شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 12

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 12

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 12، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحذير من إهمال النصائح والانشغال بحطام الدنيا

يتناول الدرس معاني الأبيات التي تحذر من إهمال الوصايا والنصائح والاشتغال بمتاع الدنيا الفاني، مبيناً أن عاقبة ذلك الندم الشديد يوم القيامة عند رؤية الناجين يرتقون في الدرجات. كما يستعرض أبيات الإلبيري التي تؤكد أن الندم لا ينفع بعد فوات الأوان وتدعو إلى مراجعة النفس وترك التسويف.

أنواع الندامة ودرجاتها من الدنيوية إلى الأخروية

يشرح المقطع مفهوم الندامة مستشهداً بآيات قرآنية عن ندم الظالم يوم القيامة، ويبين أن العجلة أم الندامة بينما التأني من الرحمن. ثم يقسم الندامة إلى أربع درجات: ندامة اليوم، وندامة السنة، وندامة العمر، وندامة الأبد وهي الأشد والأخطر.

مراجعة الحساب والمسارعة في الخير وتجنب الكسل

يحذر المقطع من الندم عند رؤية الأقران يتفوقون بالعلم والعمل، ويؤكد أن المقام مقام مسابقة في الخيرات لا مكان فيه للبطء. ويستشهد بأبيات الإمام الشافعي التي تربط نيل المعالي بالكد والسهر، داعياً لمراجعة الحساب وترك التراخي قبل فوات الأوان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول ثلاثة أبيات من منظومة أبي إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. وسبق معنا التنبيه في الدرس الماضي حول البيت السابع والعشرين في قول الناظم رحمه الله تعالى: «وتذكر قولتي لك بعد حين». هذا صدر البيت، وعجزه: «إذا حقا بها يوما عملت». في بعض النسخ، ومنها نسخة ديوان الإلبيري التي قلنا حققها الدكتور محمد رضوان الداية، سقط البيت الذي بعده، البيت الثامن والعشرون، وعوض البيت الساقط بعجز البيت السابع والعشرين، فقال فيه: «وتذكر قولتي لك بعد حين وتغبطها إذا عنها شغلت». و«تغبطها إذا عنها شغلت» هذا بمعنى البيت الذي سيأتي معنا في أول أبيات درس هذه الليلة. وفا إذا سبقت معنا في مقدمة المنظومة، ألا وهي أن أبيات المنظومة كم عددها؟ كم عدد أبيات منظومة الإلبيري؟ نعم، مئتين وخمسة عشر. هكذا؟ صالح، مئة؟ أحسنت، مئة وخمسة عشر. وفي بعض النسخ حذفت ثلاث أبيات، حذفت ثلاث أبيات كما في الديوان، فصارت مئة واثني عشر بيتا. والأبيات المحذوفة: البيت الثامن والعشرون، وهكذا البيت رقم مئة وسبعة، والبيت الأخير. قال رحمه الله تعالى: «وإن أهملتها ونبذت نصحا وملت إلى حطام قد جمعت فسوف تعض من ندم عليها وما تغني الندامة إن ندمت إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفلت فراجعها ودع عنك الهوين فما بالبطء تدرك ما طلبت» وهذه الأبيات أشار فيها رحمه الله تعالى إلى أن من أهمل اتباع الوصايا والاستماع إلى النصائح، سواء كانت نصائح العلماء أو نصائح الآباء أو نصائح العقلاء، فهذا سيندم على عدم استجابته لهذه النصائح. ولهذا قال: «وَإِنْ أَهْمَلْتَهَا» أي أهملت النصائح والوصايا التي سبق وأن ذكرها رحمه الله تعالى. قال: «وَنَبَذْتَا نُصْحَا»، والنبذ هو الإهمال وعدم العمل، الإهمال وعدم العمل. قال: «وَمِلْتَ إِلَى حُطَامٍ قَدْ جَمَعْتَ»، والحطام المقصود به يعني ما يتحطم من الأشياء وينفصل عنها، والمقصود به هاهنا حطام الدنيا، وهو ما فيها من مال ومتاع وغيرهما. قل ذلكم الحطام أو كثرا، فكله سيؤول إلى الفناء، ولا يستفيد منه هذا الإنسان. وهذا، أحبتي في الله، فيه التحذير من الإنكباب على الدنيا، الإنكباب على الدنيا والانشغال بشهواتها الفانية، فإن نتيجة هذا الإنكباب والانشغال هو الندم. ولهذا قال في البيت الذي بعده: «فَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا وَمَا تُغْنِي النَّدَامَةُ إِنْ نَدِمْتَا». وهنا عندنا «فَسَوْفَ»، وفي بعض النسخ «لَسَوْفَ» بالألف، «لَسَوْفَ». قال: «فَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا»، «تعض من ندم عليها» يعني يقال: عض أصابع الندم، أصابع الندم عندما يتحسر على تفريطه في أمر ما، تفريطه في أمر ما، إذا فاته شيء عض على أصبع أو على مجموعة من الأصابع. وأما الندم العظمى يا إخوان في يوم القيامة، فيعض ذلكم المفرط الظالم على ماذا؟ على يديه. «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا». يخذل صاحبه ومن اتبعه في ذلكم الموقف العصيب. «فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِي». أي ندام هذه ينالها المفرط والظالم في ذلكم اليوم. قال: «وَمَا تُغْنِي النَّدَامَةُ إِنْ نَدِمْتَا»، أي أنها لا تغني عن صاحبها شيئا. ومن هي أم الندامة؟ أم الندامة، أم الندامات، نعم، عبد الله؟ العجلة هي ماذا؟ أم الندامة. أكذا كانت العرب تطلق عليها. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان»، من الشيطان. وقيل قديما: «قد يدرك المتأني بعض حاجته، وقد يكون مع المستعجلي الزلل»، وقد يكون مع المستعجلي الزلل. وبعضهم جعل الندامة أربع أنواع: ندامة اليوم، وندامة السنة، وندامة العمر، وندامة الأبد. أكذا ذكر بعضهم. أما ندامة اليوم، فقالوا: هو أن يخرج من المنزل قبل الغذاء، ينزل من المنزل قبل الغذاء، ومن يخرج غالبا قبل الغذاء مخزنون، والضائعون غالبا هذا دأبهم. والندامة التي هي ندامة السنة، قالوا: الزارع إذا فاته الموسم ولم يزرع، «فَمَنْ جَدَّ وَجَدَ، وَمَنْ زَرَعَ حَصَدَ». وأما ندامة العمر، قالوا: أن يتزوج بامرأة غير موافقة لطبعه، غير موافقة لطبعه، فيبقى يتجرع الندامة إلى آخر العمر. هذا إذا لم يتداركه الله عز وجل ويرزقه قلبا شجاعا فيتزوج له أخرى تعوض ما فقد من ماذا؟ من هذه السعادة، وتزيل ولو بعض الندامة التي قد يصاب بها. أما الندامة التي هي ندامة الأبد، فهي أن يترك أمر الله تبارك وتعالى، فهذه ندامة، نسأل من المولى عز وجل العافية والسلامة منها. قال: «إِذَا أَبْصَرْتَ صَحْبَكَ فِي سَمَاءٍ قَدِ ارْتَفَعُوا عَلَيْكَ وَقَدْ سَفَلْتَا». وقوله: «إِذَا أَبْصَرْتَ صَحْبَكَ فِي سَمَاءٍ»، والمقصود بالسماء ها هنا المنزلة العالية، المنزلة العالية. فسبقك المجتهدون، وبقيت مع المفرطين والمتكاسلين، حين أن ترى من كانوا معك أصبحوا علماء وقادة ودعاء ومعلمين. زميلك يصعد المنبر ويخطب، وأنت جالس تستمع. «قُمْ يَا فُلَانُ اخْطِبْ»، قال: «مَا أَسْتَطِيعُ». طيب، افتح لنا درسا، قال: «مَا أَسْتَطِيعُ». زميلك فتح لإخوانه دروسا، وليس مجرد درس واحد هنا يا إخوان، يندم على التفريط وعلى قلة الاجتهاد الذي كان عليه. «إِذَا أَبْصَرْتَ صَحْبَكَ فِي سَمَاءٍ»، أي إذا رأيت أصحابك قد أصبحوا في علو، وأقرانك أصبحوا في رفعة بسبب ما حصلوا من علوم وخير. فهنا، هنا يحتاج الشخص أن يراجع حساباته، أن يراجع حساباته. فالمقام يا إخوان مقام مسارعة، والمقام مقام مسابقة ومنافسة، أما البطء فلا يدرك به المطلوب، فلا يدرك به المطلوب. ومما يذكر في ديوان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: «بِقَدْرِ الْكَدِّ تَكْتَسِبُ الْمَعَالِي وَمَنْ طَلَبَ الْعُلَا سَهَرَ اللَّيَالِي وَمَنْ رَامَ الْعُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ أَضَاعَ الْعُمْرَ فِي طَلَبِ الْمُحَالِ تَرُومُ الْعِزَّةَ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلًا يَغُوصُ الْبَحْرُ مَنْ طَلَبَ اللآلِي» «بِقَدْرِ الْكَدِّ تَكْتَسِبُ الْمَعَالِي، وَمَنْ طَلَبَ الْعُلَا سَهَرَ اللَّيَالِي، وَمَنْ رَامَ الْعُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ، أَضَاعَ الْعُمْرَ فِي طَلَبِ الْمُحَالِ، تَرُومُ الْعِزَّةَ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلًا، يَغُوصُ الْبَحْرُ مَنْ طَلَبَ اللآلِي». ولهذا يا إخوان، السعيد من راجع حساباته قبل فوات الأوان. ولهذا قال في البيت الرابع: «فَرَاجِعْهَا وَدَعْ عَنْكَ الْهَوَيْنَ فَمَا بِالْبُطْءِ تُدْرَكُ مَا طُلِبَتْ». وقوله: «فَرَاجِعْهَا» أي راجع حساباتك، راجع ما سبق من نصائح ووصايا. «وَدَعْ عَنْكَ الْهَوَيْنَ»، والهوين الأصل أنها الاتئات في المشي، يمشي مشيا بطيئا، وهو السكينة والوقار والرفق، هذا مما يطلق على الهوين. لكن الناظم رحمه الله تعالى أراد هنا أن تترك الخلود إلى الدعة والراحة، وتميل إلى الكسل، تميل إلى الكسل، أي دع عنك التراخي والفتور والتواني والكسل. قال: «فَرَاجِعْهَا وَدَعْ عَنْكَ الْهَوَيْنَ»، لأنه كما سبق المقام مقام مسارعة ومسابقة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾، وربنا عز وجل يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. أما البطء فيه فما فيه فائدة، ولا يدرك به المطلوب، «فَمَا بِالْبُطْءِ تُدْرَكُ مَا طُلِبَتْ». إذا أخذنا في هذا المجلس أربع أبيات للناظم الإلبيري رحمه الله تعالى، ألا وهي قوله: «وَإِنْ أَهْمَلْتَهَا وَنَبَذْتَ نَصْحًا وَمِلْتَ إِلَى حُطَامٍ قَدْ جَمَعْتَ فَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا وَمَا تُغْنِي النَّدَامَةُ إِنْ نَدِمْتَا إِذَا أَبْصَرْتَ صَحْبَكَ فِي سَمَاءٍ قَدِ ارْتَفَعُوا عَلَيْكَ وَقَدْ سَفَلْتَا فَرَاجِعْهَا وَدَعْ عَنْكَ الْهَوَيْنَ فَمَا بِالْبُطْءِ تُدْرَكُ مَا طُلِبَتْ» فهذه الأبيات هي التي تحفظ، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله.