الدرس في مباحث في السنة النبوية 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الشيخ عن استغلال المبتدعة لمبحث الكذب لتشويه سمعة أهل السنة، ويبين تحريم الكذب على رسول الله عند أهل السنة. يُظهر أن أهل السنة يحرمون الكذب ويعتبرونه من أكبر الكبائر.
يتناول المقطع الفرق الضالة التي تستغل الأحاديث الضعيفة للطعن في أهل السنة، مثل القرآنيين الذين يزعمون أن السنة لا يعول عليها. يُبيّن أن هذه الفرق تستغل الأحاديث الضعيفة للتشكيك في السنة.
يُبرز المقطع أهمية علم الإسناد في حفظ السنة النبوية، ويُشير إلى أن الله خص الأمة الإسلامية بعلم الإسناد. يُوضح أن علم الإسناد ساهم في الحفاظ على الأحاديث وتمييز الصحيح من الضعيف.
يختم المتحدث البحث بالتأكيد على أهمية مراعاة الوضع والكذب في السنة، ويشير إلى أن الاستدلال بالمبحث على غير محله قد يحدث. يطلب من الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصلًا إخواني في الله في مباحث السنة النبوية، بالأمس كان حديثنا عن مسألة السنة وتحري الصحة، وأن الإنسان إذا أراد أن يتعامل مع السنة فينبغي أن ينظر إلى صحتها قبل كل شيء. ثم كانت الإشارة إلى أحوال أناس وفئات من الناس كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدسوا في سنته ما لم يقله عليه الصلاة والسلام. وهؤلاء لهم مشارب، منهم من هم زنادقة أرادوا الطعن والتشويه للدين، ومنهم من هم من أهل الفضائل ورغبة في الخير على حد زعمهم، ومنهم المتعصبة ممن أراد الانتصار لفكره ولمذهبه حتى غلا به الأمر إلى أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هذا المبحث، إخواني في الله، سيتعلق به أناس، هذا المبحث الذي يذكره العلماء سيفتح لنا أبوابًا للمبتدعة، يفتح أبوابًا للمبتدعة لكي يدخل من خلالها علينا. وهنا أحب إخواني في الاستكمال لما مضى من درسي أمس أن أشير إلى أننا لما نؤصل لهذا الأصل ينبغي ألا يخفى على أعيننا من ربما يستغل هذا المبحث في أن يطعن فينا. وأشير إلى مسألتين اثنتين، المسألة الأولى إخواني في الله وهي مسألة: عندما تحدثنا عن أحوال الكذبة الذين يطعنون في السنة، أشرنا إلى الزنادقة وأشرنا إلى المتعصبة. فلربما من يسمع هذا الحديث لربما ابتسم ابتسامة صفراء من المبتدعة، يبتسم ابتسامة صفراء ويفرح، ثم يقول لأصحابه وأتباعه: مع أنه وهو يهز رأسه ويقول: نعم، صحيح، أحسنت، ومن هؤلاء الكذبة الوهابية، إذ أنتم يا وهابية دسستم أحاديث في السنة النبوية. هذه المسألة، إخواني في الله، يترس عند القوم، فيذكرون عند أتباعهم وعند مورديهم وعند قلابهم أن هناك أناسًا هم على المذهب والمنهج الوهابي استغلوا السنة في أن يدسوا فيها من الأحاديث ما ليس فيها. ولهذا يجدون أن هذا الحديث لما تكلمنا بلمس ينصر ما هم عليه. انظروا، يعترفون يعترفون أن هناك من يدس، هناك الزنادقة وهناك الفجرة وهناك أهل الفضائل وهناك المتعصب وهناك الوهابية كذلك، هم يدسون. ثم يمثلون بالأحاديث التي هي في الحقيقة حجر عثرة أمامهم، أحاديث هي حجر عثرة أمامهم ما استطاعوا أن يزيحوها، قوية. حينها يلبسونها بأن هذا الحديث ليس صحيحًا، هذه الأخوان الوهابية طرحوها في السنة، انتبهوا منهم. مثاله كما يدندن به الآن حديث: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ما أنا عليه اليوم وأصحابي». هذا الحديث ما استطاع المبتدع أن يبلعه، كيف يبلعه والنبي قد أشار إلى الفرق الضالة التي فشت وانتشرت، وأشار إلى المأمن وإلى المرسى الذي ينبغي للناس أن يرسوا إليه، وهي السنة، ما كان عليه ما كنت عليه اليوم وأصحابي. فكان من أسهل ما كان على الخصوم أنهم يشيعوا بين الناس أن هذا الحديث كذب، أن هذا الحديث لا يصح، حتى إن منهم من صرح بأن هذا من وضع الوهابية، هم وضعوه. فالحقيقة، إخواني في الله، الرد على مثل هذه الطعونات ليس على هذا الحديث فقط، وإنما على غيره مما يدندن به المبتدع عندما يرمون الوهابية - على حد زعمهم - وعلى السلفية، بعضهم يعبر بهذا، وبعضهم يعبر بالمعنى الأصح «أهل السنة»، أنهم يدسون في الأحاديث. قل له يا عبد الله: اتق الله، اتق الله، إذا أردت أن تعلم بطلان هذا الأمر، سلهم ما الذي يقولونه في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما الذي يقولون به؟ هم لا يجيزون الكذب على أحد من خلق الله، فكيف يستسيغون الكذب على رسول الله؟ عندهم أن الإجماع قد تم على تحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الذهبي رحمه الله تعالى: «والكذب عليه من أكبر الكبائر»، هذا الذي ندين الله به، من افتَرى من كذب على رسول الله فقد وقع في أعظم الآثام، من أكبر الكبائر. كيف لا، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». قال عليه الصلاة والسلام: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». قال عليه الصلاة والسلام: «لا تكذبوا علي، فإنه من يكذب علي فيلج النار». أحاديث عظيمة مفجعة. فكيف إذا علمت يا عبد الله أن من أهل العلم من قال: إن الكذب على رسول الله كفر؟ وإلا فإن جمهور العلماء يرون أن الكذب على رسول الله معصية، إلا إذا استحل صاحبه الكذب، حينها يكفر. هذا القول الذي تسمعه هو الذي يتعبد الله به أهل السنة، هو الذي يتعبد الله به الوهابية - كما تزعم - يخافون أن يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم تأتي بكل صفاقة وترمي أهل السنة بأنهم كذبوا على رسول الله، وهم من أعظم الناس، وما وجدوا شرفًا في هذه الدنيا بمثل انتسابهم للسنة لتعظيمهم لجنابها. فهل يجدر بهم أن يكذبوا على صاحبها عليه الصلاة والسلام؟ حاشا وكلا. فابحث عن غيرها يا عبد الله، ثم زد على ذلك نقول: هاتِ الأحاديث، هاتِ الأحاديث. كما يأتي بعضهم بأحاديث الأسماء والصفات، وأن الله ينزل في آخر الليل، في الثلث الأخير من الليل. وبعضهم يهمس لأصحابه: هذا ما صح بحديث «أين الله؟ الله في السماء». يهمس في أصحابه هذا، انتبهوا. أحاديث، أحاديث، أحاديثهم، هؤلاء جعلوها، أخرجوها من الذي أخرجها؟ انظر، تتبع يا عبد الله، إذا كان عندك عقل، من أين خرجت؟ خرجت من بيت من؟ تجد أن الذي رواه البخاري، رواه مسلم، رواه أبو داود. رواه... ترمي، احكم على هؤلاء، لا تحكم علينا. إذا كنت ستأتي بلفظ الزنادقة: أنا هذا، أنا هذا الحديث أو تلك الأحاديث من وضع الزنادقة، ارمِ أولئك بالزندقة، إن كنت تجرؤ. ارمِ البخاري، ارمِ مسلمًا، ارمِ أبا داود، إمام أحمد، ارمهم بالزندقة. أو كنت تقول لهم: وهابية، إذن ارمهم بالوهابية. حديث «افترقت النصارى على إحدى وسبعين فرقة» إلى آخره، رواه أحمد، أبو داود. قل: أحمد وهابي، قل: أبو داود وهابي. لا تأتي عندي في القرن العشرين، أنا ما لفقت هذا، أنا جئت كما جئت مؤخرًا، وردت قبل سنين، وجئت هذا الحديث أمامي، أخذته، أخذ من أين؟ أخذته من كتب السنة. ارمهم، لا ترمِ الجماعة بأكملها، ما أحد فعل شيء، ما أحد لفَّها، هي موجودة في كتب، في بطون كتب السنة. فمن أراد أن يرمي أحدًا بالزندقة، ارمِ هؤلاء، إن كنت تجرؤ. أو ترميهم بالوهابية كذلك. فاحذر يا عبد الله من هذه التلفيقات، وقل: من يقول بأن أهل السنة أو أن السلفية أو أن الوهابية هم من هذا الصنف الذين يكذبون على رسول الله، حاشا وكلا، ما كان أحد منهم يجرؤ على أن يكذب على رسول الله أبدًا. هذه، إخواني في الله، الفرقة الأولى ممن يستغل هذا المقام أو المبحث السابق بالطعن فينا. فعلمنا بطلان ما عليهم، وأن أهل السنة ما كانوا ولن يدخلوا في قسم الوضاعين، حاشاهم، بل هم الذين فضحوا أهل الوضع. الفرقة الثانية الضالة التي تستغل مبحث الأحاديث الضعيفة وكيفية التفنيد، فرقة أخرى، وهم ما نعبر عنهم بالقرآنيين. القرآنية فرقة ضالة طرأت قديمًا وحديثًا، تجرأت، أصبح لها مدارس، لها منابر، لها رؤوس، لها كتاب ينشرون المنشورات. تدور فكرة هذه الجماعة الضالة على أن الاكتفاء في التشريع للقرآن، وأن السنة لا يعول عليها. طبعًا لست في صدد ذكر هذه الجماعة وما عليها من شبه، لكن الربط بين الفرق الضالة وهذا المبحث، أن المبتدعة أيضًا يبتسمون لابتسام الصفراء ويضحكون لهذا المبحث، فيلتفتون لأتباعهم وأصحابهم ويقولون: أسمعتم، أسمعتم الدرس؟ أحاديث وضعت على رسول الله، الزنادقة وأهل الفضائل وأهل التعصب والمرجئة والشيعة، وحتى أصحاب المذاهب من المتعصبة وضعوا أحاديث. ولهذا نقول لكم: انتبهوا، الضال يقول لأتباعه: فنقول لكم السنة لا نعول عليها؛ لأنها مليئة بالأحاديث المكذوبة، السنة مشحونة بالكثير من الأحاديث المفتراة. فلما وقع هذا الخلط بين الصحيح والضعيف، وبين الثابت وغير الثابت، وجدنا أن السلامة لديننا أن لا نعول على السنة. خذوها أنتم، محمد ما نريد، نريد دينًا صافيًا، والصفاء في القرآن، ما دخله الباطل، ما دخله شيء من الضعف، ولن يدخله شيء؛ لأن الله تكفل بحفظه. فهمتم الآن المأخذ الثاني على هذا المبحث. فسيأتي من سيأتي يا عبد الله، بعد تقريرك لما ذكرت من وجود حالات الضعف والكذب والزندقة والوضع على السنة، يأتي هؤلاء ويستغلون هذا المبحث في الطعن. قل إذن: صدقتم، إذا كان كما تقولون يا أهل السنة: بأن السنة فيها... إذن ما نعول عليها، ولن نستسيغ أن نجعل المسلمين ينكبون إلى مصدر وهو ملطخ، يصرحون بهذا، مصدر ملطخ. فحتى لا نقع الناس فيما لا يجوز، وما لا يجوز لا نعول على السنة. فظهرت هذه الفرقة القرآنية. طبعًا عندهم عدة شبه، لكن هذه من الرد عليهم يا إخواني في الله في هذا الباب. أولًا، علينا أن نعلم، نقول: نعم، الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن، لكن بحفظ القرآن فإنه يعني ضمنًا أن السنة محفوظة؛ لأن قوام القرآن إنما هو على قوام السنة. لأن الله عز وجل قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، الله عز وجل أنزل إليك هذا الذكر، وهو الذي قد حفظه الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فربنا قد تكفل بحفظ الذكر، هذا الذكر المحفوظ أنزله الله على من؟ عليك، لماذا؟ تبيانًا، لكي تبين. إذن إذا كان القرآن محفوظًا، ونبينا سيتكفل بحفظ هذا المحفوظ، إذن بيانه قد حفظ، عليه الصلاة والسلام، بيانه قد حفظ. فالله جل وعلت حفظ من السنة ما فيه الحفاظ لقوام الدين، ما فيه قوام القرآن. وسأتي هذا معنى في وظائف السنة: أن القرآن يحتاج إلى السنة في مسألة التبين، في مسألة فك الإجمال، في إضاح المبهمات. وأن من حفظ الله عز وجل للسنة أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الأمة من العلوم هذا من الله وحده، وخصها من العلوم ما يكون به حفظ السنة، ألا وهو علم الإسناد. علم الإسناد، يقال: ثلاثة علوم خصها الله لهذه الأمة المحمدية، ما وجدت في غيرها من الأديان، ألا وهي: الإسناد، والأنساب، والإعراب. ثلاثة علوم، كما حكى ذلك بعض العلماء، ثلاثة علوم لا تجدها في أي دين، ولا في أي ملة، ولا في أي ثقافة. علم الإسناد، وعلم الأنساب، وعلم الإعراب. هذا ما يوجد. علم الإعراب، خذ يا عبد الله ما شئت شرقًا وغربًا، بين ثقافات، هل أحد عندهم كتب النحو؟ هذا ما تجد إلا في الملة الإسلامية، في دينها، الإعراب علم. وعلم الأنساب، كتب الأنساب موجودة، كتب خصصت. وعلم بقي: أن الإنسان يتتبع نسبة نفسه إلى أبيه، إلى جده الأول، والجد الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، حتى ينتهي إلى الجد العشرين. عشائر وقبائل، هذا ما تجد إلا في هذه الأمة العربية الإسلامية. علم أبقاه الله لحفظ أنسابها. والعلم الأخير، علم الإسناد، لا تجد أمة عندها إسناد بينها وبين أنبيائها ورسلها. من الطريف ما يذكر في هذا المقام ما ذكره ابن حزم رحمه الله تعالى: أن النصارى ظفروا بإسناد بينهم وبين عيسى عليه السلام، كم إسناد؟ واحد فقط، ظفروا به، هذا الذي يدندنون به، إسناد واحد بينهم وبين نبيهم عيسى، وبينهم وبين عيسى عدد الرجال ثلاثون رجلًا، ثلاثون رجلًا، ذكروا أن هذا الإسناد في مسألة الطلاق. هذا عندكم، تعالوا عندنا، أتدرون كم الأسانيد والأحاديث التي بيننا وبين رسولنا؟ كم؟ آلاف، آلاف في الأحاديث، وأحيانًا يصل عدد الرجال التي بين أمتنا وبين رسول الله أحيانًا ثلاثة رجال، أربعة رجال، خمسة، إن زادوا. مفخرة، هذه مفخرة للأمة المحمدية، ما تجدها يا عبد الله في أي دين. لماذا وضع الله جل وعلا علم الإسناد لهذه الأمة المحمدية؟ حفاظًا على السنة، حفاظًا على السنة. زد على ذلك ما جعله الله لهذه الأمة المحمدية من وضع أو من خلق ثل من الأئمة، ثل من الأئمة، خلقهم الله - كما قال بعض السلف - ما خلقهم الله إلا لهذا الشأن، للحديث، خلقهم الله، أعطاهم قوة وجلد، يدونون ويؤلفون ويسافرون، يرحلون من هنا إلى هنا وإلى هنا حتى يجمعوا الأحاديث فقط. يسهرون الليالي، لربما هالك من هالك في طريقه، أو كاد من كاد أن يهلك في سفره، من أجل أن يجمع أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وينقيها. ثم جاء علم الجرح والتعديل، أعظم العلوم، ما لها نظير، الجرح والتعديل، يمسكون الرجل أمامهم، ويعرونه، والله ما يخافون، ما يخافون فيه الله عز وجل، دين من هو؟ ينظرون، يقلبون حاله، ليل نهار، كيفه، أخلاقه، دينه، صدقه، كذبه، حتى يكونوا حقه الذي يستحقه؛ لأنه سيروي؛ لأن الحديث سيمر من جهته. حتى إن بعض الأئمة، والله لربما ضعف ابنه، كما قيل عن بعض السلف: ماذا تقول في ابنك؟ هو من رواة الحديث. قال: سألوا غيري، سألوا غيري. قالوا: ماذا تقول في ابنك؟ فطأطأ برأسه، قال: إنه ضعيف، ابنه يضعفه، دين. ومنهم من ضعف من قرابته، ومن أعمامه، ومن أخواله، كل ذلك في سبيل تنقية الأسانيد، تنقية الأسانيد. هؤلاء خلقهم الله، ثم تأتي يا من تأتي وتقول: إن الأحاديث مخلوطة، ما ميزة؟ لا ميزة. أوجد الله هذه العلوم، أوجد الله هذه الهمم العالية. ولها ذكر الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ، وهكذا السيوطي في تاريخ الخلفاء: أن هارون الرشيد رحمه الله ألقى القبض على رجل، وهو من الزنادقة، وأراد أن يضرب عنقه. فقال هذا الزنديق: يا أمير المؤمنين، لم تضرب عنقي؟ لم تضرب عنقي؟ فقال هارون رحمه الله: لكي أريح المسلمين من شرك خبيث. فقال: يا أمير، والله لقد وضعت فيكم ألف حديث، أحللت فيها الحرام، وحرمت فيها الحلال. يعني: ابقني، اجعلني حيًا، ولا ستفرق في تصفية هذه الأحاديث. فقال هارون الرشيد رحمه الله تعالى: قال: «إن لها جهابذة سينقلونها نخلا»، وفي رواية: «قاتلك الله، قاتلك الله، قد أبقى الله أبا إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك، سينقلونها نخلا ويخرجونها حرفًا حرفًا». فأمر بضرب عنقه. لا تخاف، السنة محفوظة، السنة قد حفظها الله بحفظ هذه العلوم، وأبقى من أبقى من الرجال من ينخل السنة، فيرمي ما ضعف وما جاء من كذب، ويبقى الصافي الثابت في هذه الأمة. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذه الفرية التي يدندن بها القرآنيون ومن كان من ملاحدة العصر، ومن كان من زنادقة الإسلام، في أنهم يؤكسون على السنة بحجة أنها قد غيرت وخلطت بغيرها من الضعيف والمكذوب. قل يا عبد الله: ليس هذا مدعاء لترك السنة، بل إن الله جل وعلا أبقى لهذه السنة النبوية ما يصفيها. فأنت مأمور باتباع ما صح، باتباع ما صح، وما عدا ذلك فلا ركاكة إليها. إخواني في الله، خلاصة ما يذكر من تتمة للبحث السابق، وهي من المسائل المهمة، حينها تتعرف يا عبد الله أن هذا المبحث، وهو الكلام على الوضع والكذب في السنة، أن هؤلاء وهؤلاء قد يستدلون بالمبحث على غير محله، فينبغي مراعاة هذه المسائل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.