مباحث في السنة النبوية 12

مباحث في السنة النبوية 12

الدرس في مباحث في السنة النبوية 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية العقل في الإسلام وعلاقته بالسنة النبوية

يتناول أهمية العقل في الإسلام وضرورة الحفاظ عليه، وينتقد المدارس الفكرية التي ترفع من شأن العقل على حساب السنة النبوية. يُبين أن العقل محدود وقد يخطئ بينما السنة وحي من الله.

تقديم السنة النبوية على العقل في حالة التعارض

يؤكد على أهمية تقديم السنة النبوية على العقل في حالة التعارض، ويقدم أمثلة من أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي تحققت فيها نبوءات بدت مستحيلة في حينها. يشدد على ضرورة التسليم للسنة النبوية.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الإقرار بعلم الله تعالى ويُنهي الخطاب بالصلاة والسلام على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من المباحث المتعلقة بالسنة إخواني في الله، والتي نختم بها هذه السلسلة وفي هذه الدورة المباركة، ما يتعلق بمبحث السنة والعقل. السنة والعقل، هذا المبحث من المباحث المهمة التي يجدر بكل مسلم ومسلمة أن يتعرف على مدى العلاقة بين السنة والعقل. وأعني بالعقل العقل البشري، هذا العقل الذي هو هبة من الله عز وجل للخلق كافة. فالإنسان من خلال عقله قد ميزه الله جل وعلا عن سائر الكائنات من الجمادات والحيوانات، بل هذا هو السر في استخلافه، أن الله عز وجل كرمه واستخلفه على هذه الأرض من دون الخلق، لما كان من إعطائه لنعمة العقل، به يفكر، به يتأمل، به يتدبر، وبه ينتج ويثمر. فالعقل نعمة مهداة من رب العباد جل في علاه سبحانه وتعالى. وإن الشرع الكريم اعتنى بهذا العقل، وذلك له صور كثيرة، منها أن تعلم يا عبد الله أن الشرع جعل العقل محلا للتكليف، فهو مناط التكليف، فلا تكليف إلا بوجود العقل، وبغياب العقل يغيب التكليف، لا حلال ولا حرام، لا أوامر ولا نواهي، لا طاعات ولا واجبات، إذا غاب العقل تغيب الأحكام، ومتى ما حضر حضرت الأحكام. كما قال عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث، ومنها: وعن المجنون حتى يفيق». ومما يدل كذلك على عناية الشرع بأمر العقل أن الشرع أمر بالحفاظ على هذا العضو الهام، فجعل من الضروريات الخمس التي قام الإجماع ودلت عليها أدلة السنة والكتاب على ضرورة حفظها: حفظ الدين، وحفظ النفس، ثم حفظ العقل. هذه منزلته بعد النفس والدين تأتي العقل، يجب أن المسلم يحافظ على عقله. ثم قام الإسلام من خلال شرائعه وأحكامه بحماية العقل من كل ما يكون يؤدي إلى ضرره أو إلى تلفه أو إفساده، ومن هنا جاءت الأحكام في تحريم الخمور والمسكرات وما جار معناها وفحواها كالحشيش والمخدرات، كل ذلك محرم بالإجماع، من علل التحريم للخمور والمسكرات والمسكرات: حماية وصيانة للعقل أن لا يتلوث، أن لا يتغير فكره. إخواني في الله، لست في صدد ذكر هذه العلاقة، لكن مما أحب أن أذكره أن أناسا خاضوا في هذا المضمار ورأوا أهمية العقل، إلا أنهم رفعوا من منزلته، إذ أن منزلة العقل بعد الشرع، الشرع هو المقدم، ثم العقل يأتي من بعده، فحفظ الدين مقدم على حفظ العقل بالإجماع، لكن جاء من الناس من خالف الترتيب ويرى أن العقل له مزية وله شرف، حتى جعلوا من شرف العقل أنه أرفع من الدين. فجعلوا مثلا أن نصوص الشرع: الكتاب والسنة، هما تحت مجهر العقل، فلا يفهم الكتاب إلا بالعقل، ولا تفهم السنة إلا بالعقل. ما الذي فعلتم؟ قالوا: هكذا ينبغي أن يكون الأمر، العقل هو المسيطر، العقل هو المسيطر. ما أتكلم حول علاقة العقل بأحكام الدين برمته، أتكلم حول علاقة السنة مع العقل. وجد أن أناسا من الناس جعلوا العقل هو المسيطر على السنة، قالوا: السنة أنعم بها، هاتوا السنة أي سنة أتون بها، سنجعل لها ميزان ومعيار في قبولها. قلنا: معياركم الصحة والضعف. قال: لا، لا، لا، لا ننظر إلى الصحيح والضعيف، هذا كان عندكم، هذا من الطراز القديم، عندنا ميزان جديد وهو العقل. فأي حديث لا بد أن يمر على عقولنا، فما رأيناه وافق العقل قبلناه، وما رأيناه أنه يخالف العقل فهذا ليس له محل القبول، فهذا يرد. تخيل يا عبد الله هذه الفكرة تتبناها جامعات وفرق، كالمدرسة المعتزلة قديما والمدرسة العقلانية حديثا بكل صورها، يتبنون فكرة العقل أن العقل هو المسيطر على السنة. فلا مرور لأحاديث البخاري ولا أحاديث مسلم ولا المتفق عليها ولا الأقل ما جاء في السنن ولا المسانيد ولا المصنفات ولا المعاجم إلا من هذه البوابة: العقل. حينها تخيل يا عبد الله الفوضى العارمة التي ستحل على السنة النبوية، هذا الذي صار. فأين أن القوم أخذوا السنة يبعثرون بها، بحجة أن العقل ما وافق، هذه الحوادث منها حوادث وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مما أخبر من الأمور الماضية. قالوا: ما نقبلها، هذه ما نقبلها، هذه أحاديث من السنة ما تقبل لأن العقل ما استساغها. تحكوا لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في صغره شق صدره وأخرج قلبه ثم غسل ورجع. من يصدق بهذا؟ يقولون: بهذا. إخواني في الله، ما أتكلم عن أحاديث كذب عليهم، هذا موجود من درس السيرة النبوية، ونظر إلى من تصلط من أولئك العقلانيون على السنة النبوية في السيرة يفعل هذا. أحاديث شق الصدر لا ترد، ترد هذا ما نقبل، بهذه الأحاديث جاءت في الصحاح. قال: إيش من الصحاح؟ ما يعقل أن العقل يستسيغ مثل هذه القصص. إنسان يشق وهو حي ثم يخرج قلبه ثم يرجع، ما يصدق. وليس هذا وليس هذا فحسب، بل كذلك حتى فيما سيكون في الأمور المستقبلة. قلنا لهم: من السنة النبوية فيما يدلل على ما يسمى بالدلائل النبوة في الأحاديث المستقبلة أشراط الساعة. قالوا: اعرضوها علينا أن نشوفها. به فرأوها قالوا: بالمثل رأينا أن بعض ما يقبله العقل. إيش تقول؟ المسيح الدجال يأتي آخر الزمان، يقول للسماء تمطر وللأرض تنبت ويعيش كذا. لا، لا، ما عندنا هذا. فوالله طعن في أحاديث الدجال، وهي في الصحاح في البخاري ومسلم، لم يرفعوا رأسا. لا تقول: بخاري ولا مسلم. أعقل ما يستسيغ هذا؟ يقول: رجل يدور أربعين يوما وعنده أتباع وعنده سماء تمطر وعنده كنوز تتبع وعنده أنه يطير يسابق الريح. فردوا ما يتعلق بقصة يأجوج ومأجوج وما جاء في خبرهم. قالوا: هذا ما ما نقبل، بهذا الأوصة إذا كنتم ولابد قلتم أن هناك يأجوج ومأجوج، هم أهل الصين، هؤلاء. وإذا كان هناك شيء مدجال، فهي التكنولوجيا، هذه التكنولوجيا العورة، هذا الذي نعرفها. النبي أراد التكنولوجيا، ما أراد رجلا حقيقيا. افهموا الأحاديث على هذا الفهم لأهل السنة. وهكذا أخذوا أحاديث أشراط الساعة، وما لم يستسيغه العقل ردوه، ولم يكتفوا بهذا. أحاديث البرزخ قالوا: أحاديث البرزخ إيش فيها؟ قلنا لهم: فيها أن صاحب القبر يعذب وينعم. قال: ما العقل ما يصدق بهذا. بيدي تعالوا نذهب أنا وإياكم إلى مقابر اليهود والنصارى ونحفر قبورهم، ما نرى لا نار ونرى أن القبور ضيقت على أهلها، ما نرى شيء. ونذهب إلى قبور الصالحين وقبور الشهداء، نراها لا نرى أنها جنة، ولا نرى فيها أنها قد وسعت على أهلها، ما نرى شيء. الذي نرى هنا نرى هنا قبورا وعظاما، كيف تقولون أن السنة تقول في جحيم للكفار والمجرمين وفي نعيم؟ ما نقبل بهذا. يا إخوة، يعني هذه المدرسة أخذت جانبا عظيما من السنة ودفنت، بحجة عقل، العقل ما قبلها. هلذي ذكرتموه هذه نماذج، وإلا أحكام كثيرة، والله أحاديث أن موسى فقع عين ملك الموت كذب. أحاديث أن المرأة إذا باتت وزوجها عليها ساخط تلعنها الملائكة. قامت إحدى هؤلاء الداعيات العقلانيات قالت: هذا كذب، ملائكة تلعن متى كانت ملائكة تلعن؟ تلعن المرأة إذا نام عنها زوجها، لا، ما نصدق بهذا، الملائكة ما تلعن أحدا. ردت الأحاديث، فوضى فتح الباب بحجة أن العقل ما يقبل، فكل ما جاء أحاديث كان على هذا المنوال. إخواني في الله، هنا أحب أن أذكر هذه المسألة: العلاقة التي ينبغي أن تكون بين السنة والعقل، العلاقة: السنة هي الرأس، السنة هي الشرع، العقل تبع، العقل تبع. فإن حصل تعارض بين الشرع بين السنة وبين العقل، فالقول قول الشرع. مع أن ما يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ما نعتقد أن هناك تناقضا، لأن الحديث الصحيح لا يتناقض مع العقل الصريح، الحديث الصحيح لا يتناقض مع العقل الصريح، لا يتناقض. لأن الله عز وجل أنزل الشريعة تلائم العقول، لكن أحيانا يكون العيب في عقولنا نحن، لما يكون العيب في عقل أرى أن السنة معوجة، لا، العوج فيه أنا، ما هي في السنة. ولهذا يقول: لو افترضنا فرضا أن الإنسان وجد إعجاجا وأنه لا يمكن الجمع بين السنة وبين العقل، فالقول قول السنة، قول الشرع. لماذا؟ القول قول السنة، السنة لأنه وحي من الله، وحي من الله، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، هو خبر الله أوحاه الله إلى نبيه. وأما العقل، ما هو العقل؟ العقل إخواني في الله مخلوق، العقل مخلوق، خلق من خلق الله. فالعقل إخواني في الله له حد، افهم هذا. العقل مهما كبر، مهما كبر عقل صاحبه، رجل بلغ من العلوم مبلغا عظيما، لا زال عقله مخلوقا، فهو محدود، محدود، لن يصل إلى كل الأمور، بخلاف الوحي، فالوحي من الله جل وعلا، فالله علم ما كان وما سيكون. ولهذا انظر يا عبد الله إلى أصحاب العقول البشرية، الإنسان مثلا الكفار، لا زالوا يقننون القوانين والدساتير في دولهم، هل تجد أن هذا القانون يرسخ؟ يتغير، يتغير. عقل بشري اليوم يرى شيئا هكذا، ثم بعد فترة يغير رأيه. فلا زال البشر يغيرون من آرائهم ومن أفكارهم ومن قوانينهم ومن دساتيرهم، بل ربما سنوا الدستور والقانون ثم تندموا، تندموا عليه، لأن العقل أظهر شيئا آخر. لا يقول: في باب الدساتير، بل حتى في باب الطب، وباب العلوم، والهندسة، وباقي العلوم، كم قرروا من قواعد وقوانين فيزيائية، كيميائية، طبية، صحية، ثم ما جاءت السنوات إلا وغيروها. لماذا غيرتموها؟ قالوا: العقل اكتشف أمرا آخر. نعم، لأن العقل محدود، محدود، يغير رأيه، يرى هذا أصلح، ثم يقلب. لكن الشرع ما يتغير، الشرع هو هو، منذ أوجده الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأنه وحي من الله. فالسن ما تتغير، هذه القاعدة ينبغي أن يفهمها أهل العقل، أن ما اتكأتم عليه وخلق من خلق الله سيتغير ولابد. ثانيا، إخواني في الله، مما يرد به على هؤلاء أن العقل أمر الله عز وجل أهل الإسلام والإيمان بضرورة الخضوع إلى الشرع، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. السنة أمرت أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، وهذا يرجع الخيرة منها: الهوى، والنفس، والطباع، والعادات، والأسلاف، والعقول، ما لك أي خيرة. حكم من الله في كتابه، ومن رسوله في سنته، ما ينبغي للمؤمن أن يتخير بعد هذا، يعمل أو لا يعمل، أو يأتي بميزان فيزن هذا الأمر الرباني أو الحديث النبوي. هذا ليس لك. وفي حقيقة الحال الذي يرد الأحاديث لا يسمي نفسه صاحب عقل، بل هو في الحقيقة شرعا سماه ربنا صاحب هوى. قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾. سمي الذي تسميه، سمي الذي تسميه، أنا أرد السنة بحجة الواقع، أرد السنة بحجة أن النفس ما قبلتها، أرد السنة بحجة العقل. سمي الأعذار التي تسميها، لكن عند الله تسميتك: صاحب هوى. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ يَا مُحَمَّدُ وَعَدَمُ الِاسْتِجَابَةِ لِلْسُنَّةِ وَعَدَمُ الِاسْتِجَابَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ﴾. فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. فالله عز وجل أمر أهل الإسلام قاطبة بالرجوع إلى الدين: كتابا وسنة، وعدم ترك المجال للأهواء: للأهواء. ثالثا، إخواني في الله، من الردود في هذا الباب، نقول للعقلانيين مثلا: أنتم قلتم أن السنة ترجع إلى العقل، سلمنا، سلمنا، خذوها، هذا وهذا عندنا. مئة حديث أرجعوها إلى العقل. السؤال هو: عقل من؟ عقل من الذي سنرتضي أنا وإياك أن يكون حاكما على السنة؟ العقول كثيرة، العقول كثيرة جدا. عقل من؟ رجل، امرأة، صغير، كبير، عالم، جاهل، ولي صالح، عقل من؟ وافترضوا يا عقلانية أن أصحاب العقول أنتم افترقتم على القسمين في حديث ما، منه من استساغه فقبله، ومنه من لم يستسيغ فرده. نتحاكم إلى عقل من؟ إلى عقل ثالث، ثم إلى عقل رابع، عقل خامس، وسادس، إلى متى يا عقول تجعل الأحاديث للنبي أضحوكة وألعوبة للعقول البشرية؟ هذه مهزة. لا، إخواني في الله، وهذا الذي نجريه. وهكذا الأحاديث يهدر بها القوم. عندما تأتيك الأحاديث ننظر إلى قول فلان من العقلين، ماذا يقول؟ قال: الله قبله، الحمد لله قبله. والثاني قال: لا أرده. إيش هذا؟ فوضى. وهم درسوا واحدة، هذا يقبل، وهذا يرد. إذن الذي يقبل يأتي بمبررات، والذي يرد يأتي بأعذار. لا، يا عبد الله، حددوا عقلا واحدا حتى يتحاكم إليه، ولن يتجاسروا على هذا. خامسا، إخواني في الله، من مسألة الردود على العقول أنكم يا أصحاب العقول، ما رأينا أن عقولكم تتدخل إلا في الدين، إلا في السنة. تشرئب بالأعناق وتطال الألسن وتخرج على ديننا وتهزئون بالسنة مردودة، ما تصح. العقل يخالف إيش هذا الكلام؟ هذا شغل عيال، واستهزاءات تطلق على السنة. دعونا من السنة لأنها ما وافقت العقل، لأن وضعها شيخ خيالي. طيب، أخاطبكم أنتم الآن في الأمور الدنيوية، على ما تسكتون من هذه الترهات التي نسمعها من الغرب؟ يذكر الغرب أن هناك صحونا طائرة في الجو، وأن هناك مكوكا فضائيا يأتي، وأن هناك غزو فضائيا. ما أحد منكم يتكلم عن هذا، ولا يتجاسر أحد أن يقول أن هذا يخالف العقل. يسكت، تلزمون الصمت، لأنكم إن تجرأتم ضحك عليكم الغرب، لأنهم يعتقدون أن هناك صحونا طائرة. ما لكم؟ لتتحدثون عن الدينصورات وقد ألفت المؤلفات، وأنتم منهم تحدثون عن دينصورات، أتوني بدليل من يصدق بهذا؟ أن هناك حيوانات اسمها دينصورات عاشت في الأحقاب القديمة. من الذي عاش؟ من الذي صورها؟ من الذي رسمها؟ ثم في طرفة عين اختفت. هم يعترفون اختفت فجأة. ما عذركم؟ قال: والله في نيزك، نيزك استضم بالأرض فأذهب بالمخلوقات كلها في هذه اللحظة. يعني النيزك ما أخذ إلا الحيوانات والبشر خلاهم يتناسلون فيما بعد ويتقبلونها. وما قال منكم أحد جريء يقول: دينصورات العقل ما يصدقها. ما أحد يتجرأ، لأنهم إن تكلموا وسمع بهم الغرب قال: ما هي حقيقية؟ أما جرأتكم على دين الله. الصراحة يأتي ما يسمى بالرجل البدائي، سمعتم بالرجل البدائي؟ أن الإنسان القديم كان ذا لحية كثة وشعر مليء وجسمه عاري الأعلى وكان يلبس جلد الحيوان وعنده مرزبة يجرها، وحسبانه وحسبه في الدنيا لقمة عيش. هذا الإنسان البدائي متى عاش؟ قالوا: هذا كان الإنسان البدائي. تصدقون يا أهل العقل بهذا الكلام؟ أين الدليل؟ أما يتجرأ أحد يقول: أين الدليل العقلي على الصحة أن هناك عصرا الذي نعرفه؟ آدم عليه السلام خلقه الله بشرا سويا، خرج إلى الأرض، قابل هابلا، تكاثروا، عشر السنين، عشر قرون، جاءت أمة نوح. أين الإنسان البدائي هذا؟ أوجودون إياه؟ أوجودون إياه؟ ما يتكلم أهل العقل بهذا؟ معنى أشياء طارت بها الكتب والصحف والمدارس والمناهج، لكن ما يتجاسرون. إنما كلامهم الجسارة على أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، طعنا وغمزا، متى ما وجدوا أدنى حجة. وهذه المعلومات التي فيها الحجج الواهية، حتى أن من أصحاب الغرب هم بأنفسهم يروا أن هذه الطرهات ما صح منها شيء. خامسا وأخيرا، إخواني في الله، ينبغي أن يعلم المسلم أن العقل إذا حدث بحديث عليه أن يعلم أن ما جاء في حديث رسول الله هو الحق. وأن عقله إن لم يتقبل هذا الآن، ستأتي الدلائل في المستقبل. وانظر يا عبد الله لما ثبت في صحيح مسلم في قصة ذاك الرجل، وقد حكينا في دروس الماضية، عندما شكى لرسول الله أن أخاه يشتكي بطنه، فقال له نبينا: «إسقه عسلا». فسقاه، لكن زاد العقل هنا ماذا سيقول؟ فإذا خطأ في العلاج أخي مريض، وهذا العسل زاده مرضا، لأن قال: فزاد استطلاقا، زاد. فرجع الرجل إلى رسول الله، قال: يا رسول الله، إني سقيته عسلا فما زاد إلا استطلاقا. قال: «ارجع فسقه عسلا». فرجع، هنا شرع، وعندي عقل. الشرع يقول لك بأمر، هنا نبينا ما يجتهد، هنا وحي ينزل عليه. وهنا عقل يراه بعينه، التجربة واضحة، أنا ما أدت المفعول. لكن الرجل كان بين الشرع والعقل، كان ينصع للشرع، فقال له نبي: «ارجع فاسقه عسلا». فرجع، لكن الحالة هي هي، بل زادت. فقال: يا رسول الله، إني سقيته عسلا فما زاد إلا استطلاقا. قال عليه الصلاة والسلام: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب واسقه عسلا». فلما سقاه برئ. علل العلماء ما هي القصة؟ قال العلماء: القصة في هذا الحديث أن هذا الرجل كأنه كما يقال الآن في اللسان العصري: عنده تسمم غذائي. أكل شيئا أتى له بأوصاب بطنه، فكانت الجرع الأولى، الجرع الأولى هي إخراج الخبث، والجرع الثانية إخراج ما عسى أن يجد من الخبث والتصفية، ثم الجرع الثالثة هي العافية. فكانت هذه السقية الأولى والثانية تمهيد للعلاج. هذا من يعرفه؟ أنت لا تعرفه، لكن نبينا كان يعرف هذا بوحي السماء. فأنت يا عبد الله إذا رأيت أن الأمر أشكل عليه بين الدين بين السنة وبين العقل، سلم للسنة، وستجد أن الله عز وجل سيبارك لك في هذا الفعل. روى الإمام البخاري في صحيحه، وأحسن بهذا المقام، أن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: كنت في مجلس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إليه رجل فشك إليه الفاقة -الفقر- ثم جاءه آخر وشكى إليه قطع الطريق. قال عدي: فالتفت إلينا رسول الله، فقال: «يا عدي، أرأيت الحيرة؟» قلت: يا رسول الله، لم أرها، لكني أنبئت عنها، نعم، أنبئت عنها. قال: «يا عدي، لئن طالت بك حياة، لترين الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت، لا تخاف إلا الله». قال عدي: فقلت في نفسي: فأين دحر طي؟ يعني هذا الموقف الآن نحن في هذا المجلس، الرجل يشتكي لرسول الله من قطع الطريق، هم في المدينة، والمكة في المدينة، قطعوا الطرق كثر. والنبي يحدثهم شرعا أن المرأة سترتحل من تلك البقاع حتى تأتي إلى البيت، وما عندها أحد، ولا تخاف، وترجع. فقال عدي في نفسه: فقلت: فأين دحر طي؟ ثم قال: «يا عدي، لئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى». فقلت: يا رسول الله، كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز». الآن عقل، فرجل قبل قليل يشتكي من الفاقة، ما وجد مالا. والنبي ما عنده حتى شيء يعطيه لهذا الرجل. وهاهو الآن في نفس المجلس يخبرهم أن كنوز كسرى ستأتي. فقلت: يا رسول الله، كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز». ثم قال: «يا عدي، لئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا لشدة غنى الناس». ستأتي الواحد: مليء يده ذهب، أحد يريد ذهبا، الناس في غنى. «لتجدن الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة، فلا يقبله منه أحد». انتهى الحديث. قال عدي، ورضي الله تعالى عنه، معلقا على هذه الأمور الثلاث التي كانت في وقته مع رسول الله، شيء من الخيال. قال: فلقد رأيت الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت، ولا تخاف إلا الله. وكنت أنا فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز. ولئن طالت بكم حياة -الآن يعيد الكلام لغيره- أنتم لو طالت بكم حياة، لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة، فلا يجد أحدا يقبله منه. تأمل يا عبد الله دلالة العقل، ودلالة شرع. أشياء كانت مستحيلة حينها، لكن الشرع مقدم. دع العقل يا عبد الله، العقل ما يصدق، يرى أن هذا مستحيل، أن هذا للجنون أقرب، أن هذا للخيال أقرب. لا، يا عبد الله، في شرع الله ما هناك مستحيل، ما هناك غريب. فربنا يفعل ما يشاء جل في علاه. الخلاصة إخواني في الله، أن هذا المبحث من المباحث المهمة في معرفة علاقة العقل بالسنة، وأن العقل إنما يكون تبعا للسنة، فالسنة هي المهيمنة، فكيف لا وهي وحي السماء. وبهذا إخواني في الله، بهذا الدرس نختم السلسلة التي قد بدأنا بها الدورة المباركة في تتبع أهم المباحث. وإلا كما أسلفنا في دروس الأول، أن المباحث كثيرة جدا، ويجدر بالمسلم أن يتعرف عليها، وخاصة ونحن في هذه الأزمان التي كثرت الطعونات على السنة النبوية تحت مجالات كثيرة ومسميات عديدة. لكن هذه كما يقول الفاتحة، وإشادة وإشارة إلى عظيم هذه المباحث التي يسأل الله عز وجل أن يتفرغ لها من يتفرغ من طلاب العلم، وحملة العلم، في تقييدها، وفي التأليف في أمرها. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.