الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر السعدي خلاف المفسرين حول نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم، حيث يرى الجمهور النسخ بآية السيف بينما يرى آخرون بقاء التحريم لتقييدها للعموم. وتوضح الآية سبب نزولها في سرية عبد الله بن جحش حيث وقع القتال في شهر حرام، فبين الله أن صد المشركين عن سبيل الله وإخراجهم أهل المسجد الحرام أعظم من القتال في الشهر الحرام.
يبيّن المقطع أن القتال في الأشهر الحرم كبيرة، لكن الشرك والصد عن سبيل الله وإخراج أهل المسجد الحرام أعظم منها، وأن الفتنة في الدين أكبر من القتل. ويستعرض آيات سورة التوبة التي أمرت بقتال المشركين مطلقاً بعد انقضاء مهلة الأربعة أشهر لأصحاب العهود دون استثناء لزمان أو مكان.
اتفق العلماء على جواز قتال الدفع (الدفاع عن النفس) في الأشهر الحرم، واختلفوا في قتال الابتداء (الطلب) فيها. ونزلت آية البقرة 217 بسبب سرية عبدالله بن جحش، مبينة أن ظلم المشركين بصدهم عن سبيل الله وإخراجهم أهل المسجد الحرام أعظم من انتهاك حرمة الأشهر الحرم.
يوضح المقطع أن أفعال الظالمين من الشرك والصد عن سبيل الله أشد إثماً من القتل في الشهر الحرام. ويصفهم بأنهم فساق ظلمة يعيرون المؤمنين بفعلهم، مختتماً بالتأكيد على الاكتفاء بهذا البيان في قرض الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. قال رحمه الله: الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيث ما ثقفتموهم، وقال بعض المفسرين: إنه لم يُنسخ؛ لأن المطلق يحمل على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقاً؛ لأن من جملة مزية الأشهر الحرم بل أكبر مزاياها تحريم القتال فيه. وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم كما يجوز في البلد الحرام. فذكر المفسر رحمه الله الخلاف في مسألة القتال في الأشهر الحرم. لا شك أن في هذه الآية تحريم القتال في الأشهر الحرم: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ﴾. «يسألونك عن الشهر الحرام» هذه نزلت لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش، فوجدوا عمرو بن الحضرمي فقتلوه، وكان في بداية الشهر الحرام، أقصد في الأشهر الحرم، وقتلوه. ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل، وإنما أخرجهم فقط لأجل أن يروا سير الكفار. لكن لما وجدوا هذا الحضرمي ومن معه قتلوه، وقتلوا معهم أيضاً رجلاً آخر. فاستنكر هؤلاء المشركون هذا الأمر: كيف يقتلون الناس في الأشهر الحرم؟ أرادوا أن يضجوا بهذا الشيء، ويريدوا كأنهم أخذوا نقطة على أهل الإسلام. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾. أن القتال في الأشهر الحرم كبيرة وعظيمة، لكن أعظم منه الشرك بالله، وأيضاً الصد عن سبيل الله والكفر بالله جل وعلا، وإخراج أهل المسجد الذين هم أهله، أي أهل البيت، أهل مكة. إخراج النبي عليه الصلاة والسلام من الحرم هو أكبر من ذلك، أكبر من القتال في الأشهر، وأكبر عند الله جل وعلا. ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾. الفتنة هي فتنة الرجل عن دينه، أن يرد إلى الكفر ويرتد، فهذه الفتنة هي أكبر من القتل. وقال ابن عمر في قول الله عز وجل: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾. قال ابن عمر: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وكان الدين لله. وأما قتالكم فأنتم تطلبون الملك. قال: قاتلنا المشركين حتى يدخل الناس دين الله، ولا تكون فتنة لهم، ولا يفتن أهل الإسلام، فكان الدين لله. فهكذا. فلقد قسم الله عز وجل فيها القتال، مثل ما كان في الجاهلية، لكن بعد ذلك أمر الله عز وجل بقتال المشركين، ولم يستثنِ إلا الذين عليهم عهد، كما ذكرنا بالأمس. جعل لهم أربعة أشهر، مهلة حتى يتموا عهدهم، كما هو مبين في سورة التوبة في الآيات الأولى، من بداية السورة، الصفحة الأولى والثانية. ذكر الله عز وجل في هذه الآيات تبرؤه سبحانه وتعالى من المشركين، وتبرؤ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين، وأمر الله عز وجل بقتالهم، ولم يستثنِ إلا الذين عاهدتم من المشركين، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. فجعل الله عز وجل لهم مدة أربعة أشهر. ﴿ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾. فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم، وإن لم يستقيموا فقاتلوهم حتى تنتهي الأربعة أشهر. وإن لم يستقيموا فمعناه أن المراد أن الله عز وجل أراد أنهم إذا لم يستقيموا على العهد فقاتلوهم أيضاً. فدلت هذه الآيات على أن المشركين يقاتلون مطلقاً: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾. وقال: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾. وقال: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾. فهذه الآيات كلها تدل على قتل المشركين، ولم تستثنِ أشهراً، ولم تستثنِ مكاناً. فلذلك فإن هذه الأشهر الحرم، قال أكثر العلماء: إن القتال فيها، أو تحريم القتال فيها، منسوخ. مع اتفاق العلماء أن قتال الدفع مستثنى هنا، معناه: اتفقوا على أن قتال الدفع يكون في الأشهر الحرم وفي غيرها. معناه: لا يقول مثلاً للإنسان إذا هاجمه العدو: هذه أشهر حرم، لا قتال فيها. لا، بل يقاتل ويدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله. فجهاد الدفع هذا لا بد منه، سواء كان في الأشهر الحرم أو غيره، وهذا باتفاق أهل العلم. إنما اختلفوا في جهاد، في قتال الابتداء والهجوم. فهذا الذي اختلفوا فيه: هل يجوز في الأشهر الحرم أن يهجم ويغزو المشركين أو لا يجوز؟ وفي سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لم يوجد أنه عليه الصلاة والسلام بدأ في قتال في الأشهر الحرم، إلا في بعض القتال المستمر. وأما بدأ مثلاً قتال أو غزوة في أشهر الحرم، فالظاهر أنه لم يثبت، كما صرح بذلك بعض العلماء. قال رحمه الله: ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم الأبوال، وكان ذلك على ما قيل في شهر رجب، وقيل: في بداية ذي القعدة. قال: وأخذ أبوالهم وعيرهم. تعيير المشركين بالقتال في الأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، يدفونهم من القبائح ما هو أعظم مما عيروا به المسلمين. قال الله عز وجل في بيان ما فيهم: ﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله، وفتنتهم من آمن به، وسعيهم في ردهم عن دينه، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام والبلد الحرام، الذي هو بمجرده كاف في الشر. أنهم الآن يقتلون الضعفاء، ويقتلون المسلمين في مكة، وهي بلد حرام، بل ويخرجون أهلها منها. فهذا لا شك أنه أعظم من أن يقال: إن انتهاك الأشهر الحرم عظيم. قال: فكيف وقد كان في شهر حرام، وبلد حرام، وإخراج أهله، أي أهل المسجد الحرام، وهم النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، لأنهم محقون به من المشركين، وهم عمّاره على الحقيقة. فأخرجوهم منه، ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن أهل البيت سواء العاكف فيه والبادي. فهذه الأمور كل واحد منها أكبر من القتل في الشهر الحرام، فكيف وقد اجتمعت فيهم؟ فعلم أنهم فُسّاق الظلمة في تعييرهم المؤمنين. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكتفي في قرض الله. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر