شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 10

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 10

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فضل العلم في ستر العيوب ورفع شأن صاحبه

العلم يُعد ثوب الإحسان والتقوى الذي يغطي عيوب الخلقة والنسب والفقر، ويرفع قدر صاحبه كما حدث مع عطاء بن أبي رباح والأعمش. ويستدل المتحدث بقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ لتأكيد فضل العلم.

أهمية العلم النافع ووجوب العمل به

العلم الحقيقي هو الذي ينفع صاحبه ويورثه تقوى وعملاً صالحاً، كما تجلى في تحول ابن باز من راعي إبل أعمى إلى إمام العلماء. ويحذر من علم لا يُعمل به فإنه يكون حجة على صاحبه ووبالاً يوم القيامة.

أهمية العمل بالعلم وخطر سوء الفهم في التلقي

يحذر المتحدث من طلب العلم دون العمل به مستشهداً بكلام عائشة رضي الله عنها وتحذير ابن القيم من سوء الفهم وسوء القصد. ويؤكد على ضرورة حضور الذهن والكتابة والمراجعة في مجالس العلم لتجنب الزلل ونشر الفتنة.

الخاتمة والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله، ويختم بالحمد لله رب العالمين مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم بكل شيء. وتكون هذه الخاتمة تذكيراً بفضل الذكر والدعاء في نهاية المجالس العلمية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد: قال رحمه الله تعالى: «وَضَافِي ثَوْبَكَ الْإِحْسَانَ لَا أَنْ تُرَى ثَوْبَ الْإِسَاءَةِ قَدْ لَبِسْتَ، إِذَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ خَيْراً فَخَيْرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَ، وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهْمُكَ فِي مَهَاوٍ فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ مَا فَهِمْتَ». هذه الأبيات فيها وصايا عظيمة، وفيها نصائح ثمينة ينبغي أن يستفيد منها طالب العلم. ففي البيت الأول يقول: «وَضَافِي ثَوْبَكَ الْإِحْسَانَ»، وفي بعضها: «وَأَفْضَلْ ثَوْبَكَ الْإِحْسَانَ»، وفي بعضها قلنا: «وَأَفْضَلْ ثَوْبَكَ الْإِحْسَانَ». وقوله: «وَضَافِي» هي فاعل من ضفا، يقال: ضفا الثوب، أي إذا سبغ وطال، إذا أصبح الثوب سابغاً وطويلاً. والمراد هاهنا أن أحسن ثوب يلبسه المرء فيسره ويزينه هو ثوب الإحسان، وثوب التقوى والإخلاص، فهو يعتبر أجمل ثوب وأحسن حلية يلبسها هذا الإنسان، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. والعلم يا إخوان يسر جميع العيوب، ويسد جميع النقائص التي توجد عند هذا الإنسان فيما يتعلق بأمور الخلقة، وهكذا في أمور الدنيا، فيستر الفقر ووضاعة النسب. لو كان الشخص فقيراً لكنه صاحب علم، فالعلم يستر هذا العيب. وهكذا إذا كان النسب وضيعاً، العلم يبني بيتاً لا أساس له، والجهل يهدم بيت العز والشرف، كما سبق معنا في أبيات ماضية: «رَأَيْتَ الْعِلْمَ صَاحِبَهُ شَرِيفاً وَإِنْ وَلَدَتْهُ آبَاءُ لَآمِ، وَلَيْسَ يَزَالُ يَرْفَعُهُ إِلَى أَنْ يَعْظُمَ شَأْنُهُ الْقَوْمُ الْكِرَامُ»، كما مر معنا قريباً. وهكذا ذمامة الخلقة، لو كانت خلقته ذميمة: أسود، أفطص، أعرج، أعور، أعشاء، أعمش، إلى غيرها من العاهات، ومما يدل على ذمامة الخلقة، فالعلم يسر تلكم العيب الذي قد يبتلى به الإنسان. ولهذا مر معنا قصة عطاء بن أبي رباح، سيد التابعين، وأنه كان عنده من العاهات والعيوب ما عنده. قالوا: اجتمع عنده خمسة أو ستة عيوب، ومع هذا كان في أيام بني أمية ينادى في المشاعر وعند المناسك: «أَلَّا يُفْتِي فِي النَّاسِ إِلَّا عَطَاءُ، إِلَّا عَطَاءُ». ما الذي رفعه؟ رفعه العلم، فستر تلكم العيوب التي لربما يشمئز الناس إذا نظروا إلى صاحبها. وهكذا ذكرنا الأعمش، سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، كان يلقب بيئة المصحف لقوة حفظه، كان يقول: «لَوْ كُنْتُ بَقَّالاً لَقَدَرَنِي النَّاسُ، لَقَدَرَنِي النَّاسُ». وهكذا أيضاً العاهات الأخرى الحاصلة في الإنسان، كالعمى: أعمى، أو كالعشاء. ما هو العشاء؟ وأظن قد اقترب وقت العشاء يا أبا عبد الله. مش العشاء، العشاء. أحسنت. نعم، العشاء: أي الأعشاء، الذي يرى في النهار ولا يرى في الليل. والعمش يا أبا عبد الله... هذا العشاء ما استطعنا أن نمر على أبي عبد الله. والعمش مثله حذو القذة بالقذة، أو بينهما خلاف؟ نعم، يعني ضعيف النظر في النهار، وفي الليل قوي. أحسنت. طيب، نعم تفضل. ما يستطيع يرى... أعمى، أعمى. أحسنت. أكمة، يقول يا حمس... أعمش يا حبيب. أحسنت. يعني عاهة بالعين، والأعمش هو الذي لا تستقر عيناه، تضطرب عيناه مع ماء قد ينزل منها، مع ماء قد ينزل منها، وهي تعتبر من العاهات أيضاً المذمومة. لكن العلم يسترها، العلم يسترها. والعرج، والقصر، وضعف البدن، وغيرها من الأشياء. فثوب الإحسان، وثوب التقوى، وثوب العلم، فماذا هو الذي ينفع؟ ومما يذكر في ترجمة الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: كان يعمل مع أخيه الأكبر في الإبل، يعمل مع أخيه الأكبر في الإبل بيعاً وشراءً وتربية إلى غير ذلك. فلما أصيب بآفة العمى، وكان سنه نحواً من ست عشرة سنة، فلما أصيب بآفة العمى، قال له أخوه: «لَا تَصْلُحُ لِهَذَا الْعَمَلِ، مَا يَصْلُحُ إِلَّا أَنْ تَلْحَقَ بِابْنِ إِبْرَاهِيمَ»، من ابن إبراهيم؟ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، عالم الحجاز ومفتي المملكة وكبير علمائها. قال: «مَا يَتَصَلُّحُ إِلَّا أَنْ تَلْحَقَ بِهِ». انظروا: لو بقي في عمل الإبل أعمى، قد يحتقره الجميع، بل حتى الإبل قد ترفسه بخفافها. لكن لحق بالعلم والتعليم والدعوة، فأصبح شيخ الإسلام وعالم هذا الزمان، عالم هذا الزمان، بشهادة القريب والبعيد، والعدو والصديق. فأي لباس لبسه ذلكم الإمام رحمة الله عليه؟ قال: «وَضَافِي ثَوْبَكَ الْإِحْسَانَ، لَا أَنْ تَرَى ثَوْبَ الْإِسَاءَةِ قَدْ لَبِسْتَ، إِذَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ خَيْراً فَخَيْرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَ». أي: إذا لم تنتفع بما تعلمت من العلوم، فالجهل خير من ذلك، الجهل خير من ذلك. لأن المقصود يا إخوان من العمل، المقصود من العلم إنما هو العمل بهذا العلم. فالعلم وسيلة، والعمل غاية. ومن لم ينتفع بعلمه، كان ذلكم العلم حجة عليه ووبالاً عليه. ولهذا مر معنا أن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء، كما جاء في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه، كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا». وفي حديث جابر عند ابن ماجه وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «سَلُوا اللَّهَ عِلْماً نَافِعاً، وَتَعَوَّذُوا بِهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَتَعَوَّذُوا بِهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «لَيْسَ الْعِلْمُ مِنْ كَثْرَةِ الْحَدِيثِ، لَكِنَّ الْعِلْمَ مِنَ الْخَشْيَةِ». قل: ليس العلم من كثرة الحديث، يحفظ ويقرأ، ولربما ألف وعلم، لكن لا يعمل بهذا العلم، ولا يورثه العلم تقوى وخشية ومراقبة لله عز وجل، لا يورثه أدباً جميلاً وخلقاً حسناً. فهذا يا إخوان العلم يكون وبالاً عليه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: «لَيْسَ الْعِلْمَ مَا حُفِظَ، إِنَّمَا الْعِلْمُ مَا نَفَعَ، إِنَّمَا الْعِلْمُ مَا نَفَعَ». ولهذا مر معنا أن من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة: رجل تعلم العلم، في رواية: قرأ القرآن، لكن لم ينتفع بذلك. وفي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ»، يعني الأمعاء وما حولها، «فَيَدُورُ حَوْلَهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ حَوْلَ الرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ»، يعني ما الذي جاء بك؟ نحن جئنا إلى هنا معروفين: هذا يشرب خمر، وذاك يتعامل بالربا، وذاك يزني، وذاك قتل. لكن أنت إمام المسجد، أنت خطيب الجمعة، أنت الواعظ والمعلم، ما الذي أتى بك يا فلان؟ أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: «نَعَمْ، كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ». أرأيتم يا إخوان أهمية ثمرة العلم؟ إذا لم يفدك العلم خيراً، فخير منه أن لو قد جهلت. وأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، أَنَا وَأَنْتَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا». نسأل الله العافية والسلامة. وأم المؤمنين عائشة، كان يدخل عليها بعض التابعين فيسألها عن مسائل، فلما رأت أنه أكثر، قالت له: «يَا بُنَيَّ، أَتَعْمَلُ بِمَا أَقُولُ لَكَ؟» فذكر أنه أحياناً يعمل وأحياناً لا يعمل، فقالت: «يَا بُنَيَّ، فَلِمَ تَكْثُرُ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الْحُجَجِ؟ فَلِمَ تَكْثُرُ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الْحُجَجِ؟». وليس معنى هذا يا إخوان التزهيد في العلم، لكن فيه الترغيب في العلم، والترغيب في العمل بهذا العلم، والاستفادة منه. ثم قال رحمه الله تعالى: «وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهْمُكَ فِي مَهَاوٍ فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ مَا فَهِمْتَ». وفيه تحذير من سوء الفهم، وأن الإنسان قد يُعْتَى من قبل سوء فهمه، وقد يُعْتَى من قبل سوء قصده. آذان أمراً يضل بهما من يضل من الناس، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله رحمه الله تعالى وغيره. إما بسبب سوء قصد، وهذا أمر باطن لا نستطيع أن نطلع عليه، وإما قد يُعْتَى من ناحية سوء الفهم: يسمع العبارة لكن لا يفهمها، يفهمها مقلوبة، بعدين يخرج من الدرس يقول: الشيخ الأستاذ قال كذا وكذا. منين لك هذا؟ قال: أنا سمعته، سمعته، أو فهمته. قال: لا، يعني هذا... معنى قوله. وكما قيل: «وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ». تقام يا إخوان فتن بين قبائل بسبب سوء الفهم، بل تقام فتن في الدين والدعوة: طالب سيء الفهم، وغد يكون سيء المقصد، يأخذ كلاماً من عالم فينقله إلى عالم آخر، يقول: فلان يفتي بجواز الانتخابات، وفلان يقرب الديمقراطية، وفلان يتكلم في الشيخ الفلاني. منين هذا؟ قال: سمعته في الدرس، سمعته بهذا النص. قال: لا، يعني معنى قوله. إذن فهم سقيم يضر بالدعوات. وهل قامت الفتن هذه الحالية وهكذا الماضية إلا بسبب أحد هذين الأمرين: إما سوء الفهم، وإما سوء المقصد؟ «وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهْمُكَ فِي مَهَاوٍ فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ مَا فَهِمْتَ». فلهذا، لهذا يا إخوان، الطالب ينبغي أن يكون مركزاً في الدرس، وليس نعس، نعس، أو يسرح بعيداً يفكر في بعض الأشياء. فإذا أوشك الدرس على الانتهاء حضر، حضر بعد ذلك، يقول: الأستاذ قال كذا، والشيخ قال كذا. طيب، أنت كنت نعس، أنت كنت سارح بعيد. فلربما فاتك أشياء، وألقاك فهمك في ماذا؟ في مهاو. فبعدها علّه يصح أن يقول: فليتك ثم ليتك ما جلست، فليتك ثم ليتك، ليتك ما جلست. لأنك قد تفهم فهماً خاطئاً فتضر نفسك وتضر غيرك. لكن مما يبعث وجود الذهن وقوة الفهم: أن يكون الطالب مع المدرس يلخص ويكتب ويسجل. وقد تشكل أشياء أثناء الدرس، يسجلها في طرف أو في مؤخرة الكراس، ثم يسأل عما أشكل، فيخرج إخوان بفائدة عظيمة من هذه الدروس التي يتلقاها. فأسأل المولى جل في علاه أن يرزقنا علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.