عامة مضطردة في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحبها النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك. هذه قاعدة عظيمة وهي قاعدة مضطردة ليس فيها خلل، فأفعال الخير وإن كرهتها النفوس لما فيها من المشقة فإنها خير بلا شك وعاقبتها الخير، وأفعال الشر وإن حبتها النفس فإنها أيضاً مرة وعاقبتها مرة وهي شر محض وإن حصل للنفس الراحة، لأن النفس تحتاج، لأن النفس تحب هذه الأمور، ولهذا كانت الشهوات من ذات النار. قال: فالأوفق له في ذلك أن يشكر الله ويعتقد الخير في الواقع لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه وأقدر على مصلحة عبده منه، ألا يعلم من خلقه وهو اللطيف الخبير، فهو أعلم بمصالح العبد من نفسه، أي من نفس هذا العبد، لأنه خلقه. وقال: وأعلم بإصلاحه منه، كما قال جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾، فاللائق بكم أن تسلموا مع أقداره سواء سرتكم أو ساءتكم. ولما كان الأمر بالقتال لو لم يقيد لشمل الأشهر الحرم وغيره، استثنى تعالى القتال في الأشهر الحرم، سيأتي في الآية الأخرى خلاف: هل الحكم في الأشهر الحرم هل هو باق على تحريمه أم أنه نسخ؟ وأما كما قلنا: القتال فرض الله عز وجل القتال لكن تدرج، فأ