مباحث في السنة النبوية 11

مباحث في السنة النبوية 11

الدرس في مباحث في السنة النبوية 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

علاقة السنة بالقرآن وتوضيح وظائفها

المحور يتناول علاقة السنة النبوية بالقرآن الكريم ووظائفها إزاءه، حيث تؤكد أحكام القرآن وتفسرها وتوضح مجمله. السنة تلعب دورًا هامًا في توضيح وتأكيد وتأصيل أحكام القرآن.

بيان السنة لأحكام القرآن وتوضيح مجمله

هذا المحور يبين كيف توضح السنة النبوية أحكام القرآن وتفصل مجمله، حيث تبين الإجمال وتخصص العموم وتقيّد المطلق وتوضح المشكلات، وتأتي بأحكام جديدة لم يذكرها القرآن. من الأمثلة على ذلك توضيح كيفية الصلاة والزكاة وتخصيص الميراث وتقييد قطع يد السارق.

أهمية السنة في التشريع الإسلامي والرد على من يستغني عنها

المحور يشرح أهمية السنة في التشريع الإسلامي ودورها في تفصيل أحكام القرآن، ويرد على من يدعي الاستغناء عن السنة في فهم الإسلام، مؤكدًا أن السنة تأتي مؤكدة أو مبينة أو مزيدة لأحكام القرآن.

تحذير من إزاحة السنة عن الدين وخاتمة

المحور الأخير يحذر من خطورة إزاحة السنة عن الدين ويؤكد على أهميتها في فهم القرآن وتوضيح أحكامه، ويختم بالدعاء أن ينفع بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. ومواصل إخواني في الله في مباحث السنة النبوية، ومما نذكره إخواني في الله من هذه المباحث ما يتعلق بعلاقة السنة بالقرآن. مر معنا في دروس سابقة ما يتعلق بشأن السنة وأهمية السنة وعظيم فضلها وعظيم من تمسك بها، إلا لأننا في هذا المقام سنحرص على مسألة الربط بين السنة والقرآن، وأن السنة هي بحاجة للقرآن، وكذلك القرآن هو بحاجة للسنة. ومن خلال هذا المبحث يا عبد الله ستعلم ضلال من ضل من أهل الأهواء والبدع والضلال قديما وحديثا، ممن أراد أن يفصل السنة عن القرآن، إذ أن هذا للمحال أقرب. وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم في أدلة كثيرة إلى مدى تلازم السنة بالقرآن، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعد أبدا كتاب الله وسنة»، فهما مصدران من مصادر التشريع، وهما أيضا لا ينفك أحدهما عن الآخر. وعلى هذا جاءت عبارات السلف، قال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: «الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب»، الكتاب بمعنى القرآن، أي أن القرآن أحوج إلى السنة بحاجة إلى السنة من السنة إلى القرآن، يعني لو أردنا أن نذكر العلاقة القرآن بحاجة للسنة والسنة بحاجة للقرآن، لكن أيهما أشد احتياجا؟ القرآن أشد احتياجا للسنة، هكذا قال الإمام الأوزاعي، وذكر هذا عن جمع من السلف، عن مكحول الشامي، وعن الفضال بن عياض: أن العلماء من سلفنا بيّنوا على أن القرآن بحاجة إلى السنة. بل قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: «السنة قاضية على الكتاب»، السنة قاضية على الكتاب، ومعنى قاضية على الكتاب أي أنها تقضي به، أي شرحا وتوضيحا، هذا المراد، وليفهم خلاف ذلك، لأن من بعد أهل البدع والضلال لربما فهم هذه العبارة على غير معناها، وعلى أن السنة تمحي القرآن وتلغي القرآن، لا ليس هذا المراد. ولهذا ما قام السلف كابن عبد البر وجماعة من أهل السنة في بيان عبارة يحيى بن أبي كثير حين قال: «السنة قاضية على القرآن»، بمعنى موضحة وتقضيه، أي تبينه. وإن كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: «لا أجسر أن أقول هذه العبارة»، لا أجسر أن أقول هذا، لأن أقول أن السنة قاضية، قال: «لكن أقول السنة تبين القرآن»، هذا نعم، أنا هذا أقوله. فالشاهد أن عبارة السلف رحمه الله تعالى تدل على مدى العلاقة بين السنة والقرآن، وأن القرآن لا يستغني عن السنة. هنا نأتي إلى مسألة وهي المبحث الأدق، ما هي العلاقة المتينة التي تجعل القرآن محتاج إلى السنة؟ أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى وظائف السنة إزاء القرآن، وأنها على ثلاثة أوجه، وظائف السنة إزاء القرآن، وأنها على ثلاثة أوجه. فأشار رحمه الله تعالى، وأقولها اختصارا، وسأتي معنى الآن مفصلا، ذكر رحمه الله تعالى أن وظائف السنة مع القرآن: المسألة الأولى التأكيد، والمسألة الثانية التبيين، والمسألة الثالثة وهو ما يسميه بالتشريع أو ما يسمى بالتأصيل، فهي ثلاثة أوجه من أوجه حاجة القرآن للسنة. فالسنة تؤكد القرآن، والسنة تبين القرآن، والسنة تؤصل عن ما في القرآن. فنأتي إخوانا في الله إلى هذه الوظائف الثلاثة حتى تعلم يا عبد الله مدى علاقة القرآن بالسنة. العلاقة الأولى التأكيد، التأكيد وهي أن السنة إنما تأتي مؤكدة لأحكام القرآن، تأتي مؤكدة لأحكام القرآن. فالقرآن مليء بالأحكام، مليء بالفرائض، مليء بالمحرمات التي نهانا الله عنها، فتأتي السنة فتدعم القرآن، تدعمه وتؤيده. جاء في القرآن الأمر بأركان الإسلام، الأمر بإقامة الصلاة «وأقيم الصلاة»، الأمر بالزكاة «وآت الزكاة»، الأمر بالصيام «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام»، الأمر بالحج «ولله على الناس حج البيت». تأتي السنة وتؤكد هذا، قال عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». وهذا يستفيده الناظر والمستدل والمسلم، أن الحكم الشرعي إذا تواترت عليه الأدلة فإنه يزداد قوة. فلما تقول أن هذا الحكم واجب، دل عليه القرآن والسنة، ماذا يعطيك؟ قوة في الاستدلال، قوة في العمل، أو أن هذا الأمر منهي عنه، وقد دلت الأدلة على حرمته من أدلة القرآن ومن أدلة السنة، فالكل ينصب إلى التحريم، هذا يسمى أن السنة موافقة لما في القرآن. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «وإن رسول الله قد حرم كما حرم الله»، فهو يؤيد ما في القرآن، ومن يضع الرسول فقد أطاع الله، فالسنة تؤيد ما في القرآن، وهذا المنزل الأولى أن السنة تؤكد ما في القرآن. المنزل الثاني يا إخواني في الله، أن السنة تبين تبين ما في القرآن، يأتي القرآن بأحكام لكنها غير واضحة المعالم، فيأتي دور السنة وهي أنها تفصل، تبين، توضح. وهذا من صداقه ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، هذا دورك يا محمد، دور السنة أنك تبين ما جاء للناس وما نزل عليهم. وإن بيان السنة للقرآن يأتي في عدة مقامات، يأتي في عدة مقامات، من ذلكم في بيان المجمل، في بيان المجمل يوجد في القرآن آيات مجملة، الناظر إليها ما يستطيع من خلال النظر إليها أن يعمل بها، لأن اللفظ المجمل يحتاج إلى غيره، يحتاج إلى غيره. مثاله قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أقيم الصلاة يا عبد الله، كيف ستقيم الصلاة؟ لو أنك تصفحت القرآن من أول صفحة إلى آخره لن تجد آية واحدة فيها بيان لهيئة الصلاة، لن تجد آية واحدة في بيان هيئة الصلاة: استقبال القبلة، تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، الركوع، الرفع من الركوع، السجود، الرفع من السجود، السجدة الثانية، التشهد، التحيات، هذا ما تجده أبدا. فعندك في القرآن «وأقيم الصلاة»، يا رب أمرتنا بإقامة الصلاة، لكن أين الصلاة في كتابك؟ الرجوع إلى السنة، فالسنة تبين هذا الإجمال، كما قال نبي لذاك الرجل: «إذا قمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة وكبر وقرأ ما تيسر معك من القرآن، واركع حتى تطمئن راكعا، وارفع حتى تعتدل قائما، واسجد حتى تطمئن ساجدا»، علمه الصلاة هيئة هيئة، هذا من وظائف بيان أن النبي يبين الإجمال الموجود في القرآن. مثال آخر «وآت الزكاة»، أمر ربنا جل وعلا بإخراج الزكاة، أخرج الزكاة يا عبد الله، هذا أمر ربك عز وجل، فقلت طيب كيف أخرج؟ ما الذي أخرجه؟ ما هي الأنصبة؟ ما هو النصاب؟ ما هو شرح حوالان الحول؟ ما هي المواد الذي سأخرج منها؟ ما هي الأصناف الزكوية؟ ما مقدار الزكاة؟ هذا لن تجده في القرآن، لو فتحت القرآن من أول صفحة إلى آخر المقادير والأنصبة والشروط، ستجدها في السنة، في السنة النبوية. فهذا إجمال وجد في القرآن، بيانه في السنة النبوية، فمن بيان القرآن من بيان السنة أن السنة أزاحت الإجمال، وبينت الإجمال الموجود في القرآن. وقس على ذلك يا عبد الله أشياء كثيرة: الصوم والحج فرائض أمرها الله، فردت علينا في كتابه، لكن إضاحها، صفتها، بيان ماهيتها، ترجع إلى السنة، هذا من أوجه البيان. كذلك من أوجه بيان السنة للقرآن أن السنة تخصص العموم في القرآن، تأتي عمومات، يأتي لفظ عام، أنت لو انطلقت بهذه الآية ستأتي بعمومه، لكن تجد أن السنة توقفه، لا تفهم هذا العموم، لأن هناك تخصيص لهذا العموم. مثل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، قد يقول هذه الآية واضحة أن الله جل وعلا أوصى أوصى الوالدين بأولادهم في ميراثهم للذكار مثل حظ الأنثيين، فأنا أعمل بها بحذافيرها، أنا أقول بحذافيرها على عمومها، لا يا عبد الله، لأن السنة قد بينت أن هذا العام دخله التخصيص، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم. فإذا قدر أن الوالدين من أهل الإسلام، إلا أن ابنهما كفر وارتد وأصبح نصرانيا، هل ستتمثل بهذه الآية؟ تقول: يا إخواننا والله ما أستطيع، الله أمرني بأولادي، خير يوصيكم الله في أولادكم، وسأعطيه من ميراثي. نقول: لا يا عبد الله، هذه الآية وإن كانت عامة، لكن جاء في السنة ما يبين على أن هذا العموم، إن كان ابنك مسلما، أما إن كافر وأصبح كافر فلا يستحق الورث منك، فإن الكافر لا يرث المسلم، وأن المسلم لا يرث من الكافر. هذا مثال على عمومات وجدت في القرآن، تخصيصها جاء في السنة، فكانت هذا من أوجه البيان. كذلك من أوجه البيان للسنة للقرآن في تقييد المطلق، تأتيك ألفاظ قرآنية مطلقة، مطلقة أطلق الله عز وجل فيها الحكم والصفة، لكن لو تركت يا عبد الله على هذا العموم لكان أمرك ثاني مختلف، لأن السنة قد بيّنت أن هذا الإطلاق ليس على إطلاقه، وإنما هو مقيد بصفة معينة. مثاله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، أمر ربنا جل وعلا بقطع يد السارق، فأين تقطع يده؟ اليد تطلق من أين؟ من طرف الأصابع إلى الكوع، هذه كلها يد. فإذا جئت يا عبد الله وكن، وكنت ولي من أولياء المسلمين، وأردت أن تنفذ حكم الله الذي نطق به القرآن، ستقطع يد السرق إلى الأكواع، وهل هذا صحيح؟ قال: لا، لماذا؟ كان ينبغي أن ترجع إلى السنة، لأن السنة هنا قد قيدت هذا الإطلاق، وأخبرت أن الإنسان إذا أراد يعني إذا أراد أن تقطع يده، لا تقطع من المرفق، وإنما تقطع من الكوع، وهو مكان الرسغ، مكان الرسغ. أين جاء هذا الإيضاح؟ هذا جاء إيضاح في السنة، القرآن أطلق اليد «فاقطعوا أيديهما»، من الأصابع إلى المرفق، لكن جاءت السنة وبينت أن القطع إلى محل الرسغ، إلى محل الرسغ. وعندي أمثل كثيرة على هذا الباب، فيها إشارة على أن من بيان السنة للقرآن أنها تبين لك مكان التقييد. كذلك من بيان السنة للقرآن إضاح الإشكال، إضاح المشكل في القرآن، وهذا كثير. كم من آيات قرآنية تتنزل على أصحاب رسول الله في زمنه عليه الصلاة والسلام، فأشكل فهمها على الصحابة، فكان رفع هذا الإشكال من أذهانهم بماذا؟ بالسنة النبوية، حتى يتبين لكم «الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر»، ظن بعض الصحابة أن الخطاب على الخيوط، حتى أنه أتى بخيط أبيض وبخيط أسود وجعله تحت وسادته. فأبان لهم نبينا صلى الله عليه وسلم أن المراد بالخيط الأبيض هو الفجر، ضوء الفجر، وليس مقصود به الخيط الخيط. وعندما نزل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾، ظن الصحابة أن الظلم هنا هو عموم الظلم، وأن من تمام الإيمان أنك لا تظلم أحدا، فشق هذا على الصحابة، شق هذا على الصحابة. فأخبرهم نبينا أن الظلم هنا هو الشرك، هذه الإشكالات التي طرأت على أذهان الصحابة، من الذي أزاحها؟ نبينا صلى الله عليه وسلم بالسنة. وهكذا أنت يا عبد الله، ستمر عليك آيات قرآنية لربما ستفهم على غير فهمها، لكن إذا أرجعت إلى السنة النبوية ستعلم أن النبي فسر بتفسير، وتفسير من وحي السماء. فدل ذلك على أن من بيان السنة للقرآن إضاح المشكلات، فهذا إخواني في الله الوظيفة الثانية، وهو البيان، السنة تبين القرآن، إما يكون في تخصيص عمومه، أو في تقييد إطلاقاته، أو في بيان إزاحة ما كان من مشكلاته، هذا كله مما جاءت به السنة. الوظيفة الثالثة والأخيرة أن السنة تأتي بأحكام جديدة، أن السنة تأتي بأحكام جديدة، صورتها أن من الواجبات ما سكت عنه القرآن، من الواجبات ما سكت عنه القرآن، فجاء إيجابه من السنة، وأن من المحرمات ما سكت عنه القرآن، أي عن تحريمه، لكن جاء تحريمه في السنة. فهذا يسميه العلماء أن السنة موجبة، هذه وظيفة السنة أنها موجبة، معنى موجبة أي أنها أوجبت علينا حكما جديدا، أو يعبر بعض الفقهاء عن هذه الوظيفة بأن القرآن مزيدة، أن السنة مزيدة، معنى أن السنة مزيدة أي أنها زادت علينا حكما جديدا، أو أن السنة مؤصلة، أنها أصلت لنا حكما جديدا. فعبر بما شيء: مؤصلة، موجبة، مزيدة، كلها بمعنى واحد، أي أن السنة تأتي بأحكام ما جاء به القرآن، هذا من علاقة السنة في القرآن أنها زادت بأحكام، زادت بأحكام. وهذه أحكام كثيرة جدا، من الواجبات ومن المنهيات كثيرة جدا. أن تتزوج يا عبد الله، أن تجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، ما حكمه؟ لا يجوز، أين حكم هذا؟ هذا في السنة، ما جاء في القرآن. أن نهي عن أكل ذوات السباع، وذوات المخالب من الطيور، حرام، من أين الدليل؟ السنة، ما جاء في القرآن قط. أن نهي عن الحمر الأهلية، هذه الحمير ما تؤكل، وقام الإجماع على حكمة أكلها، من أين جاء هذا الحكم؟ من السنة، ما جاء في القرآن قط. أداب مسائل متعلقة بالرضاع، الرضاع نعم جاء ذكره في القرآن، لكن كيف الرضاع؟ كم عدد الرضاعات؟ ما أحكام الرضاعة؟ ها تجدها في السنة، باب خاص في السنة الرضاعة. الإحداد نعم جاء في القرآن أن المرأة تحد على زوجها، بقي الإحداد: تمتنع عن هذا، وتمتنع عن هذا، وعن هذا، ولا يجد هذه المحرمات المنهيات عن المرأة المحتدة، أين دليلها؟ سنة، ما جاء في القرآن. ما جاء في القرآن وقص على ذلك يا عبد الله، الآداب الكثيرة: آداب الطعام، آداب الشراب. يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك، هل هذا في القرآن؟ ما جاء في القرآن، القرآن أمر بالأكل «كلوا واشربوا»، لكن كيفية الأكل في السنة. وهكذا قل في مسألة الشرب، آدابها في السنة، آداب الخلاء، آداب الحمامات: أنك لا تستقبل قبلة، لا بغائط ولا ببول، ولا تستخدم اليمين، ولا تستجمل بعظم، ولا بروس، ولا بأقل من ثلاث، أحكام كثيرة في الخلاء، أين بابها؟ أين دليلها؟ السنة، ما تجد هذا قط في القرآن. ولو مثلنا بأمثل كثيرة جدا لطالبنا المقام. ومن خلال هذه الأمثلة يا عبد الله ستعلم عظم السنة، وأن السنة كما قال السلف: أن القرآن بحاجة إلى السنة، لهذه الأوجه الثلاثة، فالسنة تأتي مؤكدة لما في القرآن، أو مبينة لما في القرآن، أو مزيدة عن ما في القرآن. وهذه الخصال الثلاثة إخوانا في الله فيها بيان على أن السنة مصدر من مصادر التشريع. ولهذا يقول إمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، واستقلالها بتشريع الأحكام»، وهي مسألة الثالثة، قال: «ضرورة دينية»، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام، من لا حظ له في دين الإسلام. من هذا الذي يتفوه بما نسمعه من بعض الفرق الضالة، على أننا لسنا بحاجة إلى السنة، لسنا بحاجة إلى السنة. وخرجت علينا هذه النبتة الضالة من الجماعة القرآنية، بالله عليك يا عبد الله، لو جئ لك بكافر قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله»، وأدين الله بدين الإسلام، ماذا علي؟ لو قيل: خذ هذا القرآن وأعمل به، قلنا: كفيك؟ ولو قرأ القرآن ليلا ونهارا، هل يمكن أن يقيم الإسلام؟ ما سيستطيعه، سيقرأ نعم. وأقيم الصلاة كيف سيقيم الصلاة؟ كيف؟ المواقيت، واستقبال القبلة، والطهارة، وكيفية الوضوء، أين سيفعل هذا؟ ما سيفعل، سيقول: أخوانا يقول قرآن، هذا نعم، كتاب الله فوق العين والرأس، لكن أنا ما أستطيع، ما فهمت كيف أصلي. الله أمر بالزكاة بس كيف الزكاة؟ أزكي ماذا؟ خشب أنا، صياد أنا، أشتغل في البحر، أزكي عن صيد، أزكي عن ماذا؟ يقول له: السنة تبين. ولهذا من زعم على أنه بإمكانه أن يتعبد الله بدين الإسلام من غير سنة، فهو ضال، بل هو للجنون أقرب. وكنت دائما أذكر هذه القصة، والذي قد سمعتها من شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، عن ذلك من القرآن المغفل الذي يتبجح بأنه مستغني عن السنة، ولا يريد السنة، ولا يعول عليها، ولا حتى ينظر إليها. فقيل: يا عبد الله، أنت إذا كنت بهذه المثابة مستغني عن السنة تماما، فأنت إمام قومك، لأنه إمام يصلي بالناس، فأنت إمام قومك تصلي بالناس أربع أربع، ثلاث ركعات، ركعتين، أين هذا في القرآن؟ أين هذا في القرآن؟ فأخذ يفكر، يقول: نعم في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى: الفجر، وثلاث: المغرب، ورباع: الظهر والعصر والعشاء. سألتكم بالله، هذا رجل عاقل، يصبح أن يكون إمام مسجد، أو صاحب فكر؟ أما أن هذا للمصحة العقلية أقرب، هكذا هم مجانين. فالذي يدعون في مثل هذه الأزمات، وهم نابتة ظهروا في بلاد اليمن، وفي بلاد السودان، وفي بلاد مصر، ولهم كتابات، ولهم طبعا أذرع، كل أذرعهم يدعون احترام الإسلام، والغير على الدين، لكن تحت الطعن في السنة. إما كما مر معنا بالأمس يشككون أن السنة أصبحت منطحة بالأحاديث الضعيفة، فالأولى أن نتركها على جنب. ومنهم من يغمس بالسنة من حيث أن السنة النقلة الذي نقلوا لنا الأحاديث فيهم الضعف، وفيهم الضعيف، حتى أن من الصحابة من اختلف، ثم يشككون في الرواة، حتى يضعف السنة، حتى وصل بعضهم إلى أن يطعنون في صحيح البخاري، والذي قد اتفقت الأمة على أنه ما من كتاب أصح بعد كتاب الله من صحيح البخاري. ثم يأتي مخذول من الخلوف في مثل هذه الأزمان، ويتكلم بطرف لسانه، ويطعنون في هذا الكتاب المبارك، التي أجمعت الأمة على صحته. فاحذر يا عبد الله من هذه الدعاوى، لأن السنة إذا أزيحت عن الدين سقط الدين، وكما سمعت القرآن لا يقوم إلا على السنة، إما تأييدا، وإما تبيينا، وإما إضاحا لبعض الأحكام الجديدة. هذا ما أذكره في هذا المقام، أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.